فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 3:32 مساءً - بتوقيت القدس

تحت وطأة التهديدات الأمريكية.. فلسطين تتراجع عن ترشحها لنيابة رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة

قررت البعثة الدبلوماسية الفلسطينية لدى الأمم المتحدة التراجع عن ترشيح المندوب الدائم، رياض منصور، لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للمنظمة الدولية في دورتها المقبلة. وجاءت هذه الخطوة المفاجئة استجابة لضغوط صارمة مارستها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب، والتي لوحت باتخاذ إجراءات عقابية ضد الدبلوماسيين الفلسطينيين في نيويورك. وأفادت مصادر بأن التهديدات شملت بشكل مباشر إمكانية إلغاء تأشيرات الدخول الخاصة بأعضاء البعثة، مما قد يعيق قدرتهم على ممارسة مهامهم الدبلوماسية داخل مقر المنظمة الدولية.

من جانبها، أكدت لانيس كولينز، المتحدثة الرسمية باسم رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أن المنظمة تلقت إخطاراً رسمياً يفيد بسحب ترشيح دولة فلسطين للمنصب المذكور. وأوضحت كولينز في بيان صحفي أن دولة لبنان تقدمت رسمياً بطلب ترشيحها لشغل مقعد نائب الرئيس المخصص للمجموعة الجغرافية المعنية، وذلك خلال الدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة. ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه العلاقات الدبلوماسية الفلسطينية-الأمريكية توتراً متصاعداً حيال التمثيل الفلسطيني في المحافل الدولية.

وفيما يتعلق بآلية اختيار نواب رئيس الجمعية العامة، أشارت الناطقة الرسمية إلى أن الهيكلية المتبعة تعتمد بشكل أساسي على مبدأ التوزيع الجغرافي العادل بين المناطق المختلفة. وتتألف هيئة نواب الرئيس من 21 عضواً، يتم اختيار 16 منهم بناءً على ترشيحات المجموعات الإقليمية الدولية، بينما يشغل المقاعد الخمسة المتبقية رؤساء اللجان الرئيسية الدائمة في الجمعية العامة بشكل تلقائي. وتعتبر هذه المناصب حيوية في إدارة أجلسات الجمعية وتحديد أولويات الأجندة الدولية السنوية.

ويرى مراقبون أن رضوخ البعثة الفلسطينية لهذه الضغوط يعكس حجم التحديات التي تواجهها الدبلوماسية الفلسطينية في ظل الإدارة الأمريكية الحالية. وتعد هذه الحادثة مؤشراً على استخدام واشنطن لسلاح التأشيرات والقيود اللوجستية كأداة للضغط السياسي داخل أروقة الأمم المتحدة. ورغم سحب الترشيح، تواصل البعثة الفلسطينية مساعيها لتعزيز مكانة فلسطين كدولة مراقب، وسط دعوات دولية لضرورة حماية العمل الدبلوماسي من الضغوطات السياسية المباشرة التي تمس سيادة المنظمات الدولية.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 3:02 مساءً - بتوقيت القدس

شهيد في رفح وتفاقم الأزمة الإنسانية جراء تقييد المعابر في غزة

استشهد مواطن فلسطيني، اليوم الجمعة، إثر هجوم نفذته طائرة مسيرة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في مدينة رفح جنوب قطاع غزة. وتأتي هذه الحادثة في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر لعام 2025.

وأكدت مصادر طبية وصول جثمان الشهيد رأفت عادل بريكة، البالغ من العمر 42 عاماً، إلى المستشفى بعد استهدافه بشكل مباشر في المنطقة الغربية لمدينة رفح. وأوضح شهود عيان أن طائرة مسيرة من طراز 'كواد كابتر' أطلقت قنبلة صوب راعي أغنام في منطقة الشاكوش، مما أدى لارتقائه على الفور.

وفي مدينة غزة، أصيب مواطن بجروح متفاوتة جراء غارة جوية استهدفت مركبة تابعة لعناصر الشرطة بالقرب من دوار الصفطاوي. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي مكثف طال المناطق الشرقية لمدينة خان يونس، مما أثار حالة من الذعر بين المواطنين الذين يحاولون العودة لحياتهم الطبيعية.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى أن عدد الشهداء منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار قد ارتفع إلى 883 شهيداً. كما بلغت حصيلة الإصابات خلال الفترة ذاتها نحو 2648 جريحاً، مما يعكس هشاشة الالتزام الإسرائيلي بالتهدئة المعلنة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية بعد حرب إبادة دموية استمرت لعامين كاملين، خلفت دماراً هائلاً طال نحو 90% من البنية التحتية في القطاع. وقد أسفرت تلك الحرب عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 172 ألفاً آخرين في حصيلة غير مسبوقة.

على الصعيد الإنساني، كشف تقرير أسبوعي صادر عن حركة المعابر والمنافذ التجارية عن تدهور خطير في حركة تنقل الأفراد والبضائع. وأوضح التقرير أن القيود الإسرائيلية المشددة لا تزال تحول دون دخول الاحتياجات الأساسية للسكان المحاصرين في سجن كبير.

ووفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي، لم يتمكن سوى 403 مسافرين من عبور معبر رفح خلال أسبوع واحد، وهي نسبة ضئيلة جداً. وتمثل هذه الأعداد نحو 28% فقط من إجمالي الحالات التي كان من المفترض السماح لها بالسفر، والبالغ عددها 1400 حالة.

وأشار التقرير إلى أن الاحتلال يتبع سياسة ممنهجة لتقييد حرية الحركة، حيث لا يزال أكثر من 18 ألف مريض وجريح بانتظار الإجلاء الطبي. ومنذ إعادة فتح معبر رفح بشكل محدود في فبراير الماضي، لم يتمكن سوى 700 مريض فقط من المغادرة لتلقي العلاج.

أما فيما يخص حركة الشاحنات، فقد دخلت 1287 شاحنة فقط إلى القطاع من أصل 4200 شاحنة كان من المقرر دخولها وفقاً للجداول الزمنية. وتعادل هذه الكمية نحو 30% من الاحتياجات الفعلية، مما يفاقم العجز في المواد الغذائية والطبية والوقود.

وتوزعت الشاحنات التي سمح بدخولها بين 559 شاحنة تجارية و693 شاحنة مساعدات إنسانية، بالإضافة إلى كميات محدودة من الوقود. وشملت إمدادات الطاقة 7 شاحنات فقط من الغاز التجاري و28 شاحنة من السولار المخصص للمؤسسات الحيوية.

