أقلام وأراء

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة أولية لنتائج الانتخابات المحلية



يُستدل من نتائج الانتخابات المحلية، في إطار قراءة أولية لاستشراف وفحص الدلالات التي يمكن رصدها، خصوصًا بعد غياب طويل لم تجر فيه، والتي تعطلت وتأجلت وتعثرت لأسباب عديدة ليس الوقت للخوض فيها. هذه الانتخابات أفرزت مجموعة معطيات لا يمكن تجاهلها، تتكشف ضمن مشهد متلاطم الأمواج على عدة حقائق، من بين أهمها: العلاقة بين الانتخابات والاحتلال في مرحلة قاسية، إذ ليس فقط أن الاحتلال ما زال جاثمًا فوق صدورنا، وإنما يزداد شراسة وعنفًا. وهو (أي الاحتلال) يمثل اليوم التهديد الأول والأساس، والخطر الوجودي للشعب الفلسطيني على أرض وطنه. وإجراء الانتخابات قد يقود إلى سؤال: ما جدوى أن تجرى مع وجود الاحتلال واستمرار الوضع الحالي؟

من الدلالات الهامة أيضًا، ضمن استعراض العملية الانتخابية للهيئات المحلية، أن جيلًا طوال الفترة الماضية لم يمارس حقه في الانتخابات (الترشح والتصويت)، نظرًا للأحداث والأوضاع التي مرت بها الأراضي الفلسطينية المحتلة وما زالت قائمة. يمكن قول الكثير حيال ذلك، وما تحمله أيضًا من نقاش قد يطول، لكن من أكثر الأمور تفاعلًا، إلى جانب ذلك، لوحظ العديد من القضايا والمؤشرات الهامة، من بينها: اهتمام الجمهور، الفترة الزمنية للدعاية، والمشاركة في مظاهر هذه الدعاية التي تفاوتت بشكل لافت واختلفت من منطقة إلى أخرى. وهو أيضًا ما انعكس على نسبة التصويت.
وبعملية مرور سريعة للأرقام، بحسب لجنة الانتخابات المركزية، فإن عدد الهيئات المحلية بلغ 237 من أصل 421 لم يُجرَ فيها الانتخابات. وتشير إلى أن 40 هيئة أخرى لم يترشح فيها أحد، ووجود 197 فازت فيها قائمة واحدة (التزكية)، بينما جرت العملية الانتخابية في 184 هيئة محلية. هذه ليست مجرد أرقام يتم سردها، فهي تحمل في طياتها أيضًا معاني تنبع من تصور وتوقعات بنيت عليها، بعيدًا عن حالة الجدل التي واكبت قانون الهيئات المحلية رقم 23 للعام 2025 وتعديلاته، ثم سحب شرط الترشح بما يتيح إمكانية المشاركة بعد إزالة الشرط السياسي. والأهمية التي تكتسبها العملية الانتخابية في إطار تجديد الهيئات المحلية، لما من شأنه تعزيز الصمود الشعبي وحماية النسيج المجتمعي في ظل واقع الاحتلال الذي يفرض مخططاته، وهو ما يجب العمل على مواجهته ضمن الإمكانات. ربما لا مجال للمقارنة هنا بين الانتخابات التي جرت العام 1976، وأدت في حينه إلى فوز كاسح لقوائم التيار الوطني المدعوم من م.ت.ف، وفشل محاولات الاحتلال فرض مرشحين يتعدى دورهم الانتخابات المحلية ليحلوا محل منظمة التحرير. اليوم، بصراحة، نحتاج إلى فحص جدي لما أفرزته نتائج الانتخابات الحالية، بناءً على الحقائق التي تتجلى، والبحث عن سد الثغرات ومواجهة المخاطر ومعالجتها على قاعدة مرتكزات واضحة تمامًا، تصون الإرث الطويل من العمل القائم على الوحدة، رغم وجود حالات اختلاف هنا وهناك في أحيان كثيرة.

مسألة أخرى جديرة بالنقاش، حول طغيان وجنوح مزاج الناخبين والترشيحات للمزيد من الطابع العشائري بالمعنى العصبوي (أي، بصراحة أكثر، على حساب الفصائلي)، رغم محاولات تغليف الفصائل بالعشائرية في (توليفة) غير متجانسة. وإمكانية الإيفاء بمتطلبات العمل المشترك القائم على وجود قاعدة شعبية واسعة تشكل درعًا حاميًا لأي هزات تمكن أن تتعرض لها المجالس، مما يصعب من القيام بدورها في إطار رؤية أوسع كثيرًا من كونها خدماتية فقط. إنها تتعدى ذلك إلى مجالس حماية لا جباية، تحاول عبر إشراك أوسع القطاعات داخل الموقع والهيئة المحلية، ضمن توجه تشاركي قائم على المساندة ورفد المجالس بمقومات البقاء والاستمرار، من جهة بالدور الخدمي المحدد، والعمل أيضًا على تطوير آليات تتناسب مع الرقمنة والتوسع الحضري، والانتقال إلى مساحات العمل بثورة التكنولوجيا، وصولًا إلى البيئة ومشاكل التلوث والمساحات الخضراء، والاهتمام بمجالس الظل وجيل الشباب والمؤسسات القاعدية. لتشكل جميعها لوحة يمكن من خلالها العمل بصورة ترتقي إلى مستوى التحديات، في ظل سيادة القانون وتعزيز الشفافية والنزاهة والحكم الرشيد. فالانتخابات هي بوابة لتوطيد عناصر القوة للمجتمع، ومعالجة الثغرات، واحترام التعددية والتداول السلمي للسلطة عبر صندوق الاقتراع في الانتخابات الحرة المباشرة.

المسألة الأخرى في هذا الإطار، التي لا بد من المرور عليها، لها علاقة بجودة ونوعية ومميزات استفادة الجمهور من الخدمات في عمل الهيئات المحلية. وهنا أيضًا تجد إجباريًا أن الاحتلال يطل برأسه، فأي خدمات يمكن أن تلبي احتياجات المواطن؟ حيث يسجل غياب أو تلاشي أو ضعف الإشارة في معظم البرامج الانتخابية والدعاية للقوائم المختلفة، لإبراز الطابع المتعلق بمجابهة اعتداءات المستوطنين والمصادرات وهدم البيوت، باعتبارها (كما أسلفنا) تمثل تهديدًا وجوديًا.
فعلى المجلس تكريس جهد للوضع الذي نعيش، وإدراج برامج تعزيز الصمود ضمن خطة للحكم المحلي ووزارات الاختصاص الأخرى، وألا يقتصر الدور على جمع فواتير الكهرباء والمياه وتركيب عدادات الدفع المسبق (تسليع) الخدمات التي تثقل كاهل المواطن في ظل ظروف عجز كبيرة يراها الجميع. ومن شأن احتضان وتطوير شبكة علاقات، وإيجاد بدائل وابداعات جيل الشباب، أن يصل إلى مجلس بلدي أو قروي يعي دوره ومصادر قوته المجتمعية، ضمن معطى واسع يستوعب التجارب ويعيد الاعتبار لقضايا المواطنة والانتماء، وقيمة العمل التطوعي والمشاركة الشعبية على أساس أولويات. مثلاً: هل يمكن الحديث اليوم عن توسيع الخارطة الهيكلية للقرى والبلدات؟ وتشجيع الأزواج الشباب على إقامة تعاونيات زراعية أو منشآت مدرة للدخل، وهي أحد الحلول لمشاكل البطالة بعد توقف العمالة داخل الخط الأخضر، وفي ظل الأزمة المالية للحكومة مع استمرار قرصنة المقاصة؟ كثيرة هي التساؤلات، لكن الأساس هو الاستثمار في الجهد الجمعي (أي الموارد البشرية) والتجارب الخلاقة لصناعة التغيير المنشود، برؤية جامعة تخدم الجميع.

انقضت الانتخابات المحلية باعتبارها استحقاقًا وطنيًا ديمقراطيًا، وهي عملية تراكمية من شأنها، إذا أحسن استغلالها، أن تلبي احتياجات الجمهور الأوسع في القضايا التي تخص عملها، إذ تتعدى الخدمية إلى فضاء أوسع ننشده جميعًا. وهي يجب أن ترتبط بالشأن الداخلي المحلي، وتحملها أجندة تحددها أولويات الشعب الفلسطيني. المسألة تتعدى مواءمة الأولويات على بنود وثيقة الإصلاح، التي تضغط دول غربية عديدة لإنجازها (الدول المانحة) ضمن اشتراطات سياسية تمس ثوابت الشعب الفلسطيني تحت يافطة الديمقراطية، وتتناسى واقع شعب تحت الاحتلال الذي يقوم بتدمير كل شيء في حياتنا، ولا يريد لنا الخير ليسمح بإجراء الانتخابات. وعلينا تعزيز إرادة التحدي حتى في الانتخابات التي يمنعها في القدس مثلاً، وتطوير آليات الاشتباك السياسي لإثبات بطلان وزيف ادعاءاته.

المؤشرات التي حملتها نتائج هذه الانتخابات، ولو بشكلها الأولي، لا يجب التقليل منها. ونسب التصويت (56%) هي متدنية نوعًا ما، وهي تعكس خيبة أمل لدى جمهور واسع، رغم تسجيل وعدم إغفال النقطة الهامة: أن مجرد إجراء الانتخابات في هذه الظروف والتحديات هو إنجاز كبير، في حين كان هناك من يشكك في إمكانية أن تجرى أصلًا. والعبرة بالقادم، والمعيار الأساس هو الالتزام بالبرامج وتطبيقها، وتقديم أفضل الخدمات للمواطن، فهو الأساس، والحق في حمايته ووجوده أولوية قصوى.


أقلام وأراء

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس

ماذا قدم الصمــــود الإيراني لروسيا والصيـن؟؟



لعل الموقف الروسي والصيني أثناء وما بعد وقف إطلاق النار في الحرب التي لم تنتهِ بعد بين إيران من جهة والولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة ثانية كان حذرا لحد ما في إطلاق التصريحات السياسية بالرغم من المتابعة الحثيثة من قبل الدوائر المختلفة في كلا  الدولتين كونهما مهتمتين ومعنيتين جدا في هذا الشأن وما ينشأ عنه ومآلاته، والسبب معروف وبديهي وهو العداء والقطبية المنافسة بين كل من روسيا والصين والولايات المتحدة، فمثلا تصريحات " وانغ يي" وزير الخارجية الصينية ووزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" كانتا شحيحتين ونادرتين للغاية، وأول سبب هو ان هذه المعركة لم تنتهي، ولم تحسم، وربما فصولا منها قد تأتي، لكنهما بالتأكيد نظرا بإيجابية كبيرة للصمود الإيراني امام العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وعدم تمكين الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أي من الأهداف التي رفعاها منذ بداية الحرب، لذلك استخدما حق النقض الفيتو لصالج إيران في مجلس الامن لصالح إيران واسقطا القرار المقدم من دول الخليج برئاسة البحرين  والأردن والذي يحمل الرقم (2817)، ولأنهما يعتقدان  أيضا انه في حال حصل حل دبلوماسي لهذه الحرب،سيكون لهما دور مهم فيه، ناهيك عن تأثرهما اقتصاديا نتيجة هذه الحرب ربما تكون الصين بأثر سلبي لأنها تعتمد على البترول والغاز الإيراني بشكل كبير،على عكس روسيا التي وجدت في هذه الحرب وارتفاع أسعار النفط عالميا فرصة لرفع الحصار عن  بعض صادراتها النفطية والغازية  بسبب حربها مع أوكرانيا، وانها تستفيد من رفع كلفة الطاقة لإنعاش خزينتها المالية.
لكن هذا التباين الاقتصادي بين البلدين روسيا والصين ربما يكون مختلفا سياسيا، فكلا البلدين اللذين تجمعهما أكثر من علاقة استراتيجية مع إيران، في اكثر من ملف، وقد كوّنا معا وأسسا أكثر من تجمع بقصد الخلاص من القطبية الامريكية المتفردة، ناهيك ان الحرب الاقتصادية بين أمريكا الرقم الأول اقتصاديا في العالم والتي تخشى النمو الهائل للاقتصاد الثاني المنافس لها وهو الصين، بالإضافة ان روسيا التي تخوض حربا شعواء مع اوكرانيا التي يدعمها حلف الناتو والولايات المتحدة ترى ان حسم الموقف العسكري في أوكرانيا يحتاج فيما يحتاج ان تصل الخلافات بين الدول الاوربية في حلف الاطلسي وامريكا الى القطيعة وتوقف الدعم الأمريكي المالي والتسليحي والذي لمح اليه ترامب اكثر من مرة، فتعثر الولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل في حربها مع إيران كشف الى حد بعيد القدرة الامريكية العسكرية التي لم تحسم أي من أهدافها بالرغم من الضربات العدوانية المكثفة على إيران لمدة أربعين يوما وبشكل طال اكثر من عشرين الف هدف، وهو الذي  تعتبره الصين تجربة فعلية للقوة  العسكرية الامريكية التي ممكن ان تصتدم معها في حال طرأ أي  تصعيد بينهما في بحر الصين على خلفية الحرب الباردة بينهما فيما يخص تايوان، وان هذه القوة التي كان ولا زال يتفاخر فيها الرئيس الأمريكي ترامب ظهرت واقعيتها وانها ليست بدون سقف، وان دولة بحجم إيران  بالرغم من الحصار والعقوبات المفروضة عليها منذ سبعة وأربعين عاما تمكنت من ابطال مفعولها بالرغم من الخسائر والدمار، وبالتالي طبع الان في الوعي القيادة الصينية صورة تجربة مهمة مفيدة لها، قد تشجعها على الاقدام على استعادة تايوان للحضن الصيني في أي فرصة تأتي بتردد اقل مما كان عليه الامر قبل اندلاع الحرب بين أمريكا وإيران.
اما روسيا، فقد ظهر ترحيبها وميلها لتأييد الموقف الإيراني في تصريحات الرئيس الروسي  فلاديمير بوتين وما قاله في ختام لقائه مع وزير خارجية إيران عباس عراقجي عندما التقاه الاثنين في بطرسبورغ عندما أشاد بالشعب الإيراني وصموده وأضاف "روسيا  على غرار إيران تعتزم مواصلة علاقتنا الاستراتيجية "، وهذا بحد ذاته يحمل رضا عن الفعل الإيراني في الميدان والسياسة. كما سيشكل هذا الصمود وهذا الأداء الإيراني سواء العسكري منه او السياسي تعزيزا للتفاهمات التي تجمع الدول الثلاث منفردة ومع التجمعات الأخرى مثل تجمع "شنغهاي" او "البركس" وغيرها ويعزز التوجه لفك التفرد بالقطبية الواحدة في العالم.
الخلاصة ان الصين وورسيا قد جنيتا مكاسب استراتيجية من الصمود الإيراني لم  تظهر كلها لغاية الآن، لكن ارداداتها ستكبر يوما بعد يوم خاصة عندما تفشل اهداف  أوــ جزءا كبيرا منها ــــ هذه الحرب التي رفعتها الولايات المتحدة بالذات ومن خلفها إسرائيل.


لكن هذا التباين الاقتصادي بين البلدين روسيا والصين ربما يكون مختلفا سياسيا، فكلا البلدين اللذين تجمعهما أكثر من علاقة استراتيجية مع إيران، في اكثر من ملف، وقد كوّنا معا وأسسا أكثر من تجمع بقصد الخلاص من القطبية الامريكية المتفردة



