تمر ذكرى تأسيس حركة النهضة التونسية هذا العام في ظروف استثنائية تعيد إلى الأذهان عقود الملاحقات والسجون التي سبقت الثورة. فمنذ تأسيسها في الخامس من يونيو عام 1981، نادراً ما احتفلت الحركة بوجودها في مناخ سياسي طبيعي، حيث يجد قادتها وكوادرها أنفسهم اليوم مجدداً في مواجهة تضييقات واسعة دفعت بالعديد منهم نحو السجون أو المنافي.
ويرى مراقبون أن الحركة تعيش حالة من التكرار التاريخي تشبه أسطورة سيزيف، فكلما اقتربت من الاستقرار السياسي، تعود لتواجه انتكاسات تعيدها إلى المربع الأول. هذه الدائرية أثارت حالة من القلق في صفوف أنصارها الذين اعتقدوا أن الوصول إلى السلطة بعد الثورة سيوفر حصانة دائمة لمشروعهم السياسي.
لقد جاءت التحولات السياسية المتسارعة لتسحب من الحركة أسباب المنعة التي توهمت امتلاكها، مما جعلها تواجه واقعاً جديداً يتسم بالتيه وفقدان البوصلة. وما يخفف من وطأة هذه النكسة لدى أنصار الحركة هو شمولية الإجراءات الراهنة التي لم تستهدف الإسلاميين وحدهم، بل امتدت لتشمل طيفاً واسعاً من القوى السياسية والمدنية في تونس.
وتشير القراءات السياسية إلى أن الصدام الحالي لا يقتصر على كونه صراعاً بين النهضة ورئاسة الجمهورية، بل هو أزمة تطال مسار الانتقال الديمقراطي برمته. ورغم هذا التوصيف، لا يمكن إعفاء الحركة من مسؤوليتها السياسية عما آلت إليه الأوضاع، خاصة في ظل الفجوة التي تعمقت مع الرأي العام قبل سنوات من التحولات الأخيرة.
الأرقام الانتخابية تعكس هذا التراجع بوضوح، حيث خسرت الحركة أكثر من نصف مليون ناخب في انتخابات 2014 مقارنة ببدايات الثورة. هذا النزيف الشعبي كان مؤشراً مبكراً على تآكل الثقة في قدرة الحركة على إدارة شؤون الدولة وتلبية تطلعات الشارع التونسي الذي بدأ يتململ من أداء منظومة الحكم.
ساهمت الضغوط التي مارستها المنظمات الوطنية الكبرى، مثل اتحاد الشغل واتحاد الصناعة، في تعميق أزمة الحركة من خلال التشكيك المستمر في كفاءتها الإدارية. هذا التقاطع في المصالح بين الخصوم الأيديولوجيين والفاعلين الاجتماعيين خلق بيئة معادية أدت في نهاية المطاف إلى إضعاف بنية الحركة وتراجع شعبيتها بشكل تدريجي.
في أعقاب أحداث عام 2021، أقرت النهضة في بيانات رسمية بضرورة إجراء تقييم جدي وموضوعي لمسيرتها السياسية. وأبدت الحركة استعداداً نظرياً لمراجعات عميقة تهدف إلى تجديد الرؤى والبرامج وفتح المجال أمام القيادات الشبابية، إلا أن ترجمة هذه الوعود على أرض الواقع ظلت تواجه عقبات كبيرة.
المعركة الراهنة ليست بين النهضة والنظام فحسب، بل هي صراع يمس جوهر الانتقال الديمقراطي في تونس.
على الصعيد الأمني والقضائي، برزت شهادات هامة تبرئ الحركة من تهم الإرهاب التي طالما لاحقتها من قبل خصومها السياسيين. فقد أفادت مصادر أمنية رفيعة، من بينها المدير العام السابق للأمن الوطني، بعدم ثبوت أي علاقة تنظيمية بين النهضة وتنظيمات متطرفة مثل 'أنصار الشريعة' خلال فترة حكمها.
عززت الأحكام القضائية الصادرة في ملفات كبرى، مثل قضية اغتيال المعارض شكري بلعيد، هذه الرواية بعدم إثبات تورط مباشر للجهاز الحزبي في تلك العمليات. ومع ذلك، يرى محللون أن الاكتفاء بالدفاع عن البراءة القانونية لم يعد كافياً لاستعادة المكانة السياسية المفقودة في ظل المتغيرات الراهنة.
المطلوب من النهضة اليوم هو صياغة خطاب سياسي جديد يقطع مع الأنماط التقليدية التي استهلكت رصيدها التاريخي. إن الحاجة باتت ملحة لعقول قادرة على ابتكار خطط تتجاوز المآزق النظرية والعملية التي أوقعت الحركة نفسها فيها، مما تسبب في إدخال البلاد في دوامات سياسية كان يمكن تجنبها.
إن إنتاج جيل قيادي جديد، منفتح على مشاغل التونسيين الحقيقية وبعيد عن الحسابات الأيديولوجية الضيقة، يمثل طوق النجاة الوحيد للحركة. فالتونسيون يبحثون عن حلول للأزمات المعيشية والاقتصادية، ولا يجدون اهتماماً كبيراً في الصراعات الهوياتية التي استنزفت طاقة الطبقة السياسية لسنوات طويلة.
يجب أن تبدأ الحركة فوراً في ممارسة نقد ذاتي علني وشفاف، لا يكتفي بتشخيص الأخطاء بل يقدم بدائل واقعية قابلة للتنفيذ. هذا المسار يتطلب شجاعة سياسية للاعتراف بالإخفاقات في إدارة التحالفات وفي التعاطي مع مؤسسات الدولة خلال العشرية الماضية.
إذا لم تنجح النهضة في تحويل ذكرى تأسيسها إلى منطلق للتغيير الجذري، فإنها ستبقى مهددة بالاندثار التدريجي أو الدوران في حلقة مفرغة. فالاستمرار في العيش على شرعية المظلومية التاريخية لم يعد يجدي نفعاً في بيئة سياسية تتسم بالبراغماتية الشديدة والتحولات العاصفة.
ختاماً، تظل قدرة الحركة على البقاء رهينة بمدى قدرتها على التكيف مع الواقع التونسي الجديد والاندماج في تطلعات الشباب. إن صياغة خطة بديلة تضع مصلحة البلاد فوق المصالح الحزبية الضيقة هي الاختبار الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كانت النهضة ستستمر كفاعل سياسي أم ستتحول إلى جزء من التاريخ.





وذكرت مصادر في أم صفا أن قوة من الجيش الإسرائيلي وحرس الحدود حضرت إلى القرية عقب الاعتداء، وطلبت تسجيلات كاميرات المراقبة في المنطقة. واتهمت المصادر الجيش بمحاولة الاستيلاء على التسجيلات قبل وصول الشرطة الإسرائيلية، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى طمس الأدلة المتعلقة بالهجوم.