وشددت مصادر مسؤولة على أن تقليص إمدادات الوقود والشاحنات يمثل خرقاً صريحاً لبنود اتفاق وقف إطلاق النار. وينص الاتفاق بوضوح على ضرورة إدخال 600 شاحنة بضائع ومساعدات يومياً، إلى جانب 50 شاحنة وقود لتشغيل المرافق الأساسية.

وتظهر الإحصائيات التراكمية أن إسرائيل سمحت بدخول 37% فقط من الشاحنات المقررة منذ بدء الاتفاق وحتى منتصف أبريل الماضي. ويستمر هذا الحصار في ظل ظروف معيشية مأساوية، حيث يفتقر السكان لأدنى مقومات الحياة من غذاء ودواء ومواد إيواء.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 3:02 مساءً - بتوقيت القدس

الرئاسة الفلسطينية تندد بـ'قرصنة' الاحتلال ضد أسطول الصمود وتطالب بمحاسبة بن غفير

أصدرت الرئاسة الفلسطينية بياناً شديد اللهجة أدانت فيه الجريمة التي ارتكبها وزير الأمن القومي للاحتلال، إيتمار بن غفير، عقب اعتراض واحتجاز سفن 'أسطول الصمود العالمي' في عرض البحر الأبيض المتوسط. وأكدت الرئاسة أن هذا الاعتداء الذي وقع في المياه الدولية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، حيث كان الناشطون في مهمة إنسانية سلمية تهدف لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة وإيصال المساعدات الإغاثية للسكان المحاصرين.

وأعربت السلطة الفلسطينية عن استيائها العميق من المشاهد الاستفزازية التي نشرها بن غفير خلال زيارته لميناء أسدود، والتي أظهرت المتضامنين العرب والدوليين مكبلي الأيدي ومطروحين على الأرض في وضع مهين. وأشارت المصادر إلى أن سلطات الاحتلال مارست ضغوطاً نفسية على المحتجزين شملت إجبارهم على الاستماع للنشيد الإسرائيلي، وهو ما يعكس العقلية العنصرية التي تدار بها الحكومة الحالية وتفاخرها بانتهاك حقوق الإنسان أمام المجتمع الدولي.

ميدانياً، تواصلت جرائم الاحتلال في قطاع غزة حيث استشهد المواطن رأفت عادل بريكة (42 عاماً) إثر استهدافه بقنبلة من مسيرة 'كواد كابتر' في منطقة الشاكوش غربي رفح. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي عنيف استهدف الأحياء الشرقية لمدينة خانيونس، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات نسف واسعة للمباني السكنية شمال شرق المدينة، مما يرفع حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ تشرين الأول الماضي إلى 883 شهيداً وآلاف الجرحى.

وفي سياق متصل، امتدت الاعتداءات لتشمل الأراضي اللبنانية حيث استشهد أربعة أشخاص في غارة استهدفت مركزاً للهيئة الصحية في بلدة حناويه، وسط تقديرات اقتصادية تشير إلى وصول خسائر العدوان في لبنان إلى نحو 20 مليار دولار. ودعت الرئاسة الفلسطينية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية للضغط على تل أبيب لرفع الحصار عن غزة ووقف حرب الإبادة التي خلفت دماراً طال 90% من البنية التحتية للقطاع.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 2:47 مساءً - بتوقيت القدس

توتر صامت خلف الكواليس: لماذا تخشى القاهرة من نفوذ أبو ظبي الصاعد؟

سلط تقرير حديث لمجلة إيكونوميست الضوء على طبيعة العلاقة المتوترة بين القاهرة وأبو ظبي، مشيراً إلى أن على مصر أن تنظر بحذر إلى جارتها الخليجية الصاعدة. واستشهد التقرير بواقعة استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في السابع من مايو الماضي، حيث غابت المراسم الرسمية المعتادة في القصور الرئاسية، واستعيض عنها بلقاء في أحد مراكز التسوق لتناول الشاي مع الشيخ محمد بن زايد.

هذا السلوك البروتوكولي أثار استياءً واسعاً في الأوساط المصرية، حيث اعتبره مراقبون دليلاً على تراجع مكانة مصر الإقليمية التي طالما لُقبت بـ 'أم الدنيا'. وفي المقابل، يرى الجانب الإماراتي أن القاهرة لم تظهر الامتنان الكافي للدعم المالي الضخم الذي أنقذ الاقتصاد المصري من الانهيار الكامل خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة.

وتشعر النخبة المصرية بمرارة متزايدة جراء ما تصفه بـ 'تطويق' الإمارات لبلادهم عبر دعم حركات انفصالية وميليشيات في دول الجوار. كما يسود القلق من اضطرار الدولة المصرية لبيع أصول استراتيجية ومساحات شاسعة من الأراضي لمستثمرين خليجيين لسداد الديون المتراكمة، مما يمس السيادة الوطنية في نظر الكثيرين.

من جهتها، تنظر أبو ظبي إلى مصر كحليف 'ناكر للجميل'، حيث يرى المسؤولون هناك أنهم قدموا مليارات الدولارات لدعم استقرار النظام المصري لعقود. ومع ذلك، لم يلمس الإماراتيون موقفاً مصرياً حازماً تجاه التهديدات الإيرانية، بل إن القاهرة فضلت لغة الدبلوماسية وإرسال الوزراء للتفاوض بدلاً من الانخراط العسكري المباشر.

وتشير المصادر إلى وجود تململ في أروقة الحكم بأبو ظبي، حيث يلوح البعض بضرورة 'تلقين مصر درساً' على غرار ما حدث مع باكستان سابقاً. وكانت الإمارات قد طالبت إسلام آباد بسداد قروض بمليارات الدولارات وقامت بترحيل آلاف العمال، وهو سيناريو يخشى البعض تكراره مع الـ 400 ألف مصري المقيمين في الإمارات.

على الصعيد الجيوسياسي، تتسع فجوة الخلاف حول ملف السودان، حيث تتهم القاهرة أبو ظبي بدعم قوات الدعم السريع التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني. ورغم نفي الإمارات لاستمرار هذا الدعم، إلا أن مصر ترى في هذه التحركات تهديداً مباشراً لأمنها القومي على حدودها الجنوبية، وتخشى من تداعيات عدم الاستقرار هناك.