أقلام وأراء

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

ماذا لو كان هرمز في فلسطين؟


سؤال يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى لعبة جغرافية عبثية، لكنه في عمقه يكشف عن مفارقة سياسية وأخلاقية حادة: ماذا يحدث حين يتحول موقعٌ جغرافي إلى قدرٍ تاريخي؟ وحين تصبح المضائق أكثر من مجرد ممرات مائية، بل اختناقات للمعنى نفسه؟
 لو كان مضيق هرمز في فلسطين، لربما لم نكن سنسميه "مضيقًا" أصلًا، بل "اختبارًا دائمًا للأعصاب"، أو "نقطة اشتباك كوني"، أو—وهنا تبدأ السخرية—"ممرًا إنسانيًا مشروطًا بموافقة من لا يعترف بإنسانيتك". كان سيغدو مكانًا لا تعبره السفن فحسب، بل تمرّ عبره أيضًا خطابات التهديد، ومسرحيات الردع، وبلاغات المجتمع الدولي التي تبدأ بالقلق وتنتهي بالصمت.
 في العالم كما هو، يُنظر إلى هرمز بوصفه شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، أي اضطراب فيه يرفع أسعار النفط، ويستدعي اجتماعات عاجلة، ويحرّك الأساطيل. أما لو كان في فلسطين، فربما كان سيُعاد تعريفه: لن يكون شريانًا عالميًا، بل "تفصيلًا محليًا معقّدًا"، ستُعاد صياغة اللغة، كما يحدث دائمًا؛ فبدل أن يُقال "تهديد للملاحة الدولية"، سيُقال "توتر أمني"، وبدل "حصار"، سيُقال "إجراءات تنظيمية".
لو كان هرمز في فلسطين، لربما لم تكن أزمة العبور مجرد مسألة سيادية أو أمنية، بل كانت ستتحول إلى تجربة يومية للانتظار الوجودي، انتظارٌ لا يُقاس بالساعات، بل بما يراكمه في الداخل من شعور بالعجز المُقنّن؛ فكما يقف الناس على الحواجز، لا لسبب واضح دائمًا، بل لأن "النظام" يقتضي ذلك، كانت السفن أيضًا ستدخل في طقسٍ مشابه: طقس التأجيل المفتوح، حيث لا أحد يعرف متى يتحرك الدور، ولا لماذا يتوقف. هنا، لا يعود الزمن خطيًا، بل دائريًا، يلتف حول نفسه كما تلتف الطرق الالتفافية حول المدن.
هنا تبدأ السخرية الثقيلة: ليست الجغرافيا وحدها ما يتغير، بل الحساسية الأخلاقية للعالم، فالقيمة لا تُقاس بالمكان، بل بمن يسكنه. ولو كان هرمز في فلسطين، لأصبح اختبارًا إضافيًا لقدرة العالم على التكيّف مع التناقض: كيف يمكن لممرٍ حيوي أن يكون محاصرًا؟ كيف يمكن للسيادة أن تكون مؤجلة إلى أجل غير مسمى؟ وكيف يمكن للحديث عن القانون الدولي أن يتعايش مع استثناء دائم لا يُسمّى استثناء؟
في هذا السياق، سيكون للمصطلحات دورها الحاسم في إعادة تشكيل الواقع؛ فبدل أن يُقال إن هناك "تعطيلاً لحركة التجارة العالمية"، ستُنتج لغة جديدة أقل حدة وأكثر قابلية للهضم: "تباطؤ مؤقت"، "إجراءات احترازية"، "تنظيم عبور". اللغة هنا لا تصف الواقع، بل تُعيد هندسته أخلاقيًا، فتخفف من وطأته، وتُطبع الاستثناء حتى يصبح قاعدة، وهكذا، يتحول الاختناق من حالة طارئة إلى وضع مستقر، يُدار لا يُحل.
في هذا السيناريو المتخيّل ستتضاعف المفارقات؛ ستقف السفن في طوابير الانتظار، ليس فقط بسبب التوتر العسكري، بل ربما بسبب "إجراءات تفتيش طويلة الأمد"، أو "تأخير إداري غير مقصود". وستُطلب تصاريح لعبور الماء، كما تُطلب اليوم لعبور الطرق، وسيصبح البحر نفسه مساحة خاضعة للتأويل: هل هو بحر مفتوح أم "منطقة أمنية"؟ هل المرور فيه حق أم امتياز؟
ولو كان هرمز في فلسطين، لربما ظهرت طبقة كاملة من "اقتصاديات الالتفاف"، لن تبقى المسارات المباشرة هي الخيار الوحيد، بل ستُخترع طرق بديلة أكثر كلفة وأطول زمنًا، لكنها أقل احتكاكًا بالمنع. كما يفعل الناس يوميًا حين يختارون طريقًا أطول لتجنب حاجزٍ ما، ستفعل السفن الشيء نفسه: ستدفع أكثر، تنتظر أكثر، لكنها تتجنب الاصطدام المباشر مع نظام لا يمكن التنبؤ به. هنا، لا يُعاد تشكيل الجغرافيا فقط، بل يُعاد تشكيل المنطق الاقتصادي ذاته، بحيث يصبح الهدر جزءًا من "الكلفة الطبيعية".
لكن الأهم من كل ذلك، أن هرمز الفلسطيني لن يكون مجرد موقع جغرافي، بل مرآة مكبّرة لحقيقة أعمق: أن العالم لا يتعامل مع الوقائع كما هي، بل كما يريد أن يراها. فالمكان ذاته، لو تغيّر سياقه السياسي، يتغير معه تعريف الخطر، وحدود التعاطف، وسقف الرد.
 في هذا المشهد سيبرز سؤال العدالة بوصفه سؤالًا مؤجلًا دائمًا، لن يُطرح بوصفه أولوية، بل بوصفه ترفًا نظريًا يمكن تأجيله إلى حين "استقرار الأوضاع"، لكن هذا الاستقرار لن يأتي، لأنه مشروط بمنظومة تستفيد من غيابه. وهكذا، تصبح العدالة وعدًا مؤجلاً يُستدعى في الخطابات، ويُغيّب في السياسات، وكأن العالم يقول ضمنًا: يمكن للاقتصاد أن ينتظر دقائق، لكن الإنسان يمكنه أن ينتظر عقودًا.
 ولو كان هرمز في فلسطين، لربما رأينا كيف تتحول الأولويات العالمية، هل كانت القوى الكبرى ستسمح باضطراب طويل الأمد في تدفق الطاقة؟ أم كانت ستتدخل سريعًا، بحزم لا يحتمل التأجيل؟ وإذا كان الجواب هو التدخل، فلماذا يتأخر في أماكن أخرى حيث المعاناة أقل تأثيرًا على الأسواق وأكثر تأثيرًا على البشر؟
 هنا، يصبح السؤال الفلسفي أكثر إلحاحًا: هل قيمة الأشياء تُقاس بذاتها أم بعلاقتها بالمصالح؟ وهل العدالة مفهوم كوني فعلًا، أم أنها تتشكل وفق خرائط النفوذ؟
 في عالمٍ يكون فيه هرمز في فلسطين، سنكتشف ربما أن الجغرافيا ليست بريئة، وأن الخطوط على الخرائط ليست مجرد حدود، بل أنظمة توزيع غير مرئية للقيمة والاهتمام، سنرى كيف يمكن لمضيق واحد أن يكشف ازدواجية كاملة: ازدواجية في اللغة، وفي القانون، وفي ردود الفعل، بل وحتى في تعريف ما هو "أزمة" وما هو "وضع طبيعي".
وربما، في ذروة هذا التخيّل، سنرى كيف يُعاد تعريف "العادي"، سيصبح وجود الحواجز في البحر أمرًا مألوفًا، كما أصبح وجودها على الأرض، وسيُنظر إلى أي انسياب حرّ على أنه استثناء يستحق الاحتفاء، لا حقًا بديهيًا. هنا تكمن المفارقة الأشد قسوة: حين يُعاد تعريف الطبيعي بحيث يتسع للاختناق، ويضيق بالحرية.
 وقد يكون أكثر ما يثير السخرية—المرّة لا الخفيفة—أن هذا العالم سيتكيّف بسرعة، ستُكتب تقارير، وتُعقد مؤتمرات، وستُطرح مبادرات "لإدارة الأزمة"، لا لحلها. سيصبح الاختناق جزءًا من المشهد، كما أصبح غيره، وستتعلم السفن الانتظار، كما تعلّم البشر الانتظار قبلها.
 لو كان هرمز في فلسطين، لكان درسًا مكثفًا في كيفية تكيّف العالم مع ما لا ينبغي التكيّف معه؛ ليس لأن العالم عاجز، بل لأنه يختار—بوعي أو بدونه—أن يعيد ترتيب أولوياته وفق ما يخدم استقراره لا عدالته. عندها، لن يكون السؤال فقط عن موقع المضيق، بل عن موقع الضمير: أين يقف حين تتقاطع المصالح مع القيم؟ وأي كفّة ترجح حين يصبح الاختيار مكلفًا؟
 في النهاية، لا يتعلق الأمر بهرمز بقدر ما يتعلق بنا: بكيف نرى، وكيف نبرر، وكيف نختار أن نتحرك أو ألا نتحرك. السؤال ليس ماذا لو كان هرمز في فلسطين، بل: لماذا يتغير معنى هرمز حين نغيّر مكانه؟ وما الذي يقوله ذلك عن العالم الذي صنعناه، أو قبلنا به؟
ربما الإجابة ليست مريحة. لكنها، على الأقل، صادقة بما يكفي لتزعجنا.
==================================
 ولو كان هرمز في فلسطين، لربما رأينا كيف تتحول الأولويات العالمية، هل كانت القوى الكبرى ستسمح باضطراب طويل الأمد في تدفق الطاقة؟ أم كانت ستتدخل سريعًا، بحزم لا يحتمل التأجيل؟ وإذا كان الجواب هو التدخل، فلماذا يتأخر في أماكن أخرى حيث المعاناة أقل تأثيرًا على الأسواق وأكثر تأثيرًا على البشر؟




أقلام وأراء

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

عودة صانور: رسالة الضم التي تكسر أوهام المتخاذلين


لم تعد مسألة الاستيطان في الضفة الغربية مجرد سياسة توسع تدريجي تفرضها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحت ذرائع أمنية أو دينية، بل باتت اليوم تعبيرًا صريحًا عن تحوّل استراتيجي أعمق: الانتقال من إدارة الاحتلال إلى إعادة إنتاجه بصيغة أكثر صلابة وشمولًا، وفي هذا السياق، تبرز إعادة طرح مستوطنة صانور كعلامة فارقة، لا لأنها موقع استيطاني جديد، بل لأنها نموذج لإعادة احتلال ما سبق أن أُخلي، وكأن الزمن السياسي يمكن شطبه والبدء من نقطة الصفر.
ما يجري في صانور لا يمكن فصله عن سياق أوسع يشهد تآكلًا متسارعًا لفكرة “الانسحاب” ذاتها داخل العقل السياسي الإسرائيلي، فخطة فك الارتباط عام 2005، التي قُدّمت حينها كخطوة استراتيجية لإعادة التموضع، تُعاد قراءتها اليوم داخل التيار اليميني باعتبارها خطأً تاريخيًا يجب تصحيحه، ومع صعود اليمين الديني والقومي إلى مركز القرار، لم يعد الهدف فقط منع قيام دولة فلسطينية، بل تجاوز ذلك نحو إعادة السيطرة المباشرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض.
صانور، في هذا المعنى، ليست سوى بداية اختبار، اختبار لمدى القدرة على كسر القيود السابقة، سواء كانت قانونية أو سياسية، واختبار لردود الفعل الفلسطينية والدولية على حد سواء، فإعادة إحياء مستوطنة أُخليت بقرار إسرائيلي رسمي تعني ضمنيًا أن كل ما جرى الاتفاق عليه أو تنفيذه سابقًا لم يعد ملزمًا، وأن موازين القوة الحالية هي المرجعية الوحيدة.
لكن الأخطر من ذلك أن هذه الخطوة تعكس تحولًا في وظيفة الاستيطان نفسه، فبعد أن كان أداة لفرض وقائع تدريجية على الأرض، بات اليوم يُستخدم كأداة لإعادة هندسة المجال الجغرافي الفلسطيني بشكل جذري، لم يعد الهدف فقط توسيع مستوطنة أو ربطها بأخرى، بل خلق شبكة سيطرة متكاملة تقوم على العزل والتقطيع، بما يحوّل التجمعات الفلسطينية إلى جزر منفصلة فاقدة لأي تواصل جغرافي حقيقي.
في شمال الضفة الغربية تحديدًا، تكتسب هذه السياسة بعدًا إضافيًا، فالمنطقة التي كانت تُعتبر تاريخيًا أقل كثافة استيطانية مقارنة بوسط وجنوب الضفة، تتحول تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة لإعادة الانتشار الاستيطاني، ومع إعادة طرح مواقع مثل صانور وحومش، يصبح واضحًا أن هناك توجهًا لإعادة رسم الخريطة الاستيطانية في هذه المنطقة، بما يفرض واقعًا جديدًا يقيّد الحركة الفلسطينية ويعيد تشكيل موازين السيطرة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط لماذا الآن، بل أيضًا إلى أين تتجه هذه السياسة؟
الإجابة تبدو مرتبطة بطبيعة المرحلة السياسية داخل إسرائيل، حيث لم يعد هناك حرج في طرح مشاريع الضم بشكل علني، ولم تعد الحاجة قائمة لتغليف السياسات الاستيطانية بخطاب “أمني” أو “مؤقت”، نحن أمام لحظة سياسية ترى في الأرض مجالًا مفتوحًا للحسم، لا للتفاوض.
وفي المقابل، يأتي هذا التصعيد في ظل واقع فلسطيني مأزوم، يعاني من انقسام سياسي عميق وتراجع في القدرة على صياغة استراتيجية مواجهة موحدة، وهو ما يمنح المشروع الاستيطاني هامشًا أوسع للتحرك، في ظل غياب كلفة سياسية حقيقية يمكن أن تردعه،
إعادة إحياء صانور ليست مجرد خطوة على الأرض، بل إعلان عن مرحلة جديدة في الصراع، عنوانها إعادة تعريف الاحتلال نفسه، لم يعد الأمر يتعلق بإدارة وضع قائم، بل بإعادة تشكيله بالكامل وفق رؤية تعتبر كل انسحاب سابق مجرد تفصيل قابل للمحو، وفي ظل هذا التحول، يصبح التحدي الأكبر ليس فقط في مواجهة التوسع الاستيطاني، بل في إدراك أن ما يجري هو محاولة لإغلاق أي أفق مستقبلي لحل سياسي، واستبداله بواقع دائم يُفرض بالقوة ويُعاد إنتاجه كلما سنحت الفرصة.
————————————————————————————————————
إعادة إحياء صانور ليست مجرد خطوة على الأرض، بل إعلان عن مرحلة جديدة في الصراع، عنوانها إعادة تعريف الاحتلال نفسه، لم يعد الأمر يتعلق بإدارة وضع قائم، بل بإعادة تشكيله بالكامل وفق رؤية تعتبر كل انسحاب سابق مجرد تفصيل قابل للمحو،

أقلام وأراء

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

لا مصلحة لنا بالحرب



 نختلف بالتأكيد مع إیران سیاسة وتوجها وأولويات، وهو نفس الاختلاف الذي يقع بيننا كعرب وبين البلدان الكبيرة المتمكنة المحيطة بنا:
تركيا الإسلامية السنية ، أثيوبيا المسيحية ، كما إیران الاسلامية الشيعية، فالخلافات والتباينات لا تقوم بسبب تنوع قومياتها او دينها أو مذهبها، بل بسبب الاختلاف في كيفية الادارة، وبسبب  تعارض المصالح وتحديد الأولويات، وهذه خيارات وخلافات وتباينات شرعية.
 نختلف مع إيران وتركيا وأثيوبيا، ولكنهم ليسوا اعداء بل هم جيران کانوا وسيبقوا، لن نخلص منهم ولن  يخلصوا منا، ولذلك لنا مصلحة، كما هي عندهم، أن نبحث عن ما يجمعنا ويربطنا ويعزز مصالحنا على اساس الاحترام المتبادل، وتقاسم الشراكة، ومعالجة ما نختلف فيه وعليه، ونصل إلى منتصف المسافة، الى منتصف الطريق لأن نكون وهم يكونوا، لا شطب لمصالحنا ولا قفز عن مصالحهم.
 ما يجمعنا أو يفرقنا مع إيران وتركيا واثيوبيا يختلف جوهريا ومبدئيا عن التناقض في المصالح بيننا وبين مشروع المستعمرة الإسرائيلية وسياساتها التوسعية العنصرية العدوانية.
ومهما حاولنا كعرب التوصل الى تفاهمات او اتفاقات أو معاهدات مع المستعمرة: مصر وفلسطين والأردن، وغيرها، ولكن ذلك لم يردع المستعمرة عن توجهاتها العدوانية ضد العرب والمسلمين والمسيحيين  وها هي تحتل أراضي فلسطين ولبنان وسوريا وتتطاول على سيادة العديد من البلدان العربية.
 الخلافات مع المستعمرة ليست سياسية، ليست جغرافية، الخلافات معها مبدئية جوهرية تحمل من التناقض ما لا يمكن حله او استيعابه أو القبول به.
 لقد اعترفت العديد من البلدان العربية بخارطة المستعمرة على أنها ضمن حدود لا تتجاوز حدود الرابع من حزيران 1967، ولكنها لم تكتفِ بالاذعان العربي للمعطيات وللواقع، بل رفضت الانسحاب على قاعدة مبدأ "الأرض مقابل السلام" ، فقد سعت وعملت على فرض "السلام " واستمرار احتلال الأرض، والتوسع بالاحتلال وهضم الارض وضمها إلى خارطتهم المحتلة.
جامعة الدول العربية ومن موقعها القيادي الجمعي مطلوب أن تضع خرائط طريق، بهدف الوصول الى تفاهمات واتفاقات مع البلدان المجاورة المحيطة بالعالم العربي: إيران وتركيا وأثيوبيا، بهدف إبراز ما يجمعنا ومعالجة ما يُفرقنا سواء بالسياسة او الاقتصاد او الأمن أو غيرها من العناوين والمضامين والقضايا، لأن هذه النتائج المطلوبة هي التي تحفظ  الأمن القومي للجميع، وتوفر الأمن لكل بلد على حدة في إطار المجموعة والأمن المشترك.
 لقد سعت المستعمرة لزج العالم العربي وخاصة بلدان الخليج العربي والاردن في حربها ضد ايران، معتمدة على تحريض أميركا، بعد ان تمكنت من توريطها بحرب لا مصلحة للأميركيين بها، فاليقظة العربية لدى الأردن وبلدان الخليج العربي هي التي أحبطت مشروع المستعمرة ومحاولاتها الخبيثة لجعل الحرب إسرائيلية أميركية عربية ضد إيران، لم يفلحوا في ذلك، وهذا ما يجب على إيران إدراكه والعمل على أساسه، لا أن يبقى ضيق الأفق مصدرا في التورط في سوء اختيار الأولويات والتورط في حرب لا مصلحة لنا كعرب بها ولا مصلحة لإيران بها كذلك.



أقلام وأراء

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل وظاهرة استهداف الصحفيين: جريمة تمضي بلا عقاب!!


لقد أعادت جريمة مقتل الصحفية اللبنانية أمل خليل تسليط الضوء على ملف استهداف الإعلاميين، بشكلٍ عام، من قبل إسرائيل. والسؤال الذي يطرحه كل صاحب ضمير وقلم حر: لماذا تفلت إسرائيل دائمًا من العقاب؟ ومن يوفر لها غطاء الحماية في هذه الجرائم بحق الإنسانية؟
في الحروب، تتحول الكلمة والصورة إلى جبهةٍ موازيةٍ، لا تقل خطورة عن ساحات القتال. فالصحفي لا ينقل الحدث فحسب، بل يُسهم في تشكيل الوعي العالمي تجاهه. غير أن هذه الحقيقة، حين تتعلق بجرائم الاحتلال الإسرائيلي، تجعل من الصحفي نفسه هدفًا مباشرًا، في محاولةٍ واضحةٍ لإسكات الصوت الذي يوثّق ويفضح.

لقد كشفت الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وما رافقها من امتدادات في جنوب لبنان، عن نمطٍ خطيرٍ من الاستهداف الممنهج للصحفيين. فالأرقام المتداولة تشير إلى سقوط ما يزيد عن 150 إلى 200 صحفي فلسطيني في غزة منذ بداية الحرب، في واحدة من أعلى حصائل الضحايا في صفوف الإعلاميين في تاريخ النزاعات الحديثة. أما في لبنان، فقد سقط عدد من الصحفيين خلال التغطية الميدانية، ما يعكس اتساع دائرة الاستهداف خارج حدود غزة.
هذه الأرقام، وإن كانت صادمة، إلا أنها لا تروي القصة كاملة. فالمسألة لا تتعلق بأضرار جانبية أو أخطاء عسكرية، بل تشير إلى سياسة واضحة المعالم، تستهدف كل من يحمل كاميرا أو قلمًا يحاول نقل الحقيقة من الميدان. وهنا تبرز خطورة ما يمكن وصفه بـ"تجريم الحقيقة"، حيث يصبح نقل الواقع فعلًا محفوفًا بالموت.
إن حكومة بنيامين نتنياهو تبدو، في هذا السياق، وكأنها تنظر إلى الكاميرا باعتبارها "فعل مقاومة". فالصورة التي توثق استهداف الأطفال، أو تدمير المستشفيات، أو تسوية الأحياء السكنية بالأرض، تمثل تهديدًا مباشرًا للرواية الإسرائيلية، وتُحرجها أمام الرأي العام العالمي. ولذلك، فإن إسكات هذه الصورة يصبح هدفًا بحد ذاته.

ولا يمكن فصل هذه السياسة عن الغطاء السياسي الذي تحظى به حكومة الاحتلال، حيث يتكئ نتنياهو، في كثير من الأحيان، على ضمانات حماية توفرها له مواقف دونالد ترامب وسياساته، التي يرى فيها كثيرون أنها لا تقل انحيازًا، بل وتوفر مظلة سياسية تُضعف فرص المساءلة الدولية، وتمنح إسرائيل هامشًا أوسع للاستمرار في سياساتها دون خشية من محاسبة حقيقية.

ومنذ السابع من أكتوبر، اتخذت إسرائيل خطوة إضافية، تمثلت في منع دخول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزة، في محاولة واضحة لفرض تعتيم إعلامي شامل. هذا المنع لم يكن إجراءً أمنيًا، بقدر ما كان جزءًا من استراتيجية تهدف إلى إخفاء ما يجري على الأرض من عمليات قتل وتدمير وتجويع وحصار، بل وحتى سياسات تهجير قسري.

لكن، ورغم هذه القيود، لم تنجح إسرائيل في حجب الحقيقة بالكامل. فقد تمكن الصحفيون الفلسطينيون، بوسائل بسيطة وإمكانات محدودة، من نقل صورة المأساة إلى العالم. خرجت مشاهد الدمار من تحت الركام، ووصلت إلى شاشات العالم، لتكشف حجم الكارثة الإنسانية، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية.

غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الكشف لم يُترجم إلى ردعٍ حقيقي. فالمواقف الدولية، في معظمها، بقيت في إطار الإدانة اللفظية، دون إجراءات عملية تضمن المساءلة. هذا العجز أو التردد شجّع على استمرار سياسة الاستهداف، وأرسل رسالة مفادها أن قتل الصحفيين يمكن أن يمر دون تبعات جدية.