ولا يتوقف القلق المصري عند حدود السودان، بل يمتد ليشمل النفوذ الإماراتي في ليبيا ودعم الانفصاليين في أرض الصومال، وصولاً إلى فكرة دعم إدارة مستقلة في قطاع غزة. هذه الملفات مجتمعة تشعر صانع القرار في القاهرة بأن هناك محاولات لتقليص دور مصر التاريخي في المنطقة لصالح أجندات إقليمية جديدة.

أما الملف الأكثر حساسية فيتمثل في التقارب الإماراتي مع إثيوبيا، خاصة في ظل أزمة سد النهضة التي تهدد شريان الحياة الوحيد للمصريين. وترى مصادر مصرية أن الاستثمارات الإماراتية الضخمة في أديس أبابا شجعت حكومة آبي أحمد على التعنت في المفاوضات، مما وضع الأمن المائي المصري في خطر حقيقي.

وفي محاولة لترميم هذه التصدعات، سعى الرئيس السيسي لتقديم بوادر حسن نية عبر عرض إرسال طيارين مقاتلين لحماية الأجواء الإماراتية في حال نشوب صراع مع إيران. كما صدرت توجيهات لوسائل الإعلام المحلية بوقف أي انتقادات موجهة للدولة الخليجية، في محاولة لتهدئة الأجواء وضمان استمرار التدفقات المالية.

رغم هذه التوترات، يرجح المحللون أن الطرفين لن يسمحا بانهيار العلاقة بشكل كامل نظراً للمصالح الحيوية المشتركة. ومع ذلك، بدأت القاهرة في تنويع تحالفاتها عبر تعزيز الروابط مع قطر والسعودية وتركيا، في إشارة واضحة إلى أنها لا ترغب في وضع كل أوراقها في السلة الإماراتية التي لم تعد مضمونة كما كانت.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

السلام المؤجل: كيف تحوّل النظام السياسي الإسرائيلي إلى عائق بنيوي أمام التسوية مع الفلسطينيين؟

في الشرق الأوسط، لا تموت مشاريع السلام دائماً بسبب الحروب. أحياناً تموت بسبب الانتخابات.

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بدا المشهد الفلسطيني الإسرائيلي وكأنه يدور داخل حلقة مغلقة: مفاوضات تبدأ، صور مصافحة تُلتقط أمام العالم، وعود تُقال عن “شرق أوسط جديد”، ثم ينهار كل شيء فجأة، ويعود العنف والتشكيك وانعدام الثقة إلى الواجهة. وفي كل مرة كان السؤال نفسه يتكرر: لماذا يفشل السلام دائماً؟

الإجابة التقليدية كانت تبحث في النوايا: من رفض؟ من تنازل؟ من خان الاتفاق؟ لكن مع مرور الزمن بدأ سؤال أعمق يفرض نفسه بقوة أكبر: ماذا لو كانت المشكلة ليست فقط في الأشخاص أو النيات، بل في البنية السياسية نفسها؟ ماذا لو كان النظام السياسي الإسرائيلي، بتكوينه الداخلي، عاجزاً أصلاً عن إنتاج تسوية مستقرة وطويلة الأمد؟

إسرائيل لا تعتمد نموذج الحزبين الكبيرين كما في الولايات المتحدة، ولا النموذج البرلماني المستقر نسبياً كما في بريطانيا. بل تعتمد نظام التمثيل النسبي الكامل مع دائرة انتخابية واحدة وعتبة دخول منخفضة نسبياً. ظاهرياً يبدو هذا النظام ديمقراطياً وتمثيلياً إلى حد بعيد، لأنه يسمح بتمثيل واسع للتيارات المختلفة، لكنه عملياً أنتج مشهداً سياسياً متشظياً بصورة مزمنة.

في كل انتخابات تقريباً يدخل الكنيست أكثر من عشرة أحزاب، ما يجعل أي حكومة بحاجة إلى ائتلاف هش من قوى متناقضة أيديولوجياً. رئيس الوزراء لا يحكم فعلياً بقدر ما يدير توازناً دائماً بين شركاء قادرين على إسقاطه في أي لحظة. وهنا تظهر المفارقة الأخطر: الأحزاب الصغيرة الأكثر تشدداً تمتلك أحياناً قدرة تعطيل أكبر من حجمها الحقيقي.

حزب يمتلك ستة أو سبعة مقاعد فقط يمكنه تهديد الحكومة بالانهيار إذا شعر أن هناك تنازلاً للفلسطينيين. لذلك يتحول السلام نفسه إلى خطر سياسي داخلي. وكلما اقتربت أي حكومة إسرائيلية من تسوية حقيقية، اقتربت في الوقت ذاته من احتمال السقوط.

لهذا لم يكن فشل المفاوضات مجرد نتيجة لتعنت أيديولوجي أو سوء نوايا، بل نتيجة بنية سياسية كاملة تعاقب أي زعيم يحاول الذهاب بعيداً في التسوية.

ومع مرور السنوات، لم يقتصر أثر هذا الخلل البنيوي على تعطيل السلام فقط، بل بدأ يعكس نفسه داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته. فمن الغريب أن تعتمد دولة تواجه صراعات أمنية وجودية مستمرة نظاماً انتخابياً يجزّئ مجتمعها أكثر مما يوحّده، بدلاً من أن تنتج بنية سياسية تدفع نحو تكتلات كبرى مستقرة قادرة على بناء إجماع طويل الأمد حول شكل الدولة ومسارها الاستراتيجي.

وعلى المدى البعيد، لا يهدد هذا التفتت فقط فرص التسوية مع الفلسطينيين، بل يفتح الباب أمام صراعات داخلية أعمق حول طبيعة إسرائيل نفسها: هل هي دولة مدنية ليبرالية أم دولة دينية قومية؟ ما حدود العلاقة بين الدين والقانون؟ ومن يملك تعريف “هوية الدولة”؟

ومع تصاعد وزن التيارات الدينية والحريدية، بدأت تظهر مخاوف فكرية وسياسية من أن يتحول هذا الانقسام إلى أشكال أكثر جذرية من التمايز الداخلي، تصل إلى مطالبات بالحكم الذاتي الثقافي أو الإداري داخل الدولة نفسها، انطلاقاً من رؤى دينية مختلفة لطبيعة السلطة والقانون والمجتمع.

وتبدو هذه التصدعات أكثر وضوحاً عند العودة إلى تجربة أوسلو.