إن استهداف الصحفيين لا يُعد فقط انتهاكًا لحرية التعبير، بل هو اعتداء مباشر على حق الإنسانية في معرفة الحقيقة. فكل صحفي يُقتل هو شاهدٌ يُغتال، وروايةٌ تُطمس، ودليلٌ يُفقد. ومن هنا، فإن الصمت الدولي لا يمكن اعتباره حيادًا، بل هو شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر.

اليوم، يقف العالم أمام اختبار حقيقي: إما أن يتم تفعيل آليات المساءلة الدولية، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، أو أن يستمر هذا النهج، بما يحمله من تداعيات خطيرة على مستقبل العمل الصحفي، وعلى منظومة العدالة الدولية بأكملها.

في المحصلة، الكاميرا التي يخشاها الاحتلال ليست سلاحًا، لكنها تملك ما هو أخطر: القدرة على كشف الحقيقة. ولذلك، فإن حماية الصحفيين ليست مطلبًا مهنيًا فحسب، بل هي ضرورة إنسانية وأخلاقية. وإذا لم يتحرك العالم لوقف هذه الجرائم، فسيبقى القتل مستمرًا، وستبقى الحقيقة مستهدفة… وتمضي الجريمة، مرةً تلو الأخرى، بلا عقاب.


فلسطين

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات المحلية..هل تُمهد للانتخابات العامة أم تبقى استحقاقاً مؤجلاً؟

أكرم عطا الله: الانتخابات العامة ترتبط بمضمون سياسي وسيادي يتصل بوحدة الأرض والشعب والنظام السياسي وهو ما لا يتوفر ربما حتى نهاية العام
محمد جودة: الانتخابات المحلية ليست مدخلاً تلقائياً للانتخابات العامة التي تتطلب صياغة شاملة للنظام السياسي وتوافقات فصائلية وهي غير متوفرة حالياً
فراس ياغي: هناك أجواء سياسية وشعبية وفصائلية قد تسمح بإجراء الانتخابات التشريعية أولاً ثم تليها الرئاسية خلال العام الجاري
نهاد أبو غوش: الإصرار على الشرط السياسي للترشح في الهيئات المحلية يكشف توجهاً لتكرار الآلية نفسها في أي انتخابات تشريعية أو رئاسية
نزار نزال: أي انتخابات عامة تتطلب اتفاقاً سياسياً شاملاً وضمانات واضحة لاحترام النتائج وقبولاً مسبقاً بمبدأ تداول السلطة وهو ما لم يتحقق حتى الآن
محمد الرجوب: الانتخابات العامة تحتاج لتحول سياسي عميق يعيد الثقة وينهي الانقسام ويؤسس لنظام سياسي يجدد نفسه بدل تكريس أزماته


رام الله - خاص بـ"القدس"-

يتجدد الجدل في المشهد السياسي الفلسطيني حول ما إذا كانت الانتخابات المحلية، التي أجريت في الخامس والعشرين من أبريل/ نيسان 2026، يمكن أن تمهّد الطريق فعلياً نحو تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية قبل نهاية العام الجاري، في ظل تباين بين من يراها خطوة أولى محتملة، ومن يعتبرها مساراً منفصلاً لا يقود بالضرورة إلى استحقاقات سياسية شاملة.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن الانتخابات المحلية، رغم كونها استحقاقاً إدارياً مهماً، لا تعبّر بالضرورة عن جاهزية النظام السياسي الفلسطيني للانتقال إلى مرحلة انتخابات عامة، نظراً لكون هذه الأخيرة تتطلب مشاركة شاملة تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، إضافة إلى بيئة سياسية موحّدة وتوافقات وطنية ما زالت غائبة، كما أن التجارب السابقة تؤكد أن الانتخابات المحلية لم تُشكّل في أي مرحلة سابقة مقدمة إلزامية أو طبيعية للانتخابات التشريعية أو الرئاسية، بل ظلت محكومة بسقوف وظروف سياسية وميدانية محددة.
وفي المقابل، يذهب بعض المحللين إلى أن هذه الانتخابات قد تمثل مؤشراً أولياً على إمكانية إعادة تنشيط المسار الديمقراطي وقياس اتجاهات الرأي العام الفلسطيني، بما قد يفتح الباب نظرياً أمام استحقاقات أوسع، إلا أن هذا الاحتمال يبقى مشروطاً بعوامل معقدة، أبرزها استمرار الانقسام، وتدهور البيئة الأمنية في الأراضي الفلسطينية، إلى جانب القيود المفروضة على أي عملية انتخابية تشمل القدس، والموقف الإسرائيلي الذي يقيّد أي مسار انتخابي شامل، وكذلك غياب التوافق السياسي والضمانات اللازمة لقبول نتائج أي انتخابات عامة، مؤكدين أن أي تحول حقيقي في هذا الاتجاه يبقى مرتبطاً بتغيرات سياسية أوسع وأكثر عمقاً على المستويين الداخلي والإقليمي.


الانتخابات العامة: عودة إلى واجهة النقاش

يرى الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن إجراء الانتخابات المحلية لا يعني بالضرورة فتح الطريق أمام تنظيم انتخابات تشريعية أو رئاسية في المرحلة المقبلة، رغم أن هذا الملف قد يعود إلى واجهة النقاش السياسي الداخلي خلال الفترة القادمة.
ويوضح أن الانتخابات المحلية تختلف في طبيعتها عن الانتخابات العامة، لأن الانتخابات البلدية يمكن إجراؤها في مناطق محددة وفق ما تسمح به الظروف الميدانية، فيما تتطلب الانتخابات التشريعية والرئاسية مشاركة شاملة على مستوى جميع الأراضي الفلسطينية، بما يشمل الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة.
ويشير عطا الله إلى أن مشاركة مدينة دير البلح في قطاع غزة ضمن الانتخابات المحلية لا تعني توفر الظروف اللازمة لإجراء انتخابات عامة، لافتاً إلى أن غالبية مناطق القطاع لم تكن لديها القدرة على المشاركة، وهو ما يعكس استمرار الانقسام الجغرافي والسياسي الذي يعيق أي استحقاق وطني شامل.
ويوضح عطا الله أن الانتخابات التشريعية سبق أن تعطلت، بسبب رفض إسرائيل إجراءها في القدس، معتبراً أن هذه "الحجة" لا تزال قائمة، خاصة في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على المدينة، ما يجعل العودة إلى المبرر ذاته أمراً مرجحاً في أي حديث جديد عن الانتخابات العامة.
ويبيّن عطا الله أن الانتخابات العامة ترتبط بمضمون سياسي وسيادي يتصل بوحدة الأرض والشعب والنظام السياسي، وهو ما لا يتوفر حالياً في ظل التشتت القائم في قطاع غزة، واستمرار الانقسام، إلى جانب المشاريع الإسرائيلية القائمة، معتبراً أن الظروف الراهنة حتى نهاية العام لا تشير إلى إمكانية حقيقية لإجراء انتخابات رئاسية أو تشريعية شاملة.

التحولات العميقة لحرب غزة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن التعامل مع الانتخابات المحلية في الحالة الفلسطينية لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي أحدثتها حرب غزة الأخيرة، والتي أعادت إعادة تشكيل ميزان القوى وتعريف الأولويات لدى مختلف الأطراف الفلسطينية والإقليمية.
ويوضح جودة أن الانتخابات المحلية كانت تُفهم تقليديًا باعتبارها "بروفة سياسية" تمهّد للانتقال نحو انتخابات تشريعية ورئاسية، إلا أن هذا التصور بات اليوم "مهتزًا وغير قابل للتطبيق بسهولة" في ظل المتغيرات الراهنة، مشيرًا إلى أن الحرب لم تقتصر على إحداث دمار واسع في قطاع غزة، بل انعكست سياسيًا على بنية النظام الفلسطيني برمته.
ويبيّن جودة أن حركة حماس خرجت من الحرب في وضع مركب؛ فهي من جهة تكبدت خسائر كبيرة على المستويين البشري والمؤسساتي، لكنها في المقابل أعادت تثبيت حضورها كفاعل سياسي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية.
أما السلطة الفلسطينية، فيرى جودة أنها تعيش واحدة من أضعف مراحلها منذ تأسيسها، سواء من حيث تراجع الشرعية الشعبية أو محدودية التأثير الفعلي على الأرض.
ويعتبر جودة أن الحديث عن كون الانتخابات المحلية مدخلاً تلقائياً لانتخابات عامة هو أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الواقع العملي، موضحًا أن الانتخابات العامة ليست إجراءً تقنياً، بل عملية إعادة صياغة شاملة للنظام السياسي، وهو ما يتطلب توافقات غير متوفرة حالياً وربما أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل الحرب.
ويشير جودة إلى أن احتمالات إجراء انتخابات عامة خلال العام الجاري تبدو ضعيفة للغاية، ليس فقط بسبب استمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بل أيضاً نتيجة البيئة الأمنية والسياسية غير المستقرة.
ويلفت جودة إلى أن الضفة تشهد تصعيداً ميدانياً متواصلاً وتراجعاً في قدرة السلطة على فرض سيطرتها، في حين أن قطاع غزة يعيش ظروفاً استثنائية تجعل أي عملية انتخابية فيه شبه مستحيلة في المدى القريب.

إسرائيل تعطل أي مسار انتخابي شامل

ويؤكد جودة أن إسرائيل تلعب دوراً حاسماً في تعطيل أي مسار انتخابي شامل، سواء عبر التحكم بالمعابر والجغرافيا، خاصة في القدس الشرقية، أو من خلال سياسات أوسع تشمل إضعاف السلطة مالياً وسياسياً، وتوسيع الاستيطان، وتعميق الفصل بين الضفة وغزة، بما يحد من إمكانية إجراء انتخابات موحدة.
ويرى جودة أن السلطة تواجه بدورها أزمة مركبة، تتمثل في ضغط داخلي متزايد مقابل اعتمادها على ترتيبات أمنية واقتصادية مرتبطة بإسرائيل، وهو ما يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية كإجراء انتخابات شاملة.
ويؤكد جودة أن الانتخابات المحلية قد تستمر كأداة لإدارة الشأن اليومي دون أن تعكس بالضرورة مساراً نحو تجديد النظام السياسي، مرجحاً أن أي تحول حقيقي في هذا المسار يبقى مرهوناً بتغيرات سياسية كبرى لم تتبلور بعد.

مؤشرات سياسية مختلفة.. ولكن

يوضح الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن إجراء الانتخابات المحلية 2026 حمل مؤشرات سياسية مختلفة عن الدورات السابقة، ليس فقط لأنها استمرت رغم الانقسام الفلسطيني كما حدث خلال السنوات الماضية في الضفة الغربية، وإنما لأنها شهدت للمرة الأولى مشاركة مدينة دير البلح في قطاع غزة إلى جانب الضفة، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الفصائل لحجم المخاطر التي تواجه القضية الفلسطينية في المرحلة الراهنة.
ويشير إلى أن الانتخابات المحلية جرت بشكل شبه دوري في الضفة الغربية خلال السنوات الماضية، من دون أن تقود في أي من المرات السابقة إلى فتح الباب أمام الانتخابات العامة، سواء التشريعية أو الرئاسية، مشيراً إلى أن ثلاث دورات انتخابية محلية على الأقل سبقت هذه الدورة من دون أن تنجح في إنهاء حالة الجمود السياسي أو إعادة تجديد الشرعيات الوطنية عبر صناديق الاقتراع.
ويبيّن ياغي أن المستجد في المرحلة الحالية يتمثل في تزامن استحقاقات عدة في وقت واحد، تشمل الانتخابات المحلية، واحتمالات الانتخابات العامة، إلى جانب المؤتمر الثامن لحركة فتح، في ظل ضغوط أوروبية متواصلة تدفع باتجاه تنفيذ إصلاحات داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية، لافتاً إلى أن الاتحاد الأوروبي يعتبر أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من بوابة الانتخابات وتجديد الشرعيات السياسية.

تجديد الشرعية مطلب مهم

ويرى ياغي أن مسألة تجديد الشرعية لم تعد مطلباً داخلياً فحسب، بل أصبحت ضرورة أمام المجتمع الدولي، إلى جانب كونها رسالة فلسطينية تؤكد وحدة الجغرافيا الفلسطينية ضمن حدود حزيران 1967، باعتبارها الأساس السياسي للدولة الفلسطينية المنشودة.
ويشير ياغي إلى وجود أجواء سياسية وشعبية وفصائلية قد تسمح بإجراء الانتخابات التشريعية أولاً، على أن تتبعها الانتخابات الرئاسية خلال العام الجاري، لافتاً إلى أن ملف الإصلاح السياسي بات مطروحاً على طاولة الرئاسة بمتابعة من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب اهتمام من بمتابعة هذا الملف.
ويرجّح ياغي أن يتم الإعلان عن الانتخابات العامة بعد انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، موضحاً أن النقاش الحالي لا يتركز على مبدأ إجرائها بقدر ما يتركز على طبيعتها، وما إذا كانت ستجري وفق صيغة المجلس التشريعي المنبثقة عن اتفاق أوسلو، أم ضمن رؤية أوسع لبرلمان دولة فلسطينية، معتبراً أن المؤشرات الحالية تجعل استحقاق الانتخابات أقرب إلى التحقق خلال الأشهر المقبلة.

استمرار النهج السياسي القائم

يرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن الانتخابات المحلية 2026 حملت في ظاهرها مؤشرات إيجابية تتصل بإبقاء المسار الديمقراطي قائماً، لكنها في مضمونها عكست استمرار النهج السياسي القائم، وأعادت إنتاج الاختلالات التي تحكم الحياة السياسية الفلسطينية منذ سنوات.
وبحسب أبو غوش، فإن من أبرز الجوانب الإيجابية في هذه الانتخابات مشاركة جزء من أبناء قطاع غزة، وتحديداً في مدينة دير البلح، وهو ما يعد تأكيداً رمزياً على وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة الجغرافيا السياسية للأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب تثبيت مبدأ الاحتكام إلى صندوق الاقتراع في إدارة الشأن العام، والحفاظ على دورية الانتخابات رغم الظروف السياسية والأمنية المعقدة، فضلاً عن إظهار وجود رغبة حقيقية لدى شريحة واسعة من الفلسطينيين للمشاركة في أي عملية ديمقراطية، حتى وإن جاءت ضمن نطاق محدود.
ويشير أبو غوش إلى أن الاحتكام إلى إرادة الناس يجب أن يكون المبدأ الناظم لكافة مفاصل الحياة الوطنية، سواء تعلق الأمر بانتخاب الرئيس أو المجلس التشريعي أو الهيئات المحلية أو النقابات والاتحادات الشعبية، إلا أنه يشدد على أن الطريقة التي أُقرت بها هذه الدورة للانتخابات المحلية، إلى جانب طبيعة القانون الانتخابي، أفرغت هذه الإيجابيات من مضمونها الحقيقي.

مخاوف من تكرار الشرط السياسي للترشح

ويوضح أبو غوش أن شروط الترشح التي تضمنت الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني والالتزام ببرنامجها السياسي، حتى بعد تخفيف صياغتها مقارنة بصيغ سابقة، تعني عملياً إقصاء فئات سياسية واجتماعية من المشاركة، رغم أن الانتخابات المحلية ذات طبيعة خدمية ترتبط بإدارة شؤون المواطنين اليومية، وليس بالبرامج السياسية الوطنية.
ويعتبر أبو غوش أن الإصرار على هذا الشرط السياسي للترشح في الانتخابات المحلية يكشف توجهاً لتكرار الآلية نفسها مستقبلاً في أي انتخابات تشريعية أو رئاسية، بما يُحوّل العملية الديمقراطية إلى أداة لإعادة تشكيل الشرعية وفق مقاسات الجهة الحاكمة.
ويؤكد أبو غوش أن التعديل الذي طرأ على قانون الانتخابات المحلية بتحويل نظام القائمة النسبية المغلقة إلى القائمة المفتوحة جرى دون نقاش وطني جدي، معتبراً أن هذا التغيير أضعف فكرة التحالفات السياسية وشجع على تشكيل قوائم عائلية وشخصية هدفها إيصال أفراد بعينهم، بدلاً من تعزيز المنافسة البرامجية والسياسية.

اختلالات في الانتخابات المحلية

ويلفت أبو غوش إلى وجود مؤشرات على تدخلات واسعة من جهات رسمية وحكومية في تشكيل بعض القوائم، في تجاوز واضح للقانون ولدور المؤسسات الرسمية، مؤكداً أن نتائج هذه الاختلالات ظهرت في انخفاض نسب المشاركة، وفوز نحو نصف القوائم بالتزكية، بما في ذلك في مدن رئيسية مثل نابلس ورام الله، الأمر الذي حرم قطاعات من المواطنين من حقهم في الاختيار.
ويرى أبو غوش أن طغيان البعد العائلي والعشائري والشخصي على التنافس السياسي والبرنامجي يمثل أخطر ما أفرزته هذه الانتخابات، لأنه ينسجم مع أهداف الاحتلال في إضعاف السلطة الفلسطينية وتحويلها تدريجياً إلى بنى محلية مفككة تقوم على الولاءات العائلية بدلاً من المؤسسات الوطنية.

أجواء غير مواتية لإجراء انتخابات عامة

وفي ما يتعلق بإمكانية إجراء انتخابات عامة، يوضح أبو غوش أن هناك حديثاً متزايداً عن استحقاقات انتخابية أخرى، تشمل مؤتمر حركة فتح الثامن، ثم انتخابات المجلس الوطني، وربما لاحقاً الانتخابات التشريعية والرئاسية، إلا أن هذه المسارات تأتي في إطار الاستجابة لضغوط خارجية، خصوصاً أوروبية وأمريكية، تربط إصلاح السلطة وتجديد شرعيتها بإعادة إشراكها في إدارة قطاع غزة واستئناف العملية السياسية.
ويعتقد أبو غوش أن الأجواء العامة ما زالت غير مواتية لإجراء انتخابات عامة حقيقية، في ظل استمرار الانقسام، وضعف الموقف السياسي الرسمي خلال الحرب على غزة، والعجز عن حماية الفلسطينيين في الضفة الغربية، مشدداً على أن الأولوية يجب أن تكون لتحقيق توافق وطني شامل حول إدارة المرحلة الراهنة، وصياغة قانون انتخابي توافقي، وتحديد شكل الانتخابات ومواعيدها، بما يضمن أن تكون العملية الديمقراطية مدخلاً للشراكة الوطنية لا أداة جديدة للإقصاء السياسي.

الانتخابات المحلية كمؤشر سياسي

يرى الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن إجراء الانتخابات المحلية في الأراضي الفلسطينية يمكن نظرياً أن يشكل خطوة تمهيدية نحو فتح الباب أمام انتخابات تشريعية ورئاسية، لكنه يشدد على أن هذا المسار لا يمكن اعتباره تلقائياً أو حتمياً في ظل استمرار التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية، التي ما تزال تعترض أي استحقاق وطني شامل.
ويوضح أن الانتخابات المحلية غالباً ما تُستخدم كمؤشر سياسي واختبار ميداني لعدة مستويات، تبدأ بقياس المزاج الشعبي العام وتوجهات الشارع الفلسطيني، إلى جانب إعادة تنشيط الحياة الانتخابية بعد سنوات من الجمود، بما يسمح بتهيئة المناخ تدريجياً أمام استحقاقات أكبر مثل الانتخابات التشريعية والرئاسية، فضلاً عن كونها تمثل اختباراً حقيقياً للقوى السياسية التي غابت خلال السنوات الماضية عن أجواء التنافس الانتخابي.
ويؤكد نزال أن نتائج الانتخابات المحلية قد تمنح إشارات مهمة بشأن موازين القوى داخل المجتمع الفلسطيني، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة الانتقال مباشرة إلى انتخابات عامة، لأن هذا النوع من الاستحقاقات يحتاج إلى بيئة سياسية مختلفة أكثر تعقيداً من البيئة التي تحكم الانتخابات البلدية.