حين وُقّعت اتفاقية أوسلو عام 1993، بدا المشهد وكأنه لحظة تاريخية نادرة: قيادة فلسطينية تعترف بإسرائيل، وإسرائيل تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، والعالم يتحدث بثقة عن نهاية الصراع. لكن الاتفاق لم يدخل إلى دولة مستقرة تمتلك إجماعاً سياسياً واضحاً حول السلام، بل دخل إلى نظام سياسي سريع التقلب، قابل للانقلاب على ذاته مع كل انتخابات تقريباً.

إسحق رابين اكتشف ذلك مبكراً. اتفاق أوسلو لم يسقط فقط برصاص متطرف يهودي اغتال رابين، بل سقط أيضاً داخل مجتمع سياسي لم يكن قادراً على تحمّل التحول الذي بدأه.

اغتيال رابين لم يكن مجرد اغتيال رجل، بل اغتيال الفكرة التي مثّلها: أن المجتمع الإسرائيلي قد يقبل دفع الثمن السياسي والأيديولوجي للسلام. ومنذ تلك اللحظة، بدا وكأن أي زعيم إسرائيلي يفكر بتسوية تاريخية عليه أن يفاوض الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه يفاوض خوف مجتمعه، وانقسامات ائتلافه، واحتمال نهايته السياسية الشخصية.

وبعد اغتيال رابين، بدأت الحكومات الإسرائيلية تتغير بسرعة، وكل حكومة جديدة تعيد تفسير الاتفاق أو تبطئ تنفيذه أو تربطه بشروط أمنية إضافية، بينما كان الاستيطان يتمدد على الأرض بوتيرة مستمرة.

إيهود باراك دخل كامب ديفيد وهو يدرك أن أي تنازل كبير قد ينهي مستقبله السياسي. وإيهود أولمرت، رغم استعداده النسبي للتفاوض، كان يغرق في أزمات ائتلافية وتحقيقات داخلية جعلت أي اتفاق طويل الأمد شبه مستحيل.

وهنا بدأت المفارقة التاريخية الكبرى: هشاشة النظام السياسي الإسرائيلي لم تُضعف الثقة الفلسطينية بإسرائيل فقط، بل أضعفت أيضاً الفلسطينيين الذين راهنوا على خيار السلام نفسه.

فالفلسطيني العادي لم يرَ “سلاماً” بالمعنى الملموس؛ رأى انسحابات جزئية، وحواجز بقيت، واستيطاناً يتوسع، وجيشاً لا يزال يتحكم بالحياة اليومية. كان الفلسطينيون يوقعون الاتفاق، ثم يكتشفون أن الأرض السياسية التي يقفون عليها تتغير أسرع من الحبر على الورق.

ومع كل حكومة إسرائيلية جديدة كان الاتفاق يبدو أقل ثباتاً وأكثر هشاشة.

في هذا المناخ، بدأت الحركات الفلسطينية المناهضة لأوسلو تكبر وتكتسب شرعية أوسع. ولم يكن ذلك فقط بسبب خطابها العقائدي أو الأيديولوجي، بل لأن كثيرين شعروا أن إسرائيل لا تنفذ ما توقّعه فعلاً. وكلما تعطلت مرحلة من الاتفاق أو تبدلت حكومة إسرائيلية، كانت هذه الحركات تجد دليلاً إضافياً يدعم روايتها.

بمعنى آخر، تعثر النظام الإسرائيلي لم يضعف السلام فقط، بل ساهم بصورة غير مباشرة في تقوية القوى الفلسطينية التي عارضته منذ البداية.

ولو كان النظام السياسي الإسرائيلي أكثر استقراراً، بحكومات قادرة على الاستمرار لعقد كامل مثلاً، وتنفيذ التزامات طويلة الأمد، وإيقاف التوسع الاستيطاني ضمن رؤية واضحة، ربما كان المسار مختلفاً. فالمجتمعات لا تحكم على الاتفاقات بالنوايا، بل بالنتائج الملموسة. وربما عندها ما كانت الحركات الرافضة لأوسلو لتحصل على البيئة السياسية والنفسية التي سمحت لها بالنمو والتوسع.

لكن ما حدث كان العكس تماماً.

كل عملية عنف كانت تدفع الناخب الإسرائيلي أكثر نحو اليمين، وكل جمود سياسي كان يدفع الشارع الفلسطيني أكثر نحو القوى الرافضة للتسوية، حتى بدا الطرفان وكأنهما يدفعان بعضهما تدريجياً نحو الاستحالة.

الخوف الإسرائيلي من العنف قوّى اليمين الإسرائيلي، والجمود الإسرائيلي قوّى الحركات الفلسطينية المعارضة للتسوية، ثم استُخدمت قوة هذه الحركات داخل إسرائيل لتبرير مزيد من التشدد. وهكذا دخل الصراع في دائرة مغلقة ينتج فيها كل طرف الظروف التي تزيد خوف الطرف الآخر وتدفعه نحو مزيد من التطرف.

الفلسطينيون، من جهتهم، وجدوا أنفسهم أمام معضلة عبثية: مع من يجب التفاوض إذا كانت الحكومة قد تتغير بعد أشهر؟ وما قيمة التوقيع مع رئيس وزراء قد يسقط غداً بسبب انسحاب حزب صغير من الائتلاف؟

هكذا تحولت العملية السياسية إلى ما يشبه بناء بيت فوق الرمال. ليس لأن الاتفاقات كانت مستحيلة نظرياً، بل لأن النظام الذي يفترض أن يحميها كان عاجزاً عن توفير الاستمرارية.

هذا لا يعني أن الفلسطينيين بلا أخطاء أو مسؤوليات. الانقسام الداخلي، وضعف المؤسسات، والتردد الاستراتيجي في بعض اللحظات التاريخية، كلها عوامل حقيقية أثرت في المسار السياسي. لكن تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية الفشل يتجاهل حقيقة أن الطرف المقابل نفسه يعيش أزمة بنيوية تمنعه من اتخاذ قرار تاريخي مستقر.

المشكلة أن العالم تعامل طويلاً مع الصراع كأنه نزاع بين طرفين متكافئين في القدرة على اتخاذ القرار، بينما الواقع أكثر تعقيداً. الفلسطينيون لم يتفاوضوا مع دولة مستقرة ذات رؤية ثابتة، بل مع نظام سياسي سريع الانقلاب على ذاته، تتحكم فيه الحسابات الانتخابية القصيرة أكثر مما تحكمه الرؤية الاستراتيجية الطويلة.

ومع مرور الوقت، بدأ سؤال جديد يطفو على السطح: إذا كان حل الدولتين غير قابل للتحقق في ظل هذه البنية الإسرائيلية، فهل يجب تغيير طبيعة المطالب الفلسطينية نفسها؟

هنا ظهر تيار فلسطيني ودولي يدعو إلى نقل النقاش من “الدولة” إلى “الحقوق”. أي من المطالبة بحدود وسيادة فقط، إلى المطالبة بالمساواة المدنية والسياسية الكاملة بين البشر الواقعين تحت السيطرة الإسرائيلية. بالنسبة لهؤلاء، فإن المعضلة الحقيقية التي تواجه إسرائيل ليست فقط الاحتلال، بل التناقض المتزايد بين تعريفها لنفسها كدولة ديمقراطية وبين استمرار سيطرتها على ملايين الفلسطينيين دون مساواة كاملة.

وفي المقابل، اتجه الفلسطينيون أكثر نحو المسار القانوني الدولي، مستفيدين من مؤسسات مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن الضغط القانوني أقل تأثراً بتغير الحكومات الإسرائيلية. الفكرة هنا ليست أن المحاكم ستحرر الأرض مباشرة، بل أنها ترفع الكلفة السياسية والأخلاقية للاحتلال تدريجياً.

لكن حتى هذه الاستراتيجيات تبقى محدودة ما دام الانقسام الفلسطيني قائماً. فالانقسام لا يضعف فقط الموقف التفاوضي، بل يسمح لإسرائيل بتكرار الحجة الأكثر فاعلية في خطابها الدولي: “لا يوجد شريك موحد”.

وربما هنا تكمن المأساة الحقيقية للصراع كله: طرف عاجز عن توحيد نفسه، وطرف عاجز عن تثبيت قراره.

ومع ذلك، فإن التاريخ نادراً ما يبقى ثابتاً. أنظمة كثيرة بدت عصية على التغيير قبل أن تنهار فجأة حين تغيرت حسابات الكلفة. جنوب أفريقيا في الثمانينيات كانت تبدو راسخة، لكن التراكم البطيء للعزلة الدولية والانقسام الداخلي والضغط الاقتصادي غيّر المعادلة خلال سنوات قليلة.

السياسة لا تتحرك فقط بالأخلاق، بل أيضاً بالكلفة. وحين يصبح استمرار الوضع القائم أكثر خطراً من تغييره، تبدأ الأنظمة بإعادة حساباتها.

ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم: “لماذا فشل السلام؟” بل سؤال أكثر قسوة وواقعية: “هل امتلك النظام السياسي الإسرائيلي، بصيغته الحالية، القدرة أصلاً على صنع سلام قابل للحياة؟”

إلى أن تتغير هذه البنية، سيبقى الفلسطينيون يتفاوضون مع دولة تتبدل أسرع من اتفاقاتها، وسيبقى السلام في الشرق الأوسط مشروعاً مؤجلاً دائماً؛ يظهر في الصور التذكارية أكثر مما يظهر على الأرض.


اسرائيليات

الجمعة 22 مايو 2026 2:19 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة معيشية خانقة.. 60% من طالبي المساعدات في إسرائيل عائلات عاملة

تتصاعد التبعات الاقتصادية للعدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة والتوترات الإقليمية مع إيران، لتلقي بظلالها الثقيلة على الأسواق المحلية وأماكن العمل داخل إسرائيل. وأشارت تقارير اقتصادية حديثة إلى أن البيانات المقلقة تؤكد تحول الأزمة من مجرد ضائقة عابرة إلى تهديد بنيوي يمس استقرار الأسر.

وكشفت مصادر إعلامية عبرية أن أكثر من 60% من متلقي المساعدات الإسرائيليين هم في الواقع عائلات تقع ضمن سن العمل، مما يعكس عمق الأزمة التي لم تعد تقتصر على الفئات المهمشة تقليدياً. هذا التحول يشير إلى أن الدخل الناتج عن العمل لم يعد كافياً لتغطية الاحتياجات الأساسية في ظل التضخم المتزايد.

ومع مرور فترة طويلة على اندلاع المواجهات العسكرية، لا تزال التداعيات الاقتصادية تلاحق الإسرائيليين في تفاصيل حياتهم اليومية، حيث تحول القلق المالي إلى سلوك دائم يؤثر على قرارات الاستهلاك. وتؤكد البيانات أن حالة عدم اليقين أدت إلى تآكل الدخل المتاح وارتفاع حاد في تكلفة المعيشة بشكل غير مسبوق.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الوضع الاقتصادي المتدهور ترافق مع زيادة ملحوظة في أعراض القلق النفسي، حيث أبلغ نحو 21% من الإسرائيليين عن معاناتهم من اضطرابات نفسية مرتبطة بالوضع الراهن. وتختلف هذه الأزمة عن سابقاتها بكونها تتسم بديمومة الإنفاق الأمني المرتفع وتضرر قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة.

الميدان الاقتصادي يترجم هذا القلق إلى أرقام ملموسة، إذ سجلت المؤسسات الإغاثية قفزة بنسبة 22% في الطلب على السلال الغذائية خلال أسبوع واحد فقط من جولات التصعيد. هذا الارتفاع المفاجئ يعكس هشاشة الأمان الغذائي لدى قطاعات واسعة من المستوطنين الذين يجدون صعوبة في التنبؤ بمستقبلهم المالي.

وفي هذا السياق، يرى البروفيسور إيال فروختر، المختص في الصحة النفسية أن الإسرائيليين يعيشون حالة من 'اليقظة المفرطة' بسبب عدم القدرة على تقييم الاستقرار المالي طويل الأمد. هذا التوتر المستمر يؤدي إلى إرهاق جسدي وعقلي يتجلى في صعوبة التركيز وضعف القدرة على اتخاذ قرارات اقتصادية متوازنة.

ويضيف فروختر أن الإسرائيليين اعتادوا في السابق على حالات الطوارئ القصيرة التي تتطلب 'حالة بقاء' مؤقتة، لكن استمرار الحرب لأشهر طويلة استنزف قدراتهم على الصمود. وبالرغم من أن الكثيرين يواصلون أداء وظائفهم ظاهرياً، إلا أنهم يعانون من عبء داخلي ناتج عن فقدان الأمن الشخصي والمالي.