الانقسام والقدس العاملان الأكثر تأثيراً

ويشير نزال إلى أن الانقسام الفلسطيني ما يزال العامل الأكثر تأثيراً في هذا الملف، مبيناً أن أي انتخابات عامة تتطلب اتفاقاً سياسياً شاملاً وضمانات واضحة لاحترام النتائج وقبولاً مسبقاً بمبدأ تداول السلطة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، في ظل تحفظات إقليمية ودولية على نتائج قد لا تنسجم مع سياسات الأطراف المؤثرة.
ويلفت إلى أن ملف القدس يبقى من أبرز العقبات، في ظل رفض إسرائيل إجراء الانتخابات في المدينة، بينما تعتبر القيادة الفلسطينية مشاركة القدس شرطاً أساسياً لا يمكن التنازل عنه حفاظاً على وحدة الجغرافيا الفلسطينية، وهو ما يجعل تجاوز هذه المعضلة أمراً بالغ الصعوبة.
ويشير نزال إلى أن البيئة الإقليمية الحالية لا تمنح أولوية واضحة لدفع ملف الانتخابات، إلى جانب وجود حسابات داخلية لدى السلطة الفلسطينية، إذ إن الانتخابات العامة قد تفرز برلماناً جديداً يعيد تشكيل موازين القرار السياسي ويقيد السلطة التنفيذية.
ويرى نزال أن إمكانية إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال العام الجاري تبدو ضعيفة جداً، مرجحاً أن يبقى هذا الملف مرهوناً بثلاثة عوامل رئيسية، هي التوصل إلى اتفاق بين حركتي فتح وحماس، وحل قضية القدس، ووجود قرار سياسي داخلي واضح من القيادة الفلسطينية بالمضي نحو الانتخابات العامة.

تحميل الانتخابات المحلية أكثر مما تحتمل

يرى الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن الانتخابات المحلية في الحالة الفلسطينية تُطرح غالباً باعتبارها استحقاقاً ديمقراطياً طبيعياً، لكنها في الواقع تعكس أزمة بنيوية أعمق يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، أكثر مما تشكل مدخلاً لحل هذه الأزمة أو تجاوزها.
ويوضح الرجوب أن تحميل الانتخابات المحلية أكثر مما تحتمل، باعتبارها بوابة عبور نحو انتخابات رئاسية وتشريعية، هو تصور جاذب لكنه يصطدم بواقع سياسي معقد وصلب، مؤكداً أن التجربة الفلسطينية أثبتت أن هذه الانتخابات لم تكن يوماً مقدمة إلزامية لمسار وطني شامل، بل جرى توظيفها في كثير من الأحيان كأداة لإدارة الأزمة أو كبديل مؤقت عن الاستحقاق السياسي الأكبر.
ويبيّن الرجوب أن الانتخابات المحلية بطبيعتها تُجرى ضمن سقف سياسي منخفض، وتبقى محكومة باعتبارات خدماتية واجتماعية وعائلية، حتى وإن تداخلت معها الحسابات الفصائلية، مشيراً إلى أنها لا تمس جوهر السلطة ولا تعيد تشكيل مراكز القرار السياسي، بل تعيد توزيع أدوار محدودة داخل الحيز المحلي، وهو ما يجعل القوى السياسية تتعامل معها بمرونة نسبية كونها لا تهدد التوازنات الكبرى.

الانتخابات العامة تمثل لحظة سياسية مفصلية

ويشدد الرجوب على أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية تمثل لحظة سياسية مفصلية تتعلق بتحديد من يحكم وكيف تُدار المرحلة السياسية القادمة، ما يجعلها عملية معقدة تتداخل فيها الأبعاد الداخلية والإقليمية والدولية، وتتحول إلى معركة سياسية مفتوحة.
ويشير إلى أن الربط بين الانتخابات المحلية وإمكانية التوجه نحو انتخابات عامة هو أقرب إلى قراءة رغبوية منه إلى تحليل واقعي، موضحاً أن المعيار الحقيقي لا يكمن في إجراء الانتخابات بحد ذاته، بل في وجود إرادة سياسية جامعة تقبل نتائجها ومخاطرها، وهو ما لا يتوفر حتى الآن.
ويلفت الرجوب إلى أن الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل أصبح بنية قائمة لها مؤسساتها وأجهزتها ورواياتها، الأمر الذي يضعف إمكانية إجراء انتخابات شاملة ويفرغها من مضمونها إذا لم تشمل كامل الجغرافيا الفلسطينية وتدار ضمن سلطة واحدة.

غياب الثقة بين الأطراف السياسية

ويرى الرجوب أن غياب الثقة بين الأطراف السياسية، وتباين القواعد والضمانات وتفسير النتائج، يشكل عاملاً حاسماً في تعطيل أي مسار انتخابي شامل، إلى جانب ما كشفته تجربة تأجيل الانتخابات التشريعية عام 2021 من أن الجاهزية الفنية لا تكفي دون قرار سياسي متوافق عليه.
ويوضح الرجوب أن غياب الحل المتعلق بمشاركة القدس، إلى جانب القيود الأمنية والسياسية، يجعل أي انتخابات عامة عرضة للتعطيل والطعن في شرعيتها، مشيراً إلى أن الحديث عن انتخابات في المدى القريب لا يستند إلى معطيات واقعية بقدر ما يعكس رغبة شعبية مشروعة.
ويؤكد الرجوب أن الانتخابات المحلية تبقى جزءاً من إدارة الواقع القائم وليس تغييره، فيما تحتاج الانتخابات العامة إلى تحول سياسي عميق يعيد بناء الثقة وينهي الانقسام، ويؤسس لنظام سياسي قادر على تجديد نفسه بدلاً من تكريس أزماته.

عربي ودولي

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

مجزرة في جبشيت: استشهاد عائلة كاملة وتصاعد الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان

ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة في بلدة جبشيت جنوبي لبنان، حيث استهدفت طائراتها الحربية مبنى سكنيًا مأهولاً ليلًا، مما أدى إلى تدميره بالكامل فوق رؤوس ساكنيه. وأسفرت الغارة عن استشهاد خمسة أفراد من عائلة واحدة، وهم محمد جواد بهجة وزوجته ولطيفة، بالإضافة إلى أماني جابر وطفليها مريم وعلي الرضا هلال بهجة.

واستمرت عمليات الإنقاذ ورفع الأنقاض في بلدة جبشيت لعدة ساعات متواصلة، حيث عملت الفرق الإسعافية على انتشال الجثامين من تحت الركام وسط ظروف ميدانية صعبة. وتأتي هذه الغارة في سياق تصعيد إسرائيلي واسع يستهدف المناطق السكنية والمدنيين في عمق القرى الجنوبية اللبنانية بشكل مباشر.

ميدانيًا، لم تتوقف الهجمات الإسرائيلية عند جبشيت، بل طالت غارات الفجر بلدة حانين، حيث نفذت قوات الاحتلال عمليات نسف واسعة للمنازل السكنية. كما سُمعت دوي انفجارات عنيفة في مدينة صور ناتجة عن قصف مدفعي وجوي استهدف بلدة الناقورة الحدودية، مما أدى إلى أضرار مادية جسيمة في الممتلكات.

وفي قضاء مرجعيون، أفادت مصادر ميدانية بأن منطقة الجلاحية في بلدة الخيام تعرضت لسلسلة من الغارات الليلية العنيفة، تزامنت مع عمليات تمشيط مكثفة بالأسلحة الرشاشة الثقيلة. وتهدف هذه العمليات الإسرائيلية إلى خلق منطقة عازلة عبر تدمير البنية التحتية والمنازل في القرى المتاخمة للحدود.

على الجانب الآخر، اعترف جيش الاحتلال الإسرائيلي بإصابة أحد جنوده بجروح إثر انفجار طائرة مسيرة مفخخة أطلقت من لبنان. وأكدت مصادر عبرية وجود حالة من السجال الداخلي الواسع بسبب إخفاق المنظومات الدفاعية في التعامل مع تهديد المسيرات التي يطلقها حزب الله، والتي باتت تستهدف تجمعات القوات بشكل دقيق.

من جهته، أعلن حزب الله في بيان رسمي عن تنفيذ هجوم جوي بسرب من المسيّرات الانقضاضيّة استهدف موقع نمر الجمل المستحدث التابع لجيش الاحتلال. وأكد البيان أن الهجوم حقق إصابات مؤكدة في صفوف جنود العدو، مشيرًا إلى أن هذه العملية تأتي رداً على الاعتداءات المستمرة على القرى والمدنيين في الجنوب.

وفي سياق ردود الفعل الرسمية، أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون استهداف الاحتلال لعناصر الدفاع المدني في بلدة مجدل زون، والذي أدى لاستشهاد ثلاثة مسعفين أثناء أداء واجبهم الإنساني. وشدد عون على أن هذا الاستهداف يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية التي تفرض حماية خاصة للعاملين في المجالات الإغاثية والطبية.

بدوره، وصف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام استهداف فرق الإنقاذ بأنه جريمة حرب موصوفة تضاف إلى سجل الانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب اللبناني. وأكد سلام أن الحكومة تتابع هذه الاعتداءات مع الجهات الدولية لتوثيق الجرائم التي تطال المدنيين والمسعفين الذين يحاولون إنقاذ ضحايا الغارات الجوية.

اسرائيليات

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

تحولات في الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه لبنان: من 'النصر الكامل' إلى الاتفاق المحدود

أفادت تقارير صحفية عبرية بأن القيادة السياسية في تل أبيب تتبنى حالياً نهجاً يتسم بعدم الاستعجال في العودة إلى مواجهة شاملة وعنيفة على الجبهة اللبنانية. وتفضل الحكومة تركيز مجهودات الجيش الإسرائيلي في المرحلة الراهنة على عمليات 'تطهير' ما يعرف بالخط الأصفر، بهدف تفكيك البنية التحتية ومراكز القوة التابعة لحزب الله في المناطق الشمالية القريبة من الحدود.

وذكرت مصادر إعلامية أن سقف التوقعات الإسرائيلية شهد تراجعاً ملحوظاً، حيث غابت مصطلحات 'النصر الحاسم' أو 'سحق حزب الله' عن تصريحات كبار المسؤولين. وبدلاً من ذلك، بات الحديث يتركز على صياغة أهداف أكثر واقعية تشمل التوصل إلى اتفاق سياسي ذي نطاق محدود يضمن الهدوء لفترة أطول.

وتسعى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بالتوازي مع العمل الميداني إلى تطوير منظومات تكنولوجية متقدمة قادرة على تحييد التهديدات الجوية والصاروخية التي يشكلها الحزب. ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس اعترافاً ضمنياً بصعوبة تحقيق حسم عسكري مطلق في ظل الظروف السياسية والميدانية المعقدة الراهنة.

وفي اجتماع رفيع المستوى للقيادة العسكرية، شدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على أن العمليات الهجومية ستستمر في القطاع الأمني وما وراء نهر الليطاني عند الضرورة. وأكد نتنياهو أن الجيش يمتلك الضوء الأخضر للتحرك بحرية كاملة لإحباط أي تهديدات وشيكة قد تظهر على الحدود الشمالية.

واعتبر نتنياهو أن هذه التحركات العسكرية تندرج ضمن تفاهمات أوسع جرت مع الإدارة الأمريكية والحكومة اللبنانية لضمان أمن المنطقة. وأوضح أن إسرائيل لن تتردد في استخدام القوة إذا ما شعرت بوجود خروقات تهدد استقرار المستوطنات الشمالية أو تعيد بناء قدرات الحزب الهجومية.

من جانب آخر، انخرط وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في مشاورات دبلوماسية مع مبعوثة الأمم المتحدة في لبنان لبحث ملف الترتيبات الحدودية. ونقلت مصادر أن ساعر قدم ادعاءات حول قيام عناصر من حزب الله بنشر معدات عسكرية ومنصات إطلاق بالقرب من مواقع تابعة لقوات 'اليونيفيل' الدولية.

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن قدرات حزب الله قد تضررت بشكل كبير خلال الجولات القتالية الأخيرة، مما يجعل خطر شن عملية واسعة النطاق أقل إلحاحاً في الوقت الحالي. وبناءً على هذا التقييم، تكتفي تل أبيب حالياً بردود فعل دفاعية وهجمات مضادة مدروسة بدلاً من المبادرة بتصعيد شامل.

ورغم هذه الاستراتيجية التي توصف بالهادئة، أقر نتنياهو بأن سكان المناطق الشمالية لا يزالون يعيشون تحت وطأة التهديد المستمر والقتال اليومي. وأشار إلى أن وقف إطلاق النار الحالي يتسم بالهشاشة، مما يتطلب يقظة دائمة من القوات المرابطة على طول الحدود اللبنانية.

وتواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطاً داخلية متزايدة من سكان الشمال الذين يطالبون بضمانات أمنية حقيقية تسمح لهم بالعودة إلى منازلهم بأمان. ويرى هؤلاء أن العمليات المحدودة قد لا تكون كافية لإزالة خطر الصواريخ والمسيرات التي لا تزال تخترق الأجواء بشكل متكرر.

وفي سياق متصل، يرى محللون عسكريون أن التركيز على 'تطهير' المناطق الحدودية يهدف إلى خلق منطقة عازلة تمنع أي تسلل بري مستقبلي. وتعتبر هذه الخطوة جزءاً من استراتيجية 'قص العشب' التي تتبعها إسرائيل لمنع تعاظم قوة الفصائل المسلحة على حدودها المختلفة.

ويبقى التحدي الأكبر أمام تل أبيب هو موازنة العمل العسكري مع الضغوط الدولية الداعية لضبط النفس وتجنب حرب إقليمية واسعة. وتراقب الأوساط السياسية مدى نجاح هذه المقاربة الجديدة في تحقيق أمن مستدام دون الانزلاق مجدداً إلى أتون مواجهة كبرى غير مضمومة النتائج.

اسرائيليات

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

إحاطة استخباراتية إسرائيلية: إيران ترمم قدراتها الصاروخية وتفكيك حزب الله هدف بعيد

كشفت تقارير عبرية نقلاً عن إحاطة قدمتها الاستخبارات العسكرية أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، عن تطورات لافتة في القدرات العسكرية الإيرانية. وأكدت المصادر أن طهران نجحت بالفعل في إعادة تأهيل وترميم أجزاء حيوية من منظومة صواريخها الباليستية، مما يشير إلى سرعة استجابة المنظومة الدفاعية والهجومية الإيرانية للضغوط العسكرية الأخيرة.

وفي سياق متصل بالقيادة الإيرانية، تطرقت الإحاطة الأمنية إلى الوضع الصحي والقيادي في طهران، حيث أكدت الاستخبارات العسكرية أن مجتبى خامنئي لا يزال على قيد الحياة. تأتي هذه المعلومات لتبدد الشائعات التي سرت مؤخراً حول مصيره، مما يعكس متابعة دقيقة من قبل أجهزة الاحتلال للتحولات الداخلية في هرم السلطة الإيرانية.

أما بخصوص الجبهة اللبنانية، فقد حذرت التقديرات الاستخباراتية من أن المسار التفاوضي الذي ينخرط فيه الرئيس اللبناني مع الجانب الإسرائيلي يضعه في دائرة الخطر المباشر. وأوضحت المصادر أن هذه التحركات الدبلوماسية تثير حساسيات أمنية وسياسية بالغة التعقيد داخل الساحة اللبنانية، مما قد يهدد سلامة الشخصيات المنخرطة في هذه التفاهمات.

وفيما يتعلق بالعمليات العسكرية في العمق اللبناني، أشارت الإحاطة إلى أن خيار شن هجمات واسعة على العاصمة بيروت ليس مدرجاً على جدول الأعمال في الوقت الراهن. ومع ذلك، شددت الاستخبارات على وجود ضوء أخضر لمواصلة تنفيذ ضربات جراحية تستهدف التهديدات الناشئة والتحركات الميدانية التي قد تشكل خطراً فورياً على أمن الاحتلال.

وخلصت الإحاطة إلى أن القضاء على القدرات العسكرية لحزب الله وتفكيك بنيته التنظيمية يظل هدفاً استراتيجياً بعيد المدى لا يمكن تحقيقه في المدى المنظور. ومن المرتقب أن تشهد الأيام المقبلة مزيداً من التنسيق الأمني، حيث سيمثل رئيس الأركان يوم الأحد المقبل أمام اللجنة ذاتها لتقديم إحاطة سرية تتناول تفاصيل العمليات العسكرية والخطط المستقبلية.

اسرائيليات

الأربعاء 29 أبريل 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس

استطلاع إسرائيلي يكشف انقساماً حاداً وتزايد الرغبة في الهجرة العكسية

كشفت معطيات استطلاع رأي إسرائيلي جديد عن صورة قاتمة للوضع الداخلي في دولة الاحتلال، حيث يعيش المجتمع حالة من التمزق والانقسام الحاد تزامناً مع استمرار العمليات العسكرية على جبهات متعددة. وأشارت النتائج إلى أن الحروب الخارجية لم تنجح في توحيد الجبهة الداخلية، بل عمقت الفجوات بين التيارات المختلفة تجاه قضايا الحرب والسلم.

وأفادت مصادر إعلامية عبرية بأن ثلث الإسرائيليين باتوا يؤمنون بأن مكانة دولتهم تراجعت وضعفت خلال المواجهة المستمرة مع إيران. وفي المقابل، يرى نحو 38% فقط أن إسرائيل تعززت قوتها، مما يعكس تبايناً كبيراً في تقدير الموقف الاستراتيجي للدولة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.

وعلى صعيد الجبهة الشمالية، أظهر الاستطلاع أن أكثر من 40% من الجمهور يعارضون اتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله في لبنان ضمن الظروف الحالية. ورغم هذه المعارضة، أبدى نحو 59% تأييدهم لفكرة الدخول في مفاوضات تهدف لإبرام اتفاق سلام مستقبلي، رغم وجود شكوك واسعة حول إمكانية تحقيق ذلك.

وفيما يخص قطاع غزة، لا يزال الخلاف سيد الموقف بين الإسرائيليين، حيث يطالب 41% بالعودة إلى وتيرة القتال العنيف مهما كانت التبعات على العلاقة مع الولايات المتحدة. هذه الرغبة في التصعيد تقابلها نسبة 30% تبدي استعداداً لقبول وقف دائم لإطلاق النار، حتى لو لم يتم تفكيك قدرات حركة حماس بشكل كامل.

وتطرقت النتائج إلى قضية نزع سلاح المقاومة، حيث عبر نحو 60% من المستطلعة آراؤهم عن عدم إيمانهم بإمكانية تجريد حركة حماس من سلاحها خلال السنوات القليلة القادمة. هذا التشكيك يعكس تراجع الرواية الرسمية التي تروج للنصر المطلق وتحقيق كافة أهداف الحرب المعلنة منذ أكتوبر الماضي.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد رصد الاستطلاع تزايداً ملحوظاً في نزعات الهجرة العكسية، حيث صرح ثلث الإسرائيليين بأنهم يفكرون جدياً في مغادرة البلاد والبحث عن حياة في الخارج. ويرتبط هذا التوجه بتصاعد مشاعر القلق من المستقبل المجهول وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع.

ويشعر أكثر من 70% من الجمهور الإسرائيلي بالقلق المتزايد من تنامي ظاهرة معاداة اليهود في مختلف دول العالم، وهو ما يزيد من إحساسهم بالخطر. كما يعتقد نصف الإسرائيليين تقريباً أن دولتهم باتت تعاني من عزلة دولية خانقة نتيجة السياسات المتبعة والاحتجاجات العالمية ضد الحرب المستمرة.

وفيما يتعلق بالقيادة السياسية، أظهر الاستطلاع تراجعاً حاداً في الثقة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث أعرب 66% من المشاركين عن استيائهم الواضح من أدائه. وأشار التقرير إلى أن شعبية نتنياهو تتآكل لصالح منافسين سياسيين مثل نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت، الذين بدأوا يحصدون تفضيلاً أكبر في الشارع.

وطالب نحو 72% من الإسرائيليين بضرورة تشكيل لجنة تحقيق حكومية رسمية للوقوف على الإخفاقات التي أدت إلى هجوم السابع من أكتوبر 2023. وتعتبر هذه النسبة المرتفعة بمثابة ضغط شعبي متواصل لمحاسبة المسؤولين عن الفشل الأمني والعسكري الذي منيت به المؤسسة الإسرائيلية في ذلك اليوم.

وأوضح المحللون أن هذه النتائج تعكس حالة من التشاؤم العام، حيث يجد الجمهور صعوبة في رؤية مخرج سياسي أو أمني قريب للأزمات المتلاحقة. ويبدو أن الانقسامات لم تعد تقتصر على التوجهات السياسية، بل امتدت لتشمل الهوية الوطنية والقدرة على البقاء والاستمرار في المنطقة.

كما أشار الاستطلاع إلى أن الاتفاقات السياسية الجديدة، مثل التحالف المحتمل بين بينيت ولابيد، تساهم في إعادة تشكيل خارطة الولاءات داخل المجتمع الإسرائيلي. ومع ذلك، تظل القضايا الوجودية المتعلقة بالحرب مع إيران وحزب الله هي المحرك الأساسي لمخاوف المستوطنين وتوجهاتهم المستقبلية.

ويعتقد مراقبون أن تزايد الرغبة في الهجرة يمثل التحدي الأكبر لدولة الاحتلال، حيث يمس العصب الديموغرافي الذي تحاول الحفاظ عليه. إن شعور ثلث المجتمع بعدم الأمان أو الرغبة في الرحيل يعكس فشل المنظومة الأمنية في توفير الطمأنينة التي كانت تعد بها مواطنيها.

وفي نهاية المطاف، يرسم الاستطلاع صورة لمجتمع يعاني من صدمة مستمرة، حيث تتداخل فيه مشاعر الخوف من العدو الخارجي مع فقدان الثقة في الشريك الداخلي. هذا التمزق يجعل من الصعب اتخاذ قرارات مصيرية بشأن إنهاء الحروب أو الدخول في مسارات تسوية سياسية شاملة.

وخلص التقرير إلى أن إسرائيل تواجه اليوم واحدة من أصعب مراحلها التاريخية، حيث تجتمع التهديدات العسكرية مع التفكك الاجتماعي والسياسي. إن غياب الرؤية الواضحة لدى القيادة الحالية يزيد من حالة التخبط التي يعيشها الجمهور، مما يفتح الباب أمام احتمالات تغيير سياسي جذري في المرحلة المقبلة.

أحدث الأخبار

الأربعاء 29 أبريل 2026 8:50 صباحًا - بتوقيت القدس

المسيرات تنهي حقبة التفوق المطلق للمروحيات الهجومية: تحول جذري في عقيدة القتال الجوي

تشهد ميادين القتال الحديثة تحولاً دراماتيكياً يعيد صياغة مفاهيم السيطرة الجوية، حيث أثارت واقعة إسقاط مروحية هجومية روسية بواسطة طائرة مسيرة أوكرانية صغيرة تساؤلات وجودية حول جدوى المروحيات التقليدية. هذا التطور الذي جرى في آذار 2026، يمثل نقطة تحول تقنية تضع الآليات الطائرة باهظة الثمن في مواجهة مباشرة مع تقنيات منخفضة التكلفة وعالية الدقة.

في العشرين من مارس لعام 2026، نجحت وحدة أوكرانية متخصصة في استخدام الطائرات المسيرة من منظور الشخص الأول (FPV) في اعتراض مروحية من طراز 'كاموف كا-52' فوق مقاطعة دونيتسك. العملية أسفرت عن إصابة مباشرة أجبرت المروحية الروسية المتطورة على الهبوط الاضطراري، مما عكس هشاشة هذه المنصات أمام الدرونات الانتحارية الصغيرة.

نفذت هذه الضربة النوعية كتيبة 'مفترسون المرتفعات' التابعة للواء الهجومي الأوكراني 59، والتي وثقت لحظات الاقتراب القاتل للمسيرة من جسم المروحية قبل انقطاع البث. وتعد هذه الحادثة جرس إنذار للقوات المسلحة عالمياً، حيث تبرز كيف يمكن لمسيرة لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات من الدولارات أن تحيد سلاحاً تبلغ قيمته ملايين الدولارات.

تشير البيانات الميدانية إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تنجح فيها الوحدات التقنية في اصطياد المروحيات، إذ تكرر هذا السيناريو مع ذات الوحدة الأوكرانية. وبحسب مصادر إعلامية، فإن إجمالي الخسائر الروسية من المروحيات منذ اندلاع النزاع قد قارب 350 مروحية، مما يعزز فرضية تراجع دور المروحيات في الأجواء المتنازع عليها.

رغم هذه التهديدات المتصاعدة، يرى خبراء عسكريون أن المروحيات الهجومية لا تزال تحتفظ بقيمة استراتيجية لا يمكن تعويضها بسهولة في الوقت الراهن. فهي توفر مزيجاً فريداً من القدرة على المناورة السريعة، والدقة العالية في الاستهداف، فضلاً عن تقديم الدعم الجوي القريب للقوات البرية في ظروف معقدة.

تعتبر مروحية 'بوينغ AH-64 أباتشي' النموذج الأبرز لهذه القدرات، حيث تعتمد على التضاريس الجغرافية للتخفي والقيام بضربات جراحية باستخدام الصواريخ الموجهة. كما تتميز بقدرتها على البقاء في الجو لفترات طويلة وتنفيذ مهام متنوعة تشمل الإخلاء الطبي ومرافقة القوافل العسكرية تحت النيران.

تاريخياً، واجهت المروحيات مخاطر دائمة من صواريخ الدفاع الجوي المحمولة على الكتف ونيران الأسلحة الخفيفة، خاصة في البيئات الحضرية المزدحمة. وقد أثبتت تجارب سابقة في أفغانستان والعراق أن المروحيات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة تظل هدفاً سهلاً للقذائف الصاروخية التقليدية مثل 'آر بي جي'.

إلا أن دخول المسيرات الرخيصة على خط المواجهة غير المعادلة بشكل جذري، نظراً لسهولة نشرها بأعداد كبيرة وصعوبة رصدها بالرادارات التقليدية. هذه الأدوات الجديدة لا تتطلب طواقم بشرية داخلها، مما يقلل من الكلفة البشرية في حال فقدانها، ويجعلها سلاحاً استنزافياً بامتياز ضد الأهداف الثمينة.

في مواجهة هذا التحدي، بدأت الجيوش العالمية في تكييف تكتيكات المروحيات لتتحول من ضحية محتملة إلى 'صياد' للمسيرات. وقد أظهرت تجارب ميدانية في مناطق توتر مثل مضيق هرمز، قدرة مروحيات الأباتشي على رصد وإسقاط أسراب الدرونات باستخدام أنظمتها الرادارية والمدافع الرشاشة.

التحول الأكثر إثارة في العقيدة العسكرية هو تحويل المروحية إلى 'سفينة أم' تعمل كمنصة إطلاق وتحكم للطائرات المسيرة والذخائر المتسكعة. في هذا الدور الجديد، تبتعد المروحية عن خط المواجهة المباشر وتتولى إدارة المعركة جوياً، مما يقلل من فرص تعرضها للاستهداف المباشر من قبل العدو.

هذا التوجه يعني انتقال المروحيات الهجومية من كونها مجرد 'منصة نيران' إلى 'مركز إدارة معركة' منخفض الارتفاع يوفر البيانات الاستخباراتية ويوجه الضربات عن بعد. هذا التطور يعكس مرونة المؤسسات العسكرية في استيعاب التكنولوجيا الحديثة بدلاً من التخلي عن المنصات التقليدية بشكل كامل.

إن الحوادث الأخيرة التي طالت مروحيات 'كاموف' الروسية تؤكد نهاية عصر العمل بحرية مطلقة في الأجواء التي تفتقر للسيطرة الكاملة. وسيكون على أطقم المروحيات في المستقبل التكيف مع بيئة قتالية مشبعة بالتهديدات غير التقليدية التي تأتي من كل الاتجاهات وبأحجام صغيرة جداً.

في الختام، لا يمكن الجزم بانتهاء عصر المروحيات الهجومية، بل هي تمر بمرحلة انتقالية نحو أدوار أكثر تعقيداً وتكاملاً مع الأنظمة غير المأهولة. المستقبل سيعتمد على مدى قدرة هذه الطائرات على دمج تقنيات الدفاع النشط والذكاء الاصطناعي لمواجهة خطر المسيرات الذي بات يهدد سيادتها الجوية.

عربي ودولي

الأربعاء 29 أبريل 2026 8:50 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يوجه بفرض حصار مطول على إيران ويعلن 'هزيمتها عسكرياً'

أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب توجيهات حاسمة لمساعديه وفريقه الإداري بضرورة الاستعداد لفرض حصار اقتصادي طويل الأمد على إيران. وتأتي هذه الخطوة في سياق تصعيد الضغوط الرامية إلى خنق الصادرات النفطية الإيرانية وتقييد حركة الشحن من وإلى الموانئ الرئيسية، وذلك وفقاً لما أوردته تقارير صحفية دولية نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية.

وخلال اجتماعاته الأخيرة، أبدى ترمب تفضيلاً واضحاً لخيار تشديد القيود البحرية والملاحية كبديل استراتيجي يقلل من مخاطر الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة أو ضربات مباشرة. ويرى البيت الأبيض أن هذا المسار يمثل أداة ضغط فعالة لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية جديدة وأكثر صرامة.

وفي تصريحات لافتة خلال مأدبة عشاء رسمية استضاف فيها الملك تشارلز الثالث، أعلن ترمب أن الولايات المتحدة تمكنت من هزيمة إيران على الصعيد العسكري. وشدد الرئيس الأمريكي في كلمته الافتتاحية على أن واشنطن لن تسمح للنظام الإيراني بامتلاك السلاح النووي تحت أي ظرف من الظروف، مشيراً إلى وجود توافق دولي واسع حول هذه النقطة الحساسة.

وتشير التقديرات المتداولة في الأوساط السياسية بواشنطن إلى أن الإدارة تراهن على سقف زمني يمتد لنحو شهرين لتحقيق اختراق سياسي ملموس. وتأمل الدوائر الأمريكية أن تؤدي هذه الضغوط المكثفة إلى دفع القيادة الإيرانية نحو تقديم تنازلات جوهرية، رغم أن نجاح هذه الخطة يظل رهناً بمدى قدرة طهران على التكيف مع العقوبات الجديدة.

على الصعيد الميداني، تشهد المنطقة تصعيداً متبادلاً في الممرات المائية، حيث تلاحق القوات الأمريكية السفن المرتبطة بالصادرات الإيرانية وتفرض رقابة مشددة في مضيق هرمز. وفي المقابل، تؤكد مصادر إيرانية أن طهران نجحت في إيجاد مسارات بديلة للالتفاف على الحصار، مما يعكس صراع إرادات مستمر في الميدان البحري الاستراتيجي.

ورغم هذا التصعيد، يلاحظ مراقبون تعثراً واضحاً في المسار الدبلوماسي، حيث أُلغيت لقاءات كانت مقررة سابقاً بين أطراف دولية لبحث الملف النووي. ويبدو أن الرهان الأمريكي الحالي ينصب بالكامل على سياسة 'الضغط الأقصى' لفرض واقع تفاوضي جديد يتجاوز الاتفاقات السابقة التي انسحبت منها واشنطن.

ويبقى التوتر سيد الموقف في ظل غياب أي تقدم ملموس في ملفات أمن الملاحة والبرنامج النووي، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه هذه الإجراءات العقابية المشددة. وتستمر الإدارة الأمريكية في موازنة خياراتها بين التصعيد الاقتصادي الشامل وإبقاء خيار التدخل العسكري قائماً كأداة ردع نهائية في حال فشل الحصار.

اقتصاد

الأربعاء 29 أبريل 2026 8:35 صباحًا - بتوقيت القدس

استقرار أسعار الذهب وسط ترقب لقرارات الفيدرالي الأمريكي وتصاعد التوتر مع إيران

خيم الهدوء الحذر على أسواق الذهب العالمية خلال تعاملات يوم الأربعاء، حيث لم يطرأ تغيير جوهري على الأسعار في ظل حالة من التقلب المستمر. ويترقب المستثمرون والفاعلون الاقتصاديون باهتمام بالغ التصريحات المرتقبة لرئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي، جيروم باول، لتقييم المسار الاقتصادي المستقبلي. وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المخاوف من تداعيات التوترات السياسية مع إيران على استقرار الاقتصاد العالمي.

على صعيد الأرقام، سجل سعر الذهب في المعاملات الفورية ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.1 بالمئة ليصل إلى مستوى 4597.07 دولار للأوقية، وذلك بعد موجة هبوط في الجلسة السابقة بلغت أدنى مستوياتها منذ مطلع شهر نيسان/ أبريل الجاري. وفي ذات السياق، حافظت العقود الأمريكية الآجلة للمعدن الأصفر على استقرارها عند حدود 4610.20 دولار، مما يعكس حالة الترقب التي تسيطر على الصناديق الاستثمارية قبل صدور القرارات النقدية الكبرى.

وتشير التوقعات السائدة في الأوساط المالية إلى أن البنك المركزي الأمريكي سيتجه نحو تثبيت أسعار الفائدة دون تغيير في ختام اجتماعه الذي استمر لمدة يومين. ويرى محللون أن هذا القرار يهدف إلى الحفاظ على توازن الأسواق في ظل الظروف الجيوسياسية المعقدة. وسيكون لبيان الفيدرالي أثر مباشر على جاذبية الذهب كأداة تحوط ضد التضخم والاضطرابات السياسية التي تشهدها المنطقة.

وفي الملف السياسي، أفادت مصادر بأن الجهود الدبلوماسية الرامية لإنهاء الصراع مع إيران قد وصلت إلى طريق مسدود، خاصة بعد إبداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استياءه من المقترحات الأخيرة المقدمة من طهران. وذكرت التقارير أن الإدارة الأمريكية تلقت إشارات تفيد بأن القيادة الإيرانية تمر بحالة من عدم الاستقرار الداخلي، مما يعقد فرص الوصول إلى اتفاق وشيك ينهي حالة التأزم الراهنة.

بالتوازي مع ذلك، استمرت أسعار النفط في الضغط على المشهد الاقتصادي، حيث ظل خام برنت فوق حاجز 110 دولارات للبرميل نتيجة أنباء عن نية واشنطن تمديد حصارها على الموانئ الإيرانية. ولا تقتصر أنظار المستثمرين على واشنطن فحسب، بل تمتد لتشمل قرارات مرتقبة لبنوك مركزية كبرى أخرى هذا الأسبوع، من بينها البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك كندا، مما يجعل الأسبوع الحالي حاسماً لرسم ملامح السياسة النقدية العالمية.

عربي ودولي

الأربعاء 29 أبريل 2026 8:35 صباحًا - بتوقيت القدس

بن سلمان يترأس قمة خليجية تشاورية في جدة لبحث ملفات المنطقة

احتضنت محافظة جدة السعودية، اليوم الثلاثاء، أعمال القمة الخليجية التشاورية لقادة ورؤساء وفود دول مجلس التعاون، برئاسة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وتركزت المباحثات حول تعزيز العمل المشترك وتنسيق المواقف السياسية تجاه الملفات الساخنة في المنطقة والمستجدات على الساحة الدولية.

وشهدت القمة حضوراً رفيع المستوى، حيث شارك فيها أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، بالإضافة إلى ولي عهد دولة الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، فيما مثل الجانب الإماراتي وزير الخارجية الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان. وكان ولي العهد السعودي في مقدمة مستقبلي الوفود المشاركة لدى وصولهم إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي.

وفي سياق متصل، لفتت مصادر إعلامية إلى عدم صدور إعلان رسمي بشأن مستوى تمثيل سلطنة عُمان في هذه القمة، حيث لم تشر التقارير الأولية إلى وصول وفد عُماني للمشاركة في الاجتماعات التشاورية. وتهدف هذه القمة إلى توحيد الرؤى الخليجية في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة التي تشهدها المنطقة.

تحليل

الأربعاء 29 أبريل 2026 8:18 صباحًا - بتوقيت القدس

انقسام أميركي عميق حول حرب إيران: ترمب يخسر التحالف الأوسع رغم صلابة قاعدة "ماغا"

رسالة واشنطن"

واشنطن – سعيد عريقات – 29/4/2026

تحليل إخباري

تشير أحدث استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة إلى تراجع واسع في الدعم الشعبي للحرب على إيران، التي أطلقها الرئيس دونالد ترمب، حيث لا تتجاوز نسبة من يعتبرونها "حرباً تستحق العناء" ربع الأميركيين فقط. ومع استمرار ارتفاع كلفتها الاقتصادية، داخلياً وعالمياً، يُتوقع أن تتراجع هذه النسبة أكثر في الأشهر المقبلة.

ورغم هذا التراجع الحاد في التأييد الشعبي، يبدو ترمب في موقع سياسي فريد بوصفه رئيساً في نهاية ولايته، ما يجعله أقل عرضة للضغوط التقليدية من الكونغرس أو حتى من الرأي العام. فالحرب، وما رافقها من تضخم اقتصادي وارتفاع أسعار الطاقة، مرشحة لإضعاف الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية، لكن دون أن يواجه الرئيس تهديداً مباشراً بعزله أو تمرداً مؤسسياً.

ومع ذلك، فإن الجدل الأكثر أهمية لا يدور فقط حول الرأي العام، بل حول مدى تماسك القاعدة السياسية لترمب نفسها. فبينما لا تزال القاعدة الصلبة من أنصار “ماغا” متمسكة به، حتى مع الحرب، فإن شخصيات بارزة من اليمين الشعبوي بدأت تعلن معارضتها، متهمة الرئيس بالتخلي عن وعوده الانتخابية، وعلى رأسها شعار "أميركا أولاً".

الانقسام داخل الحزب الجمهوري لم يعد بسيطاً بين مؤيد ومعارض، بل بات يعكس شرخاً أعمق داخل التحالف الذي أوصل ترمب إلى السلطة في 2024. فبينما يُظهر جزء من القاعدة ولاءً شبه مطلق للرئيس، يرى جزء آخر أن الحرب على إيران تمثل خيانة مباشرة لوعود إنهاء "الحروب الدائمة" التي أنهكت المجتمع الأميركي خلال ربع قرن.

وتشير بيانات الاستطلاعات إلى أن نحو 66% من الأميركيين يعارضون قرار الحرب، فيما يعارض 68% استخدام قوات برية في إيران. كما أن 69% قلقون من تداعياتها الاقتصادية، خصوصاً على أسعار الوقود، بينما يعبر 64% عن عدم ثقتهم بقدرة الرئيس على إدارة الأزمة. هذه الأرقام تكشف بوضوح أن نحو ثلثي الأميركيين يقفون ضد استمرار الحرب.