ورصدت المنظمات الاقتصادية زيادة مطردة في طلبات المساعدة من أفراد كانوا في السابق قادرين على تدبير شؤونهم بأنفسهم دون الحاجة لدعم خارجي. هؤلاء الأشخاص سقطوا في فخ الفقر نتيجة الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة وتوقف بعض الأنشطة التجارية التي كانوا يعتمدون عليها.

من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي إيلي كوهين أن الصعوبات المالية تتطور تدريجياً لتصبح عبئاً نفسياً يدفع البعض إلى 'الهروب من الواقع'. ويلاحظ كوهين أن أعداداً متزايدة من العاملين يتجنبون مراجعة حساباتهم البنكية أو مواجهة حقيقة ديونهم المتراكمة خوفاً من الانهيار.

هذا السلوك الهروبي، بحسب الخبراء، يؤدي إلى فقدان السيطرة الكاملة على إدارة الحياة المعيشية، ويزيد من احتمالية السقوط في دوامة اقتصادية لا يمكن الخروج منها. فالتوسع في استخدام الائتمان وتأجيل سداد الدفعات المستحقة يخلق كرة ثلج قد تنفجر عند أي نفقة طارئة غير محتسبة.

وتشير التقارير إلى أن قطاع العاملين لحسابهم الخاص هو الأكثر تضرراً، حيث تآكلت هوامش الربح لديهم بفعل تراجع القوة الشرائية وزيادة الضرائب غير المباشرة. هذا التآكل دفع بالكثير من المصالح التجارية الصغيرة إلى حافة الإفلاس، مما زاد من معدلات البطالة المقنعة في السوق الإسرائيلي.

إن حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الجبهات العسكرية المختلفة، سواء في غزة أو الشمال، تجعل من الصعب على المؤسسات المالية وضع خطط استرداد واضحة. ويظل الإنفاق العسكري الضخم يستنزف الميزانية العامة على حساب الخدمات الاجتماعية والرفاه، مما يعمق الفجوات الطبقية داخل المجتمع.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن 'التهديد الوجودي' الذي تتحدث عنه الأوساط الإسرائيلية لم يعد عسكرياً فحسب، بل أصبح يهدد التماسك الاجتماعي والاقتصادي. فالعائلات التي كانت تشكل العمود الفقري للطبقة الوسطى باتت اليوم تصطف في طوابير المساعدات، مما ينذر بانفجار اجتماعي داخلي.

ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمل استنزاف طويل الأمد في ظل تراجع الاستثمارات الأجنبية وهروب الرساميل. إن المعطيات الحالية تشير إلى أن التعافي من آثار هذه الحرب سيستغرق سنوات، وسيتطلب تغييرات جذرية في السياسات المالية التي أرهقت كاهل المواطن العادي.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 2:19 مساءً - بتوقيت القدس

انقسام في 'نيويورك تايمز' بعد تحقيق حول انتهاكات جنسية بحق الأسرى الفلسطينيين

أعلنت إدارة صحيفة 'نيويورك تايمز' الأمريكية تمسكها بصحة ما ورد في مقال الرأي للكاتب نيكولاس كريستوف، والذي حمل عنوان 'الصمت إزاء الاغتصاب ضد الفلسطينيين'. وتضمن المقال اتهامات مباشرة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي بممارسة اعتداءات جنسية ممنهجة بحق الأسرى الفلسطينيين في مراكز الاحتجاز، بما في ذلك استخدام الكلاب المدربة في عمليات التنكيل والاعتداء، وهو ما أثار ضجة واسعة في الأوساط الإعلامية والسياسية.

وأكدت محررة قسم الرأي، كاثلين كينغسبيري، بالاشتراك مع الكاتب أن المادة المنشورة خضعت لعمليات تدقيق مكثفة ومراجعة شاملة للحقائق قبل خروجها للعلن. وأوضحت المصادر أن الفحص اللاحق لم يثبت وجود أي أخطاء جوهرية، مشيرة إلى أن التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الدولية، وحتى بعض وسائل الإعلام العبرية، باتت توفر قاعدة بيانات متزايدة توثق العنف الجنسي والإهانة الجسدية التي يتعرض لها المعتقلون على يد قوات الأمن والمستوطنين.

في المقابل، تسبب هذا النشر في حالة من التوتر المتصاعد والانقسام الحاد داخل أروقة الصحيفة العريقة، حيث اصطدم قسم الأخبار مع قسم الرأي حول المعايير التحريرية المتبعة. وعبر عدد من الصحفيين داخل المؤسسة عن استيائهم، معتبرين أن نشر مثل هذه التحقيقات الحساسة في قسم الرأي قد يضعف من مصداقية الصحيفة عالمياً، ويفتح الباب أمام التشكيك في دقة التقارير الإخبارية التي تلتزم ببروتوكولات مهنية مختلفة.

وعلى المستوى السياسي، شن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو هجوماً لاذعاً على الصحيفة، واصفاً ما ورد في المقال بأنه 'افتراء دموي' يهدف لتشويه صورة إسرائيل. وهدد مسؤولون في حكومة الاحتلال باتخاذ إجراءات قانونية وملاحقة الصحيفة بتهمة التشهير، إلا أن إدارة 'نيويورك تايمز' ردت بوضوح معتبرة هذه التهديدات محاولة مكشوفة لممارسة الضغط السياسي وتقويض التغطية الصحفية المستقلة التي تتبعها المؤسسة.

ولم تتوقف تداعيات المقال عند الجانب السياسي، بل امتدت لتشمل قاعدة القراء، حيث أقرت الناشرة بإلغاء عدد من الاشتراكات من قبل معارضين لمحتوى المقال. وفي الوقت الذي اتهم فيه البعض الكاتب بالترويج لدعاية سياسية، أعرب قراء آخرون عن تقديرهم لجرأة الصحيفة في تسليط الضوء على قضايا مسكوت عنها، مما أعاد فتح النقاش في الولايات المتحدة حول حدود الفصل بين الرأي والتقارير الاستقصائية في القضايا الدولية الشائكة.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

استشهاد مواطن في رفح وقصف مدفعي يستهدف خانيونس ضمن خروقات الاحتلال المستمرة

أفادت مصادر ميدانية باستشهاد مواطن فلسطيني، اليوم الجمعة، إثر استهدافه بشكل مباشر من قبل طائرة مسيرة إسرائيلية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة. وأوضح شهود عيان أن مسيرة من نوع 'كواد كابتر' أطلقت قنبلة تجاه المواطن رأفت عادل بريكة، البالغ من العمر 42 عاماً، أثناء تواجده في منطقة الشاكوش غربي المدينة، مما أدى إلى ارتقائه على الفور في جريمة جديدة تضاف لسلسلة خروقات الاحتلال المستمرة.