لكن هذا الرفض العام يترافق مع انقسام حزبي حاد. فحوالي 77% من الجمهوريين يدعمون الحرب، وترتفع النسبة إلى نحو 90% بين من يُصنفون كـ"ماغا" داخل الحزب. ومع ذلك، حتى داخل هذه الفئة، لا تبدو إيران أولوية سياسية، إذ لا تتجاوز نسبة من يعتبرونها قضية مركزية 11% فقط، مقابل تركيز أكبر على التضخم والأوضاع الاقتصادية الداخلية.

 

في المقابل، برزت انقسامات حادة داخل الإعلام اليميني نفسه. فقد دخل ترمب في مواجهة علنية مع شخصيات بارزة مثل تاكر كارلسون، الذي أعلن شعوره بـ"الخيانة" ورفضه للحرب، فيما رد عليه الرئيس بوصفه ومن ينتقد الحرب بأنهم “خاسرون” لا يمثلون حركة ماغا الحقيقية.

غير أن هذا الصراع الإعلامي يخفي واقعاً أوسع: فالمعارضون للحرب لا يقتصرون على شخصيات إعلامية، بل يشملون أيضاً جناحاً داخل المؤسسة الجمهورية نفسها. بعض المسؤولين السابقين استقالوا احتجاجاً، معتبرين أن الحرب تتناقض مع مبدأ "أميركا أولاً"، بل وذهب بعضهم إلى حد اتهام تأثيرات خارجية، بما فيها الضغوط الإسرائيلية، في دفع القرار نحو التصعيد.

وتكشف دراسات استطلاعية أن القاعدة الانتخابية لترمب ليست كتلة واحدة متجانسة. فحوالي 30% فقط من ناخبيه يُصنفون كـ"ماغا صلبين"، بينما يشكل الباقون تحالفاً هشاً من الناخبين المستقلين والناخبين غير الراضين عن الحزب الديمقراطي. وهذه الفئات الأخيرة هي الأكثر رفضاً للحرب حالياً.

وتظهر الانقسامات أيضاً على أساس العمر والتعليم؛ فالشباب الجمهوريون أقل دعماً للحرب بنحو 30 نقطة مقارنة بكبار السن، كما أن الناخبين من الطبقة العاملة غير الحاصلين على تعليم جامعي بدأوا يسحبون دعمهم تدريجياً، خاصة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية.

في هذا السياق، يبدو أن الحرب في إيران لم تضعف فقط صورة الرئيس دولياً، بل بدأت تفكك أجزاء من التحالف الانتخابي الذي أوصله إلى البيت الأبيض. ورغم أن القاعدة الصلبة لا تزال متماسكة، فإن الهامش الأوسع من المؤيدين يظهر تراجعاً واضحاً، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل هذا التحالف السياسي بعد ترمب.

تكشف الحرب في إيران عن تناقض جوهري في المشروع السياسي لترمب بين شعار "أميركا أولاً" وخيارات التدخل العسكري الواسع. فبينما بُنيت شعبيته على رفض الحروب الخارجية، جاء القرار العسكري ليضعف الثقة بينه وبين القاعدة التي انضمت إليه لأسباب اقتصادية واجتماعية أكثر من كونها أيديولوجية. هذا التحول يعكس هشاشة التحالف الشعبوي، الذي يتماسك حول الشخصية أكثر من تماسكه حول السياسات. ومع تزايد الكلفة الاقتصادية، يصبح الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة مع مرور الوقت وتوسع آثار الحرب داخلياً.

ولا يعكس الانقسام داخل الحزب الجمهوري مجرد خلاف حول سياسة خارجية، بل يعبر عن صراع أعمق حول هوية الحزب نفسه. فهناك تيار يميل إلى الانعزالية وتجنب التدخلات العسكرية، مقابل تيار تقليدي أكثر ميلاً للقوة الصلبة والتحالفات الخارجية. حرب إيران فجّرت هذا التناقض بشكل غير مسبوق، خصوصاً مع دخول أصوات إعلامية وشعبوية في المواجهة المباشرة مع الرئيس. هذا الانقسام قد تكون له تداعيات طويلة الأمد تتجاوز ولاية ترمب، ليعيد تشكيل السياسة الخارجية للجمهوريين لسنوات قادمة.

كما أن الأرقام المتعلقة بالرأي العام تشير إلى أزمة ثقة أوسع بالمؤسسة السياسية الأميركية ككل، وليس فقط بإدارة ترمب. فرفض الحرب من قبل ثلثي الأميركيين يعكس إرهاقاً مجتمعياً من التدخلات الخارجية المتكررة خلال العقود الماضية. هذا المزاج الشعبي يضع أي إدارة مستقبلية، ديمقراطية أو جمهورية، أمام قيود صارمة في ما يتعلق باستخدام القوة العسكرية. كما أن تآكل الثقة بالقيادة التنفيذية في إدارة الأزمات يعمّق الفجوة بين المواطن وصانع القرار، ويجعل السياسة الخارجية أكثر عرضة للتقلبات الداخلية.

تحليل

الأربعاء 29 أبريل 2026 7:50 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران بين مطرقة النموذج الروسي وسندان الإصلاح الصيني: قراءة في صراع الأجنحة والضغوط الخارجية

تتباين الرؤى الدولية حول كيفية التعامل مع النظام الإيراني، حيث يبرز نهج دونالد ترامب الساعي إلى تغيير سلوك النظام ونهجه السياسي بدلاً من إسقاطه بالكامل، وهو ما يختلف جذرياً عن استراتيجية غزو العراق عام 2003. ويهدف هذا التوجه إلى دفع طهران نحو تعاون اقتصادي ونفطي يخدم المصالح الأمريكية، على غرار المحاولات التي جرت في الملف الفنزويلي.

في المقابل، يرى التيار الإصلاحي داخل إيران أن مصلحة البلاد تكمن في التخلي عن طموحات تخصيب اليورانيوم التي لم تحقق مكاسب ملموسة، بل وضعت الدولة في مأزق دولي. ويعتقد هؤلاء أن الانفتاح على الغرب هو السبيل الوحيد لإنعاش الاقتصاد المتهالك وتوظيف الطاقات البشرية الهائلة في مسارات تنموية حقيقية.

ويؤكد المحللون أن سياسة التوسع الإقليمي التي انتهجتها طهران في محيطها العربي لم توفر لها الحماية المطلوبة، بل كانت وقوداً لحروب استنزاف طالت الداخل الإيراني وحلفاءها في المنطقة. هذا الواقع دفع الإصلاحيين للمطالبة بمراجعة شاملة للسياسة الخارجية لضمان استقرار الدولة وتحسين علاقتها مع الشعب.

على الضفة الأخرى، أدت الضغوط الخارجية والعدوان المستمر إلى تقوية شوكة الجناح العسكري، المتمثل في الحرس الثوري، الذي يسيطر على إمبراطورية اقتصادية ريعية ضخمة. هذا الجناح يفضل النموذج الروسي القائم على القوة العسكرية والاقتصاد المعتمد على الموارد الطبيعية، مبتعداً عن النموذج الصيني القائم على الإنتاج والانفتاح.

لقد شهدت البنية السياسية الإيرانية تحولاً جوهرياً منذ وفاة مؤسس الجمهورية عام 1989، حيث تراجع البعد الروحاني لصالح تحالف عسكري وسياسي يقوده الحرس الثوري. هذا التحول أدى إلى تبني سياسات براغماتية مغلفة بالشعارات، تهدف بالأساس إلى الحفاظ على بقاء النظام وتوسيع نفوذه الجيوسياسي.

وتشير القراءات السياسية إلى أن التدخلات الإيرانية في العراق وسوريا واليمن تجاوزت الأهداف الأيديولوجية الأولى لتتحول إلى استراتيجية بناء محور طائفي خاضع لإدارة طهران. هذا المحور يمتد من الأراضي الإيرانية وصولاً إلى سواحل البحر المتوسط، مما أثار حفيظة القوى الإقليمية والدولية على حد سواء.

من جانبه، يسعى الجانب الإسرائيلي بقيادة نتنياهو إلى ما هو أبعد من تغيير النهج، حيث يطمح إلى تفكيك الدولة الإيرانية بالكامل واستغلال التنوع القومي بداخلها. ويرى نتنياهو في تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران فرصة ذهبية لإضعاف خصمه الإقليمي ومنع أي تسوية قد تمنح النظام قبلة حياة جديدة.

يواجه ترامب اليوم معضلة حقيقية ناتجة عن قصر النظر في تقدير قوة وتماسك النظام الإيراني مقارنة بالنماذج الأخرى. فهو الآن مخير بين الاستمرار في التصعيد العسكري مع ما يحمله من كلف اقتصادية وسياسية باهظة، أو البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه أمام حلفائه في المنطقة الذين يخشون تراجع الحماية الأمريكية.

إن حالة 'لا حرب ولا سلم' التي تخيم على المشهد الإيراني الأمريكي لا يمكن أن تستمر طويلاً في ظل التجاذبات الداخلية والدولية. فإما أن تنجح المساعي الإصلاحية في إيجاد تسوية تاريخية تغير وجه البلاد، أو ينجرف النظام نحو مزيد من الانغلاق العسكري والصدام المباشر مع القوى العالمية.

أقلام وأراء

الأربعاء 29 أبريل 2026 7:06 صباحًا - بتوقيت القدس

زيارة الملك تشارلز لواشنطن: هل ترمم 'العلاقة الخاصة' في ظل طبول الحرب؟

وصل الملك تشارلز الثالث وقرينته الملكة كاميلا إلى العاصمة الأمريكية واشنطن في زيارة دولة رسمية، استقبلهما خلالها الرئيس دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب. وتكتسب هذه الزيارة أهمية رمزية وتاريخية كبرى، كونها الأولى لملك بريطاني منذ نحو عقدين من الزمن، وتأتي في لحظة فارقة تسبق احتفالات الولايات المتحدة بمرور قرنين ونصف على استقلالها عن التاج البريطاني.

تخيم ظلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في أواخر فبراير الماضي، على أجواء هذه الزيارة الملكية بشكل مباشر. وتكشف التقارير عن تباين عميق في وجهات النظر بين البيت الأبيض ومقر الحكومة البريطانية في 'داونينغ ستريت'، خاصة فيما يتعلق بآليات التعامل مع التهديدات في مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة الدولية في ظل السيطرة الإيرانية المتزايدة.

تصاعدت حدة التوتر الدبلوماسي مع تسريبات تشير إلى استياء الرئيس ترمب من مواقف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وذهبت بعض المصادر إلى وصف أسلوب التعامل الأمريكي بـ 'التنمر السياسي'. وزاد من تعقيد المشهد تسريب وثيقة تزعم نية واشنطن مراجعة موقفها التاريخي الداعم لبريطانيا في ملف جزر الفوكلاند، وهو ما أثار موجة غضب في الأوساط السياسية البريطانية دفعت البعض للمطالبة بإلغاء الزيارة الملكية.

رغم هذه الأزمات المتلاحقة، سارعت الحكومة البريطانية إلى احتواء الموقف عبر بيان رسمي أكدت فيه على سيادتها المطلقة على جزر الفوكلاند، معتبرة أن الزيارة الملكية ضرورة للحفاظ على 'العلاقة الخاصة'. ويرى مراقبون أن هذا الشرخ في التحالف الأنغلو-أمريكي يعيد الذاكرة إلى أزمة السويس عام 1956، حينما اتخذت واشنطن موقفاً حازماً ضد التدخل العسكري البريطاني الفرنسي الإسرائيلي في مصر، مما أدى لانسحاب القوات من قطاع غزة وسيناء.

يبقى الرهان اليوم على قدرة الدبلوماسية الملكية في تلطيف الأجواء المشحونة وتجاوز الشخصنة التي طبعت الخلافات الأخيرة بين ترمب وستارمر. فالتاريخ المشترك بين البلدين، الذي بدأ بعداوة مريرة وانتهى بتحالف استراتيجي فريد، يواجه اختباراً عسيراً يتطلب موازنة دقيقة بين المصالح القومية لكل طرف وبين استقرار النظام الدولي في ظل الحروب المشتعلة.

أحدث الأخبار

الأربعاء 29 أبريل 2026 4:37 صباحًا - بتوقيت القدس

مجموعة 'حنظلة' تسرب بيانات آلاف الجنود الأمريكيين في منطقة الخليج

أعلنت مجموعة القرصنة الإلكترونية المعروفة باسم 'حنظلة' عن تنفيذ عملية اختراق واسعة استهدفت بيانات آلاف العناصر التابعين لمشاة البحرية الأمريكية المتمركزين في منطقة الخليج العربي. وأفادت مصادر بأن المجموعة نشرت تفاصيل دقيقة تتعلق بنحو 2379 جندياً، مؤكدة أن المنظومات الأمنية التي يعتمد عليها الجيش الأمريكي لم تمنع وصول المهاجمين إلى هذه المعلومات الحساسة.

وتضمنت البيانات المسربة، وفقاً لما نشره المخترقون، معلومات لا تقتصر على الهوية العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل عناوين منازل الجنود في الولايات المتحدة وبيانات تفصيلية عن أفراد عائلاتهم. كما أشارت المجموعة إلى امتلاكها سجلات دقيقة حول مسارات تحركاتهم اليومية، وعاداتهم الاستهلاكية، وحتى الأنشطة الترفيهية التي يمارسونها، مما يضع خصوصية وأمن هؤلاء العناصر في دائرة الخطر.

وأوضحت المجموعة في بيانها أن ما تم الكشف عنه يمثل جزءاً يسيراً من قاعدة بيانات ضخمة تمتلكها، وتضم معلومات عن عشرات الآلاف من العسكريين الأمريكيين في المنطقة. ولوحت 'حنظلة' بإمكانية نشر القوائم الكاملة خلال الأيام القليلة القادمة إذا ما رأت ضرورة لذلك، في خطوة تصعيدية تعكس حجم الاختراق الذي تدعي تحقيقه في الأنظمة الدفاعية الرقمية.

وتأتي هذه العملية ضمن سلسلة من الأنشطة السيبرانية المكثفة التي تنفذها المجموعة منذ أواخر عام 2023، حيث ركزت في السابق على استهداف النخبة السياسية والعسكرية في إسرائيل. وكان من أبرز عملياتها الإعلان عن اختراق أجهزة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، ونشر وثائق وصور شخصية قالت إنها استخلصتها من أجهزته الخاصة بعد سنوات من التواجد غير المرئي داخل أنظمته.

وبحسب الادعاءات السابقة للمجموعة، فإنها تمكنت من الاستحواذ على أكثر من 19 ألف مادة مرئية من أجهزة المسؤول الإسرائيلي، شملت تسجيلات لاجتماعات سرية غاية في الأهمية. ويعزز هذا النشاط المتزايد المخاوف من تصاعد الحروب السيبرانية في المنطقة، وقدرة المجموعات المرتبطة بجهات إقليمية على الوصول إلى بيانات استراتيجية وشخصية لكبار القادة والجنود على حد سواء.

عربي ودولي

الأربعاء 29 أبريل 2026 4:36 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة في الغردقة.. وفاة سائح ألماني إثر لدغة كوبرا خلال عرض استعراضي

شهد منتجع الغردقة السياحي على ساحل البحر الأحمر في مصر واقعة مأساوية، حيث انتهت عطلة عائلية بوفاة سائح ألماني نتيجة لدغة أفعى قاتلة. الحادثة وقعت مطلع شهر أبريل الجاري خلال عرض ترفيهي كان يقدمه أحد مدربي الثعابين في فندق يقيم فيه السائح البالغ من العمر 57 عاماً.

وأفادت مصادر أمنية ألمانية بأن العرض الذي كان يحضره السائح تضمن استخدام أفاعٍ يُعتقد أنها من فصيلة الكوبرا الخطيرة. ووفقاً للتحقيقات الأولية، فقد سمح مقدم العرض لإحدى الأفاعي بالانزلاق داخل ملابس السائح، وهو ما أدى إلى تعرضه للدغة مباشرة في ساقه تسببت في تدهور حالته الصحية بشكل متسارع.

وذكرت الشرطة البافارية في بيان رسمي أن الضحية، الذي كان يقضي إجازته برفقة اثنين من أقاربه، ظهرت عليه علامات تسمم حادة فور وقوع اللدغة. وقد اضطرت الفرق الطبية لإجراء عمليات إنعاش طارئة له في موقع الحادث قبل نقله إلى المستشفى، إلا أنه فارق الحياة متأثراً بسم الأفعى.

وفي سياق المتابعة القانونية، باشرت السلطات القضائية والشرطة في ألمانيا تحقيقات موسعة للوقوف على ملابسات الوفاة وتحديد المسؤوليات. وينتظر المحققون حالياً صدور نتائج تحاليل السموم النهائية لتأكيد نوع السم المسبب للوفاة، في ظل اهتمام رسمي بمتابعة حقوق مواطنيها في الخارج.

من جانبها، أشارت تقارير صحفية إلى تباين في الروايات، حيث ذكرت مصادر أن السلطات المصرية لم تتلقَ إخطاراً رسمياً بالواقعة فور حدوثها. وتجري حالياً اتصالات للتأكد من الإجراءات المتبعة في مثل هذه العروض الترفيهية التي تعتمد على الحيوانات المفترسة والزواحف السامة في المناطق السياحية.

وفي واقعة منفصلة تعكس انتشار الزواحف الخطيرة، تمكنت قوات الحماية المدنية في محافظة الغربية من السيطرة على ثعبان كوبرا ضخم ظهر في إحدى المزارع. وأثارت الكوبرا حالة من الذعر بين أهالي قرية المنشأة الكبرى التابعة لمركز السنطة بعد رصدها فوق أشجار البرتقال، إلا أن التدخل السريع حال دون وقوع إصابات.

وتسلط هذه الحوادث الضوء على المخاطر المرتبطة بالتعامل مع الأفاعي السامة في العروض العامة أو المناطق الزراعية. ويطالب خبراء بضرورة تشديد الرقابة على 'سحرة الثعابين' ومنع الممارسات التي تعرض حياة الجمهور للخطر، خاصة في المنشآت السياحية التي تستقطب آلاف الزوار سنوياً.

اسرائيليات

الأربعاء 29 أبريل 2026 3:20 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة ثقة تعصف بـ 'الشاباك': اتهامات لرئيس الجهاز بالجهل بأيديولوجيا حماس

كشفت مصادر صحفية عبرية عن تصاعد حدة الخلافات الداخلية داخل جهاز الأمن العام للاحتلال (الشاباك)، حيث تعصف أزمة ثقة عميقة بالعلاقة بين رئيس الجهاز ديفيد زيني وكبار المسؤولين الأمنيين. وتأتي هذه التوترات على خلفية اتهامات لزيني بالافتقار إلى الكفاءة المهنية اللازمة لإدارة الجهاز في ظل الظروف الراهنة، بالإضافة إلى اعتماده أسلوباً إدارياً متوتراً يثير حفيظة مساعديه.

وأفادت تقارير نقلاً عن مصادر أمنية مطلعة بأن الأزمة بلغت ذروتها بعد سلسلة من الإخفاقات في تقدير الموقف، حيث يُنظر إلى زيني على أنه يفتقر للفهم العميق للبيئة الاستخباراتية التي يعمل فيها. هذا القصور المهني دفع العديد من القيادات داخل الجهاز إلى التعبير عن قلقهم من تداعيات استمرار هذا النهج على أمن الكيان وقدراته الردعية.

وفي واقعة أثارت ذهول كبار القادة الأمنيين، طلب زيني مقابلة أحد معتقلي حركة حماس الذين يخضعون للتحقيق المكثف للوقوف على دوافعهم. وخلال المواجهة، وجه رئيس الشاباك سؤالاً للمعتقل حول سبب تمسكه بفكر الحركة رغم ما وصفه بـ 'الفشل' في أحداث السابع من أكتوبر، وهو ما اعتبره الخبراء دليلاً قاطعاً على جهله التام بطبيعة الأيديولوجيا التي تحرك فصائل المقاومة.

ووصف مسؤولون في الجهاز هذا السؤال بأنه يعكس 'جهلاً مهنياً فاضحاً'، مشيرين إلى أن محاولة قياس القناعات الأيديولوجية بمقاييس الربح والخسارة العسكرية التكتيكية تنم عن عدم إدراك لجوهر الصراع. وقد أدت هذه الحادثة إلى تعميق الفجوة بين رئيس الجهاز وطواقم التحقيق والاستخبارات التي تعمل ميدانياً وتدرك تعقيدات العقيدة القتالية للطرف الآخر.

وعلى صعيد بيئة العمل الداخلية، وصفت المصادر الأجواء في عهد زيني بأنها 'عدائية للغاية'، حيث يسود أسلوب الخطاب العسكري الجاف الذي لا يقبل النقاش أو المراجعة. ويُتهم زيني بممارسة سياسة إسكات الأصوات المعارضة لآرائه داخل الاجتماعات المغلقة، مما أدى إلى حالة من الشلل في تبادل الأفكار والتقديرات الاستخباراتية المختلفة.

كما نقلت المصادر شكاوى حول تعامل زيني بازدراء مع مرؤوسيه، واستخدامه لألفاظ مبتذلة وسوقية خلال النقاشات المهنية الحساسة، وهو ما خلق حالة من النفور العام. هذا السلوك أدى إلى تراجع الروح المعنوية لدى الكوادر البشرية في الشاباك، وسط تحذيرات من استقالات جماعية أو تراجع في جودة الأداء الأمني نتيجة غياب الاحترام المتبادل.

وفي ختام التحذيرات، أبدى العاملون في الجهاز مخاوف جدية من انهيار ما وصفوه بـ 'سيادة الأمن العام'، مؤكدين أن المنظومة الاستخباراتية باتت مهددة بالانكسار. ويرى هؤلاء أن شخصية زيني سريعة الغضب وتجاهله المستمر للمشورة المهنية المتخصصة يضعان الجهاز في مأزق حقيقي، خاصة في وقت تواجه فيه استخبارات الاحتلال تحديات مصيرية ومتعددة الجبهات.

اقتصاد

الأربعاء 29 أبريل 2026 2:50 صباحًا - بتوقيت القدس

البنك الدولي يحذر من قفزة قياسية في أسعار الطاقة العالمية بحلول 2026

رجح تقرير حديث صادر عن البنك الدولي أن تشهد أسعار الطاقة العالمية قفزة حادة تصل إلى 24% خلال عام 2026، لتبلغ بذلك أعلى مستوياتها منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين روسيا وأوكرانيا قبل أربعة أعوام. وتأتي هذه التوقعات مشروطة بانتهاء حالة الاضطراب الحالية في أسواق الطاقة الناجمة عن الصراع في منطقة الشرق الأوسط بحلول شهر مايو المقبل، مع التحذير من أن أي تصعيد إضافي قد يدفع الأسعار لمستويات أكثر خطورة.

وأفادت مصادر اقتصادية نقلاً عن البنك بأن استمرار الأعمال القتالية لفترة أطول من المتوقع سيؤدي حتماً إلى تفاقم أزمة الإمدادات العالمية، مما يضع ضغوطاً إضافية على الدول المستوردة. وأوضح البنك أن السيناريو الأساسي الذي يعتمده يفترض عودة تدريجية لأحجام الشحن عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، لتصل إلى مستويات تقارب ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب بحلول شهر أكتوبر من العام الجاري.

وفي سياق متصل، توقع الخبراء في البنك الدولي زيادة بنسبة 16% في أسعار السلع الأولية بشكل عام خلال عام 2026، وذلك في ظل الارتفاعات المتلاحقة التي طالت قطاعي الطاقة والأسمدة. كما أشار التقرير إلى أن عدداً من المعادن الرئيسية المرتبطة بالصناعات الحيوية قد سجلت بالفعل مستويات قياسية، مما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية في الوقت الراهن.

وشدد التقرير على أن الهجمات المستمرة التي تستهدف البنية التحتية للطاقة، إلى جانب تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، قد تسببت في أكبر صدمة لإمدادات النفط في التاريخ الحديث. ويعد هذا الممر المائي شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث كان يستحوذ قبل اندلاع الأزمات الأخيرة على نحو 35% من إجمالي تجارة النفط الخام التي يتم نقلها عبر البحار عالمياً.

وعلى صعيد المؤشرات الحالية، كشف البنك الدولي أن أسعار خام برنت سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في منتصف الشهر الجاري، حيث ظلت أعلى بنسبة تتجاوز 50% مقارنة بالمستويات التي كانت عليها في مطلع العام الحالي. وتعكس هذه الأرقام حجم التحديات التي تواجه استقرار الأسواق، في ظل تداخل الأزمات الجيوسياسية وتأثيرها المباشر على تكاليف المعيشة والإنتاج في مختلف دول العالم.

أقلام وأراء

الأربعاء 29 أبريل 2026 2:50 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الأفكار المخذولة والمنتقمة: كيف نعيد صياغة معادلة النهوض الحضاري؟

ينطوي فكر المفكر الجزائري مالك بن نبي على إشارات عميقة تتعلق بتصنيف عالم الأفكار، حيث رصد تحول ما أسماه 'الأفكار المخذولة' من قبل أهلها إلى 'أفكار منتقمة'. وتحدث هذه الكارثة الحضارية حين يفشل الإنسان في تفعيل معادلة الحضارة المكونة من الإنسان والتراب والوقت، مما يؤدي إلى سقوط المجتمع في فخ الشعارات الجوفاء.

إن الأفكار المخذولة في جوهرها هي أفكار صحيحة وسامية، لكنها أُهينت عندما جردها أصحابها من فاعليتها وحولوها إلى مجرد كلمات حبيسة الكتب والحناجر. هذا الانفصال عن الواقع يجعل الفكرة غريبة ومحبطة، مما يدفع الناس في نهاية المطاف إلى الكفر بجدواها لعدم ملامستها لحياتهم اليومية.

أما عالم الأفكار المنتقمة، فهو تجسيد لانتقام السنن الكونية لا العاطفية، حيث لا ترحل الفكرة المخذولة بهدوء بل تتحول إلى طاقة تدميرية. ويتجلى هذا الانتقام في صور متعددة، أبرزها 'القابلية للاستعمار' التي تنشأ حين تُخذل قيم الكرامة بالخمول والتبعية الذليلة.

كما يظهر انتقام الأفكار في صورة التطرف أو اليأس؛ فالفكرة التي لا تتحول إلى بنيان مرصوص تحرق وعي أصحابها وتحولهم إلى قنابل موقوتة من الإحباط. وفي سياق آخر، تنتقم فكرة 'الاستخلاف' المخذولة بتحويل المجتمع إلى عبيد للأشياء ومستهلكين فاقدين للسيادة على المادة.

تؤكد القراءة التحليلية أن الحل الوحيد لإيقاف هذا الانتقام يكمن في 'الكدح التقني العملي' الذي يعيد للفكرة وقارها عبر تجسيدها في الواقع المادي. إن المصالحة مع الأفكار الصحيحة تتطلب استثمار سنن التاريخ وتحويل القيم من آيات تُتلى إلى لبنات موزونة في البناء العمراني.

يعتبر الكدح التقني بمثابة شهادة صدق للفكرة، حيث تتوقف الفكرة عن الانتقام بمجرد شعورها بالوجود المادي والتحامها بالتراب. هذا العمل الميداني المتقن يمثل عملية جراحية لعلاج 'الفصام النكد' بين العقيدة السامية والواقع المزري الذي تعيشه الأمة.

إن الفكرة التي لا تبني بيتاً أو تزرع حقلاً تظل مهانة في نظر التاريخ، بينما يعيد التقني الكادح للهيبة الدينية قيمتها العمرانية الحقيقية. فالسيادة لا تتحقق إلا عندما يرى العالم أن قيمنا أنتجت نظاماً وصناعة وزراعة، محولة الأفكار من خصم منتقم إلى حليف مُمكّن.

يبرز في هذا السياق مفهوم 'الانتقام المزدوج'، الذي يجمع بين انتقام صحة الفكرة وانتقام صلاحيتها، مما يولد حالة من الانسداد التاريخي. فالفكرة الصحيحة تظل تطارد أصحابها في أحلامهم، مذكرة إياهم بضآلة واقعهم مقارنة بعظمة المبادئ التي يحملونها ولا يطبقونها.

أما انتقام الصلاحية، فيحدث عندما تُترك الفكرة الصالحة بلا كدح ميداني، مما يسلم الواقع لسنن الخصوم ويحول أدوات النهضة إلى أسلحة ضد أصحابها. في هذه الحالة، تتحول الأمة إلى 'حارسة لتخلفها'، حيث تبرر عجزها بتفسيرات غيبية مشوهة ترفض التغيير.

إن حراس التخلف يمارسون معركتهم عبر 'وثنية الشعارات'، حيث يفضلون بقاء الفكرة في السحب بعيداً عن معايير الجودة وحسابات الزمن. وهم يخشون 'المكابد' الذي يبني اللبنة المتقنة، لأن نجاحه يفضح كسلهم وينهي زمن البكاء على الأطلال الذي يقتاتون عليه.

تعتبر معارضة المكابدين نوعاً من 'حسد الاستقامة'، حيث يسعى العاجزون لتعطيل أي مشروع ناجح لكي يظل الجميع في مستوى واحد من البوار. هؤلاء يستخدمون نصوص 'صحة الفكرة' لضرب 'صلاحيتها'، فيجادلون بالدين لكيلا يعملوا بالسنن الكونية التي تقتضي الجهد والبناء.

إن مشروع بناء اللبنة وغرس الفسيلة هو في حقيقته محاولة صلح مع الفكرة الدينية الدافعة لإيقاف هذا النزيف الحضاري المستمر. فالمكابد يعلم أن أي تهاون في تجويد العمل هو استدعاء مباشر لانتقام السنن في صورة فشل حضاري شامل يطال الجميع.

عندما تتحول الفكرة القرآنية إلى بناء مرصوص يلمسه الإنسان بيده، فإنها تمنح أهلها طاقة إضافية ومدداً من الاستقرار والتمكين. هذه المعركة بين الكدح والحراسة هي معركة استحقاق، حيث تكون اللبنة المتقنة هي القول الفصل الذي لا يحجبه غبار الكلام.

ختاماً، فإن 'القدم في التراب' هي الضمانة الوحيدة لكي تظل 'العين على الغد' مبصرة وصادقة في توجهها نحو النهضة. إن الكدح الميداني هو الكفارة الوحيدة لخذلان الأفكار، والسبيل لهدم أسوار سجن التخلف وتحويل الفكرة من عبء أخلاقي إلى محرك عمراني.

فلسطين

الأربعاء 29 أبريل 2026 2:50 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة عائلة فلسطينية في فرنسا: انتزاع ثلاثة أطفال من ذويهم وسط اتهامات بالعنصرية

تعيش عائلة الشيخ الفلسطينية فصلاً جديداً من المعاناة الإنسانية، فبعد أن نجت من أتون حرب الإبادة في قطاع غزة، وجدت نفسها في مواجهة قاسية مع القوانين الفرنسية. بدأت الحكاية قبل ثلاث سنوات حين لجأ الوالد والجد مع الأطفال الثلاثة، ربحي ونور وحسام الدين، إلى الأراضي الفرنسية بحثاً عن الأمان، بينما كانت الأم رغد الشيخ لا تزال في غزة تحت القصف.

تطورت الأحداث بشكل درامي حين تدخلت جمعية فرنسية تُدعى 'فلسطين تجمعنا'، حيث توطدت العلاقة بين سيدات يزعين الانتماء لفلسطين وبين العائلة المنكوبة. وبحسب شهادة الأم، فقد استغلت هذه الجهات ثقة العائلة للقيام بنقل حضانة الأطفال إلى مراكز رعاية حكومية، مستندة إلى ادعاءات بسوء معاملة الوالد لهم، وهي تهم تفتقر إلى أي دليل مادي أو تقرير طبي يثبت صحتها.

أصدر القضاء الفرنسي حكماً يقضي بإبقاء الأطفال لدى الجمعية لمدة عام كامل، مع فرض حظر تام على تواصلهم مع والدهم أو جدهم. هذا القرار تسبب في قطيعة تامة استمرت لثلاث سنوات، حيث لم يتمكن الأب من رؤية أبنائه أو الاطمئنان عليهم، مما زاد من تعقيد الوضع النفسي والقانوني للعائلة التي كانت تأمل في لم شملها بعد ويلات الحرب.

من جانبها، كشفت الأم رغد الشيخ، التي تبين لاحقاً أنها نجت من الموت في غزة، عن انقطاع سبل التواصل مع أطفالها منذ عام كامل. وأوضحت أن المسؤولة عن رعاية الأطفال تتجاهل كافة رسائلها وتمنعها حتى من الحصول على صور حديثة لهم، مؤكدة أن ما يحدث هو عملية عزل ممنهجة تهدف إلى قطع صلة الأطفال بجذورهم الفلسطينية وعائلاتهم.

وتخشى العائلة من تعرض الأطفال لعمليات 'غسل أدمغة' داخل مراكز الرعاية الفرنسية، تهدف إلى تغيير قيمهم ومفاهيمهم الوطنية والدينية. وأشارت الأم إلى أن الجمعية تحاول إيهام الأطفال بأن هويتهم الفلسطينية هي السبب وراء كافة المشكلات التي واجهوها، في محاولة لتشويه صورتهم عن وطنهم الأم ودفعهم للتنصل من انتماءاتهم الأصلية.

وفي سياق متصل، وجهت رغد الشيخ انتقادات حادة للسلطات الفلسطينية، متهمة إياها بالتقاعس عن تقديم الدعم القانوني اللازم لاستعادة أطفالها. وقالت إن غياب التحرك الرسمي زاد من تغول الجهات الفرنسية، التي وصفت تعاملها بالعنصرية الشديدة تجاه اللاجئين الفلسطينيين، حيث يتم تفريق العائلات بدلاً من العمل على توفير الحماية والسكينة لها.

تتمسك الأم اليوم بملابس أطفالها وألعابهم كذكرى وحيدة متبقية، مناشدة المنظمات الحقوقية وأصحاب الضمائر الحية بالتدخل الفوري لإنهاء هذه المأساة. وتصر العائلة على أن أطفالها 'مخطوفون' بقرار سيادي فرنسي، مطالبة بضرورة إعادة لم شملهم سواء في فرنسا أو في أي مكان آخر يضمن لهم العيش بكرامة وحرية بعيداً عن سياسات الفصل القسري.

عربي ودولي

الأربعاء 29 أبريل 2026 2:36 صباحًا - بتوقيت القدس

خريطة النزاع في مالي: تحالفات معقدة وتحديات أمنية تهدد استقرار الساحل

تعيش دولة مالي في منطقة الساحل الإفريقي حالة من الغليان الأمني المستمر، حيث تتقاطع مصالح القوى المسلحة بين طموحات الانفصال وأجندات الجهاد العابر للحدود. هذا المشهد المعقد رسمته سنوات من الصراع السياسي والعسكري، مما أنتج شبكة من التحالفات المتغيرة التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار المنطقة بأكملها.

تبرز الحركات الأزوادية كفاعل رئيسي في شمال البلاد، وهي تمثل تطلعات سكان إقليم أزواد من الطوارق والعرب والفلان. وقد شهد عام 2024 تحولاً جوهرياً في هيكلية هذه القوى بعد اندماجها في كيان موحد أطلق عليه 'جبهة تحرير أزواد' بهدف سياسي معلن وهو الانفصال.

تخوض هذه الجبهة الوليدة معارك ضارية ومستمرة ضد القوات الحكومية المالية المدعومة من عناصر مجموعة 'فاغنر' الروسية. وتسعى الجبهة من خلال عملياتها العسكرية إلى تثبيت واقع سياسي جديد يمهد لتأسيس دولة مستقلة في الإقليم الشمالي الذي عانى طويلاً من التهميش.

على الجانب الآخر، تبرز جماعة 'نصرة الإسلام والمسلمين' كأقوى التنظيمات المتشددة المرتبطة بتنظيم القاعدة في المنطقة. وقد تأسست هذه الجماعة في عام 2017 إثر اندماج فصائل كبرى شملت كتيبة المرابطون وإمارة الصحراء وكتائب ماسينا، لتشكل قوة ضاربة تتجاوز حدود مالي.

لا تقتصر طموحات جماعة نصرة الإسلام على إقليم جغرافي محدد، بل تهدف إلى فرض رؤيتها وتطبيق الشريعة في كافة الأراضي المالية. وتنشط هذه الجماعة في مساحات شاسعة من دول الساحل، مستغلة الفراغ الأمني والحدود الهشة لتنفيذ عملياتها العسكرية واللوجستية.

تشير التقارير الميدانية إلى وجود نوع من التنسيق التكتيكي بين بعض فصائل الأزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مواجهة الجيش المالي. ورغم هذا التعاون الميداني في بعض العمليات، إلا أن الخبراء يؤكدون أنه يبقى تنسيقاً ظرفياً تفرضه الضرورة العسكرية دون اندماج إستراتيجي.

يعود السبب في هشاشة هذا التحالف إلى الاختلاف الجذري في الأهداف النهائية؛ فبينما تسعى جبهة أزواد لمشروع وطني انفصالي، تتبنى الجماعات المتشددة فكراً عابراً للحدود. هذا التباين يجعل العلاقة بين الطرفين عرضة للانهيار بمجرد تغير الظروف الميدانية أو السياسية.

إلى جانب الصراع المسلح، تبرز القوى السياسية المعارضة كلاعب مهم في المشهد المالي، حيث ينشط جزء كبير منها في الخارج. وتضم هذه المعارضة شخصيات مدنية ودينية تطالب بضرورة إنهاء الحكم العسكري والعودة السريعة إلى المسار الديمقراطي والنظام المدني.

تتمسك هذه القوى بضرورة إعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة دستور جديد يضمن التداول السلمي على السلطة. وترى المعارضة أن الحل العسكري وحده لن ينهي أزمات مالي المتراكمة، بل قد يزيد من تعقيد النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد.

في ظل هذا الضغط، خرج رئيس المجلس العسكري أسيمي غويتا بتصريحات أكد فيها أن الوضع الأمني تحت السيطرة الكاملة. وجاءت هذه التصريحات بعد هجمات عنيفة وغير مسبوقة استهدفت مواقع إستراتيجية وحساسة تابعة للسلطة الحاكمة في العاصمة ومناطق أخرى.

أقر غويتا في الوقت ذاته بخطورة الموقف الحالي، داعياً المواطنين إلى التكاتف وعدم الانجرار وراء دعوات الانقسام. وتأتي هذه الدعوات في وقت تبدو فيه السلطة العسكرية في مواجهة تحديات وجودية مع تقدم مقاتلي جبهة أزواد وحلفائهم في المناطق الشمالية.