وفي سياق متصل، شهدت مدينة خانيونس تصعيداً عسكرياً ملحوظاً، حيث قصفت المدفعية الإسرائيلية بشكل مكثف وعنيف المناطق الشرقية للمدينة. وذكرت مصادر محلية أن جيش الاحتلال نفذ عمليتي نسف لمبانٍ سكنية في الجهة الشمالية الشرقية من خانيونس خلال ساعات الليل المتأخرة، وهو ما يعكس إصرار القوات الإسرائيلية على تدمير ما تبقى من بنى تحتية رغم التفاهمات القائمة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت كشفت فيه وزارة الصحة عن حصيلة ثقيلة لضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر 2025. ووفقاً للبيانات الرسمية، فقد قتل جيش الاحتلال نحو 883 فلسطينياً وأصاب 2648 آخرين في هجمات متفرقة، مما يضع الاتفاق الهش أمام اختبارات قاسية في ظل استمرار الاستهداف الممنهج للمدنيين.

وعلى الصعيد الإقليمي، لم تتوقف الاعتداءات عند حدود القطاع، حيث أفادت تقارير باستشهاد أربعة أشخاص وإصابة آخرين في غارات إسرائيلية استهدفت مراكز للهيئة الصحية في بلدة حناويه اللبنانية. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن حجم الخسائر في لبنان نتيجة العدوان تجاوز 20 مليار دولار، مع توقعات بانكماش حاد في الاقتصاد اللبناني يصل إلى 10% نتيجة تدمير القطاعات الحيوية والزراعية.

يذكر أن قطاع غزة يعيش حالة من الدمار الشامل بعد حرب إبادة جماعية انطلقت في أكتوبر 2023، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف مواطن وإصابة ما يزيد عن 172 ألفاً. وقد طال الدمار نحو 90% من المرافق الحيوية والمدنية، فيما لا تزال التقارير الدولية تحذر من كارثة بيئية وإنسانية تهدد حياة الناجين بسبب تلوث المياه وتراكم النفايات في مراكز النزوح.

تحليل

الجمعة 22 مايو 2026 1:48 مساءً - بتوقيت القدس

خرافة الخيار الاستراتيجي: كيف أعاد 'أسطول الصمود' رسم خارطة النفوذ الإقليمي؟

تتجلى في الآونة الأخيرة ملامح تحول جذري في موازين القوى الإقليمية، حيث برزت تركيا كلاعب محوري من خلال تبنيها لـ 'أسطول الصمود' الإنساني. وقد أظهرت أنقرة جرأة سياسية لافتة برفضها الضغوط الأمريكية التي حاولت إعاقة انطلاق الأسطول من ميناء مرمريس، متحدية بذلك قوائم حظر الخزانة الأمريكية.

لم يقتصر الموقف التركي على الدعم اللوجستي، بل امتد ليشمل إدانة صريحة من وزير الخارجية هاكان فيدان لاستهداف الاحتلال الإسرائيلي للأسطول في أعالي البحار. هذا الموقف وضع تركيا في خندق واحد مع قوى دولية مثل إسبانيا وكوريا الجنوبية، التي أبدت مواقف نشطة ضد الغطرسة الإسرائيلية.

في المقابل، يرى مراقبون أن النظام الرسمي العربي لا يزال أسيراً لاستراتيجية 'السلام الاستراتيجي' العتيقة، التي باتت تفتقر للأدوات والبدائل في ظل بيئة دولية متغيرة. هذا الانكفاء أدى إلى حالة من التكيف السلبي مع الضغوط الخارجية، مما حدّ من قدرة الدول العربية على المناورة السياسية.

لقد أدى التمسك العربي بخيار أحادي إلى فراغ استراتيجي استغلته القوى الإقليمية الصاعدة لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها القومية. فبينما كانت العواصم العربية تلوذ بالصمت، كانت أنقرة تنقل خط التماس والمواجهة من غزة إلى شرق المتوسط، موظفة الأزمة لخدمة القضية الفلسطينية ومصالحها البحرية.

على صعيد آخر، مكنت المواجهة الأخيرة إيران من إضافة عناصر قوة جديدة عبر تفعيل سيطرتها على مضيق هرمز الحيوي. وتحولت طهران إلى نقطة ارتكاز في إعادة هندسة الإقليم من خلال شراكات اقتصادية وعسكرية متينة مع قطبي الشرق، روسيا والصين، مما جعلها فاعلاً لا يمكن تجاوزه.

باكستان بدورها لم تقف مكتوفة الأيدي أمام تغلغل التحالف الهندي الإسرائيلي في منطقة الخليج، والذي بدأ يهدد أمنها القومي بشكل مباشر. وبادرت إسلام آباد بإنزال قواتها على الضفة الغربية للخليج العربي، في خطوة استباقية لقطع الطريق على التسلل الإسرائيلي عبر بلوشستان وكشمير.

إن حالة 'التكلس' التي تعاني منها المنظومة العربية جعلتها تتبنى أحياناً الخطاب السياسي الأمريكي والإسرائيلي لمواجهة الأسئلة الوجودية الداخلية. هذا التوجه هدد مفهوم الدولة الوطنية وسيادتها، بعد أن أصبح الاحتلال الإسرائيلي جزءاً من المناكفات الداخلية بدلاً من كونه تهديداً استراتيجياً.

ورغم هذا القتامة، تبرز بعض بوادر 'التململ' الإيجابي، لا سيما في التحركات السعودية الأخيرة التي دعت إلى اتفاق يشبه 'اتفاق هلسنكي' يجمع العرب مع جيرانهم الإقليميين. تهدف هذه المبادرة إلى بناء منظومة أمنية مشتركة تقوم على احترام الحدود السياسية ومنع الاعتداءات المتبادلة.

ومع ذلك، تبقى هذه المبادرات رهينة بمدى قدرة النظام العربي على التحرر من التبعية المطلقة للمرجعيات الغربية وقرارات واشنطن. فالعالم اليوم لم يعد محكوماً بمركزية أمريكية أوروبية، خاصة بعد أن فقدت هذه القوى الكثير من شرعيتها الأخلاقية والاقتصادية في المنطقة.