رياضة

الأربعاء 29 أبريل 2026 1:51 صباحًا - بتوقيت القدس

ثلاثة جواهر من البوندسليغا على رادار المنتخب المغربي قبل مونديال 2026

كثفت الإدارة الفنية للمنتخب المغربي تحركاتها في القارة الأوروبية، حيث أجرى المدير الفني محمد وهبي زيارة ميدانية إلى ألمانيا نهاية الأسبوع الماضي. وتهدف هذه الجولة إلى مراقبة مجموعة من المواهب الصاعدة في الدوري الألماني 'البوندسليغا' التي لفتت الأنظار مؤخراً، وذلك في إطار التحضيرات المستمرة لوضع اللمسات الأخيرة على القائمة التي ستخوض غمار المونديال الأمريكي.

وأفادت مصادر مطلعة بأن وهبي يرتكز في نهجه الفني على المعاينة المباشرة للاعبين من داخل الملعب، مفضلاً التواصل الشخصي مع المحترفين الشباب على الاكتفاء بمتابعة الشاشات أو التقارير الفنية. وتأتي هذه الخطوة لضمان اختيار العناصر الأكثر جاهزية وقدرة على تقديم الإضافة النوعية لكتيبة أسود الأطلس في المحفل العالمي المرتقب، خاصة مع تصاعد حدة المنافسة على حجز مقعد في التشكيلة الأساسية.

ويبرز اسم أيوب الميموني، موهبة نادي آينتراخت فرانكفورت، كأحد أهم الأهداف في مفكرة المدرب المغربي، بعد انفجار موهبته بشكل لافت منذ انتقاله من هوفنهايم في الميركاتو الشتوي الأخير. الميموني البالغ من العمر 21 عاماً، نجح في تسجيل هدفين وصناعة ثلاث تمريرات حاسمة خلال 14 مشاركة له مع فريقه الجديد، مما جعله محط أنظار المتابعين كواحد من أفضل الأجنحة الواعدة في الساحة الألمانية حالياً.

وفي سياق متصل، تسلط الأضواء على وائل موحيا، لاعب بوروسيا مونشنغلادباخ، الذي دخل التاريخ كأحد أصغر الهدافين في البوندسليغا بعمر 17 عاماً و65 يوماً فقط. موحيا الذي سجل هدفاً مميزاً في شباك بايرن ميونخ، يمثل خياراً استراتيجياً للمستقبل، رغم وجود منافسة مع الفئات العمرية للمنتخب الألماني، وهو ما يدفع المسؤولين في المغرب لتسريع وتيرة التواصل معه لإقناعه بتمثيل بلده الأصلي.

كما شملت قائمة المتابعة يونس بن طالب، لاعب فرانكفورت الآخر، الذي يسعى لاستعادة مكانته في حسابات الجهاز الفني بعد استبعاده من القائمة الأخيرة التي واجهت الإكوادور وباراغواي ودياً. ويطمح بن طالب إلى استغلال مستوياته الثابتة في الدوري الألماني لإثبات أحقيته بالتواجد في القائمة النهائية للمونديال، معتمداً على قدراته الفنية التي نالت استحسان الأطقم التقنية في وقت سابق.

وتواجه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تحديات في ملفات أخرى، من بينها ملف اللاعب أيوب بوعدي الذي لا يزال يدرس خياراته الدولية بين المغرب وفرنسا. وتسعى الإدارة التقنية لحسم هذه الملفات الإدارية والرياضية في وقت مبكر، لضمان استقرار المجموعة وتوفير كافة الخيارات المتاحة أمام المدرب قبل انطلاق المعسكرات التدريبية الحاسمة التي تسبق التوجه إلى الولايات المتحدة.

عربي ودولي

الأربعاء 29 أبريل 2026 1:51 صباحًا - بتوقيت القدس

جيش الاحتلال يزعم تدمير 'مدن لجوء' استراتيجية لحزب الله جنوب لبنان

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن كشف ما وصفها بـ 'مدن لجوء' تابعة لعناصر حزب الله في منطقة القنطرة بجنوب لبنان، وذلك عقب عملية عسكرية واسعة نفذتها قوات الفرقة 36. وادعت تقارير عبرية أن هذه المنشآت التحت أرضية كانت تمثل الركيزة الأساسية لخطط الحزب الهجومية تجاه مستوطنات الشمال.

ووفقاً للمعلومات التي أوردتها مصادر صحفية، فإن النفقين المكتشفين يعدان من أكبر الأنفاق التي عثر عليها الجيش الإسرائيلي في المنطقة الحدودية حتى الآن. وقد حُفرت هذه الممرات على عمق يصل إلى 25 متراً داخل الصخور الصلبة، مما جعل عملية اكتشافها وتدميرها تحدياً هندسياً كبيراً.

وأطلقت قوات الاحتلال اسم 'أراد' على النفق الغربي الذي يمتد بطول 1.2 كيلومتر، بينما أطلقت اسم 'عكا' على النفق الشرقي الذي يبلغ طوله نحو كيلومتر واحد. وتزعم المصادر العسكرية أن هذه الأنفاق كانت قادرة على استيعاب آلاف المقاتلين وتجهيزهم لعمليات اقتحام برية واسعة النطاق.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن الهدف الاستراتيجي من هذه الأنفاق كان السيطرة على كيبوتسات مسغاف عام، ومنارة، ويفتاش، بالإضافة إلى مستوطنة مرغاليوت في الجليل الأعلى. وتدعي المصادر أن التخطيط لهذه المنشآت تم بمعايير إيرانية وبتمويل مباشر من طهران على مدار العقد الماضي.

وقادت قوات من اللواء السابع ووحدة 'ياهلام' المتخصصة في الهندسة القتالية العمليات الميدانية لتحديد مواقع هذه الأنفاق وتدميرها. وجاءت هذه التحركات بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة، في منطقة تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن خط الحدود الفاصل.

وأوضحت مصادر عسكرية أن هذه الشبكة لم يتم التعامل معها خلال المراحل الأولى من عملية 'السهام الشمالية' بسبب تركيز القوات حينها على مناطق رب الطلثين وميس الجبل. ومع توسع العمليات العسكرية، وصلت القوات إلى منطقة القنطرة والطيبة لتكشف عن هذه البنية التحتية الضخمة.

وشهدت المنطقة اشتباكات عنيفة بين قوات الاحتلال ومقاتلين من حزب الله كانوا يتواجدون في محيط الأنفاق وعلى مستويات قتالية مختلفة. وأفادت المصادر بوقوع مواجهات من مسافات قريبة، بالإضافة إلى تعرض القوات المتقدمة لقصف كثيف بالصواريخ المضادة للدبابات والطائرات المسيرة.

ونقلت تقارير عن ضباط شاركوا في العملية وصفهم للقتال في منطقة القنطرة بأنه من أصعب المعارك التي خاضوها منذ بداية التصعيد. وأشاروا إلى أن الدمج بين القتال المباشر في الميدان والتعامل مع التهديدات التحت أرضية فرض ضغوطاً كبيرة على الوحدات المقاتلة.

وعثرت قوات الاحتلال داخل الأنفاق وعلى مداخلها على ترسانة عسكرية شملت منصات لإطلاق الصواريخ ومدافع رشاشة كانت موجهة مباشرة نحو تجمعات الجليل. كما تم العثور على غرف مجهزة للإقامة الطويلة تحتوي على أسرّة وخزانات مياه ومعدات لوجستية متكاملة.

ووصف قادة في وحدة 'ياهلام' الأنفاق بأنها تشبه 'المتاحف' من حيث دقة البناء وتوفر أنظمة التهوية والصرف الصحي والكهرباء المتطورة. وأكدوا أن حزب الله استثمر جهوداً جبارة في بناء هذه 'المدن' لتكون نقطة انطلاق آمنة ومخفية لمقاتليه بعيداً عن الرصد الجوي.

واضطر جيش الاحتلال لاستخدام مئات الأطنان من المواد المتفجرة لتدمير هذه التجاويف العميقة، نظراً لصلابة التكوينات الصخرية التي حُفرت فيها. وأكدت المصادر أن عملية التدمير تطلبت دخول الفرق الهندسية إلى عمق الأنفاق لضمان انهيارها بالكامل وعدم صلاحيتها للاستخدام مجدداً.

وتعتبر الدوائر العسكرية الإسرائيلية أن تدمير نفقين بهذا الحجم يمثل ضربة استراتيجية لقدرات حزب الله في القطاع الأوسط من جنوب لبنان. وتزعم أن سرعة الوصول إلى هذه المواقع حالت دون تمكن المقاتلين من التحصن داخلها بشكل فعال أو تنفيذ هجمات مضادة واسعة.

في نهاية العملية، أعلن الجيش الإسرائيلي عن أسر عدد من المقاتلين الذين حاولوا الفرار من المواقع التحت أرضية، بينما تم القضاء على آخرين خلال الاشتباكات. وتستمر القوات في عمليات المسح والتمشيط في المناطق المجاورة بحثاً عن أي تفرعات أخرى قد تكون مرتبطة بهذه الشبكة.

عربي ودولي

الأربعاء 29 أبريل 2026 12:50 صباحًا - بتوقيت القدس

اعترافات صادمة لطياري النظام السوري السابق: الأوامر صدرت مباشرة من الأسد

بثت وزارة الداخلية السورية مقطعاً مصوراً يوثق جانباً من التحقيقات الجارية مع ثلاثة طيارين من أركان النظام السابق، والذين تورطوا في عمليات قصف واسعة استهدفت المدنيين خلال السنوات الماضية. وتصدر المشهد اللواء ميزر صوان، الذي واجهه المحقق بلقب 'عدو الغوطتين'، نظراً لدوره المحوري في العمليات الجوية التي استهدفت ريف دمشق.

وأدلى صوان باعترافات مثيرة أكد فيها أن أوامر العمليات العسكرية والقصف الجوي كانت تصدر بشكل مباشر من رئيس النظام السابق بشار الأسد. وأوضح أن هذه التعليمات كانت تصل إلى القواعد الجوية عبر أجهزة 'الفاكس'، متضمنة تفاصيل دقيقة حول الإحداثيات المطلوبة وعدد الطلعات الجوية المقررة لكل مطار.

وتطرقت التحقيقات إلى المجازر الكبرى التي شهدتها سوريا، وفي مقدمتها هجوم الأسلحة الكيميائية على الغوطتين الشرقية والغربية في أغسطس 2013. وذكرت المصادر أن ذلك الهجوم تسبب في استشهاد أكثر من 1400 مدني، غالبيتهم من النساء والأطفال، فضلاً عن إصابة الآلاف بحالات اختناق حادة.

ووصف الطيار ميزر صوان آلية العمل داخل المطارات العسكرية، مشيراً إلى أن بعض الطيارين كانوا يتمتعون بامتيازات خاصة لدى القيادة لقاء تنفيذهم مهاماً 'مميزة'. وأكد أن القصف في مناطق درعا والغوطة كان يتم بكثافة عالية منذ مطلع عام 2013، مما أدى إلى تدمير أحياء كاملة وتهجير سكانها.

وفيما يخص الدوافع وراء تنفيذ هذه الهجمات الدامية، برر صوان استمراره في الخدمة بالخوف من التصفية الجسدية. وقال خلال الاستجواب إنه لم يكن يملك خيار الرفض، حيث كان التهديد بالإعدام يلاحق أي ضابط يمتنع عن تنفيذ الأوامر، بل وكان الخطر يمتد ليشمل عائلاتهم أيضاً.

من جانبه، كشف الطيار رامي سليمان عن تفاصيل إحدى المهمات التي نفذها فوق مدينة دوما بريف دمشق، حيث تلقى أوامر بإلقاء قنبلتين فراغيتين. وأشار سليمان إلى أنه لم يكن يعلم على وجه الدقة محتوى تلك القنابل، مرجحاً أنها كانت تحتوي على مواد كيميائية سامة نظراً للنتائج التي تلت الضربة.

وأوضح سليمان أنه حلق بطائرته على ارتفاع منخفض جداً لا يتجاوز 50 متراً فوق مناطق الغوطة لضمان إصابة الهدف بدقة. وأضاف أن طائرات مسيرة كانت ترافق العملية لتوثيق وتصوير لحظات الانفجار، وهو ما أكدته وسائل الإعلام في اليوم التالي بوقوع هجوم كيميائي في المنطقة.

وتحدث الطيارون المستجوبون عن نظام المكافآت الذي كان يتبعه النظام السابق لضمان ولاء الطيارين المنفذين للمجازر. وأكد كل من سليمان وعبد الكريم عليا أن مبالغ مالية وهدايا عينية كانت توزع على الطيارين عقب عودتهم من الطلعات الجوية التي تخلف دماراً واسعاً في المناطق السكنية.

وأشارت التحقيقات إلى أن الطيارين كانوا ينفذون مهامهم بشكل عشوائي في كثير من الأحيان دون معرفة طبيعة الأهداف الأرضية. وكان التركيز الأساسي ينصب على تنفيذ الإحداثيات الواردة في البرقيات العسكرية، بغض النظر عن وجود مدنيين أو منشآت حيوية في تلك المواقع المستهدفة.

تأتي هذه الاعترافات في وقت تسعى فيه السلطات الحالية إلى توثيق جرائم الحقبة السابقة ومحاسبة المتورطين في استخدام الأسلحة المحرمة دولياً. وتعتبر شهادات هؤلاء الطيارين دليلاً دامغاً على تورط القيادة العليا للنظام السابق في إصدار أوامر مباشرة لارتكاب جرائم حرب ضد الشعب السوري.

اسرائيليات

الأربعاء 29 أبريل 2026 12:50 صباحًا - بتوقيت القدس

احتجاجات عنيفة للحريديم وسط فلسطين المحتلة رفضاً للتجنيد الإجباري

شهدت مستوطنة 'بني براك' الواقعة وسط فلسطين المحتلة حالة من الغليان الشعبي مساء الثلاثاء، حيث خرج مئات المستوطنين من طائفة 'الحريديم' في تظاهرات حاشدة. وأقدم المحتجون على إغلاق الطريق السريع رقم (4)، وهو أحد الشرايين الحيوية في المنطقة، تعبيراً عن غضبهم من السياسات الحكومية الرامية لفرض التجنيد الإجباري عليهم.

وأفادت مصادر ميدانية بأن التظاهرة اتسمت بحدة الشعارات المرفوعة، حيث ردد المشاركون هتافات ترفض الانصياع لأوامر الجيش، كما قام بعضهم بحرق علم كيان الاحتلال في إشارة واضحة إلى عدم اعترافهم بشرعية القوانين العلمانية التي تحاول إجبارهم على ترك مدارسهم الدينية والانخراط في الخدمة العسكرية.

يأتي هذا التصعيد الميداني في أعقاب قرار قيادة جيش الاحتلال باستئناف ملاحقة واعتقال الشبان المتهربين من الخدمة العسكرية، بعد فترة من التجميد المؤقت لهذه الإجراءات فرضتها الظروف الأمنية خلال المواجهة مع إيران. ويبدو أن المؤسسة العسكرية قررت العودة للضغط على المجتمع المتدين لسد العجز الكبير في صفوف قواتها.

من جانبها، تدخلت شرطة الاحتلال بقوة لفض الاعتصام وفتح الطريق أمام حركة المرور، معتبرة أن التجمع لم يحصل على التصاريح اللازمة وهو غير قانوني. ونفذت القوات الأمنية سلسلة من الاعتقالات في صفوف المتظاهرين الذين رفضوا إخلاء المنطقة، مما أدى إلى وقوع مناوشات وتدافع بين الطرفين في شوارع المستوطنة.

وتتزامن هذه الاضطرابات مع تحذيرات أمنية رفيعة المستوى أطلقها رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، الذي أشار إلى خطر حقيقي يهدد تماسك الجيش من الداخل. وأوضح زامير أن النقص الحاد في العنصر البشري بات يمثل أزمة استراتيجية، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية على جبهات متعددة وحاجة الجيش لتعزيز صفوفه.

ويرى مراقبون أن رفض 'الحريديم' للتجنيد، وهم الذين يشكلون نسبة 13% من المجتمع، يضع عبئاً ثقيلاً على كاهل الجنود النظاميين وقوات الاحتياط. وتؤكد التقارير أن استمرار هذا الشرخ الاجتماعي يهدد الكفاءة العملياتية للوحدات القتالية التي تعاني أصلاً من استنزاف طويل الأمد جراء الحرب المستعرة.

وفي المقابل، يصر قادة المجتمع الحريدي على أن دراسة التوراة هي الحصن الحقيقي الذي يحمي وجودهم، معتبرين أن الاندماج في بيئة عسكرية علمانية يمثل تهديداً وجودياً لهويتهم الدينية. ويؤكد هؤلاء أنهم سيفضلون السجون على ارتداء البذلة العسكرية، مما ينذر بمزيد من المواجهات السياسية والقانونية داخل الكيان في المرحلة المقبلة.

فلسطين

الأربعاء 29 أبريل 2026 12:20 صباحًا - بتوقيت القدس

بموجب قانون 'المقاتل غير الشرعي'.. الاحتلال يمدد اعتقال الطبيب حسام أبو صفية

أصدرت محكمة 'بئر السبع' المركزية التابعة للاحتلال قراراً يقضي بتمديد اعتقال الدكتور حسام أبو صفية، استشاري طب الأطفال البارز في قطاع غزة، وذلك استناداً إلى ما يسمى قانون 'المقاتل غير الشرعي'. ويأتي هذا الإجراء التعسفي لاستمرار احتجاز الطبيب داخل سجن 'النقب' الصحراوي دون توجيه أي لائحة اتهام رسمية بحقه، في خطوة تعكس إصرار السلطات الإسرائيلية على تغييب الكوادر الطبية الفلسطينية.

وأفادت مصادر حقوقية بأن المحكمة رفضت بشكل قاطع الالتماس الذي تقدم به فريق الدفاع للمطالبة بالإفراج الفوري عن أبو صفية، رغم تقديم أدلة تؤكد تدهور حالته الصحية بشكل ملحوظ داخل المعتقل. وأوضحت المصادر أن الاحتلال يتجاهل كافة المناشدات الإنسانية التي تؤكد أن نشاط الطبيب كان مهنياً طبياً صرفاً، ويهدف لخدمة الجرحى والأطفال في ظل العدوان المستمر على القطاع.

من جهتها، كشفت منظمة 'أطباء من أجل حقوق الإنسان' أن قرار التمديد الأخير جاء 'مفتوحاً وغير محدد المدة'، وهو ما يضاعف من معاناة الطبيب الذي سبق وجرى تمديد اعتقاله لمدة ستة أشهر في أكتوبر الماضي. وأشارت المنظمة إلى أن أبو صفية يواجه ظروفاً اعتقالية بالغة القسوة، حيث يُحرم من الحصول على أدويته الضرورية، مما يشكل خطراً حقيقياً على حياته في ظل انعدام الرعاية الطبية داخل السجون.

وتعود تفاصيل اعتقال الدكتور أبو صفية إلى السابع والعشرين من ديسمبر عام 2024، حينما أقدمت قوات الاحتلال على اقتحام مستشفى 'كمال عدوان' شمال قطاع غزة وتدمير أجزاء واسعة منه. وقد جرى اقتياد الطبيب من داخل المنشأة الصحية أثناء قيامه بواجبه المهني، رغم المأساة الشخصية التي ألمت به بفقدان نجله في غارة جوية إسرائيلية سبقت عملية اعتقاله بمدة قصيرة.

وتواجه سلطات الاحتلال انتقادات دولية واسعة بسبب استخدامها لقانون 'المقاتل غير الشرعي' كغطاء للاحتجاز المفتوح للفلسطينيين دون محاكمة عادلة. وتطالب المؤسسات الحقوقية بضرورة التدخل العاجل لتأمين إطلاق سراح الكوادر الطبية، معتبرة أن استهداف الأطباء يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان تهدف إلى تقويض المنظومة الصحية المتهالكة أصلاً في غزة.