لقد كشف أسطول الصمود أن القوة والتاثير في الإقليم يتطلبان مرونة في التحالفات وتعدداً في الخيارات السياسية والعسكرية. فالدول التي حاصرت نفسها بخيارات ضيقة وجدت نفسها خارج سياق التأثير، بينما حجزت القوى المبادرة مقاعدها في صياغة النظام الإقليمي الجديد.

إن استمرار الدوران في حلقة مفرغة من الرهانات الخاسرة يهدد بانهيار الخطاب السياسي العربي وتعميق الأزمات الداخلية للدول. فالبيئة الدولية المتسارعة لا ترحم المترددين، والبقاء فيها للأقدر على توظيف عناصر القوة وتجاوز 'خرافة' الخيار الاستراتيجي الوحيد.

لقد أثبتت التجربة أن التماهي مع الرواية الأمريكية في حصار غزة لم يجلب الاستقرار المنشود، بل زاد من شهية الاحتلال للتوسع. فالمناطق العازلة التي يحاول الاحتلال فرضها في عمق الجغرافيا العربية هي نتاج مباشر لغياب الردع العربي الموحد والفعال.

في الختام، يمثل الدعم التركي والتحرك الباكستاني والإيراني دروساً في كيفية إدارة الصراعات الجيوسياسية بعيداً عن الإملاءات الخارجية. إن استعادة الدور العربي تتطلب شجاعة في مراجعة المسارات السابقة والانفتاح على تحالفات إقليمية تضع مصالح الشعوب فوق الحسابات الضيقة.

يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة العواصم العربية على اللحاق بركب التحولات قبل فوات الأوان، خاصة وأن موازين القوى شرق المتوسط وفي الخليج تعاد صياغتها الآن. إن أسطول الصمود لم يكن مجرد سفن كسر حصار، بل كان اختباراً حقيقياً للإرادة السياسية في مواجهة الهيمنة.

اسرائيليات

الجمعة 22 مايو 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

دراسة إسرائيلية: القضية الفلسطينية ستعود للواجهة الدولية بقوة فور انتهاء الحرب مع إيران

كشفت دراسة حديثة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب أن التحدي الأبرز الذي ينتظر إسرائيل عقب انتهاء المواجهة الحالية مع إيران هو العودة القوية للقضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندات الدولية. وأوضحت الدراسة أن الصراع الذي ظل لعقود محوراً للوساطات الدولية، بدأ يشهد تحولاً في المقاربات العالمية نتيجة الجمود السياسي الراهن.

وأشارت المصادر البحثية إلى أن المبادرات السياسية السابقة، بدءاً من المبادرة العربية عام 2002 وصولاً إلى 'صفقة القرن'، انطلقت من فرضية إمكانية الحل عبر المفاوضات. إلا أن هذه المقاربة بدأت تتآكل بفعل الحرب الإقليمية، مما أدى لتراجع مؤقت لمكانة الصراع الفلسطيني كعنوان أساسي للتفاعلات في المنطقة.

وحذرت الدراسة من أن السلطة الفلسطينية هي الطرف الأكثر تضرراً من الواقع الحالي، حيث تواجه تآكلاً عميقاً في شرعيتها وقدرتها على التأثير. ويعود ذلك إلى الانقسام الداخلي المستمر وغياب الرؤية السياسية المشتركة، فضلاً عن تراجع الثقة الإقليمية والدولية في قدرتها على إدارة شؤون الدولة المستقبيلة.

وفي المقابل، ترى الدراسة أن حركة حماس تنجح في استغلال الفراغ الناتج عن غياب البدائل السياسية الفعالة في قطاع غزة لتعزيز بقائها. فالحركة تستفيد من عامل الوقت لإعادة التنظيم والتسلح، مستغلة سيطرتها على المساعدات الإنسانية لضمان مصادر تمويل مستدامة رغم الضغوط العسكرية الهائلة.

ونبه التقرير إلى أن صمود 'محور المقاومة' بعد الضربات الأخيرة يمنح حماس وحلفاءها أملاً في إعادة بناء القوة العسكرية. وهذا الواقع يعزز من قدرة الحركة على تأجيل أي استحقاقات جوهرية تتعلق بنزع السلاح أو نقل السلطة، طالما لا يوجد أفق سياسي واضح يطرحه المجتمع الدولي.

وعلى الصعيد الدولي، رصدت الدراسة تصاعداً في حدة الانتقادات الموجهة لإسرائيل، خاصة في الولايات المتحدة والدول الغربية. حيث بدأت قطاعات واسعة من الرأي العام تتبنى الرواية الفلسطينية، متأثرة بتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة وفقدان الثقة في نوايا الحكومة الإسرائيلية.

وتطرقت الدراسة إلى 'خطة الحسم' التي يتبناها وزراء في الحكومة الإسرائيلية، معتبرة أنها تعزز الانطباع العالمي بأن إسرائيل تسعى لفرض سيادة كاملة على الضفة. هذا التوجه يثير قلقاً عربياً متزايداً من رغبة تل أبيب في 'تطويع المنطقة' بدلاً من السعي لتطبيع حقيقي قائم على السلام.

وحذر الباحثون من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد لا يتمكن من تجاهل الضغوط الدولية والعربية المطالبة بموقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل بعد الحرب. فقد تضطر الإدارة الأمريكية لاتخاذ خطوات تتجاوز رغبات الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني لفرض حل ينهي حالة الاستنزاف الإقليمي.

وحددت الدراسة ثلاثة مستويات من المخاطر تهدد الأمن القومي الإسرائيلي في حال استمرار الجمود، أولها تعميق الانقسامات الداخلية حول هوية الدولة الديمقراطية. أما المستوى الثاني فيتعلق بالعزلة السياسية الدولية، بينما يتمثل الثالث في انفجار العنف بشكل غير منظم في الضفة الغربية وخارجها.

ودعت التوصيات إلى ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لمنع الانهيار الاقتصادي للسلطة الفلسطينية والحفاظ على التنسيق الأمني مع أجهزتها. واعتبرت الدراسة أن الامتناع عن تعزيز الحكم الفلسطيني سيؤدي حتماً إلى تفاقم التهديدات الوجودية على المدى البعيد.

وشددت الدراسة على أهمية التمييز بين السلطة الفلسطينية كعنوان 'براغماتي' وبين الحركات الراديكالية، لتجنب دفع النظام الفلسطيني بأكمله نحو التطرف. وأكدت أن الانسداد السياسي الحالي قد يدفع 'فتح' و'حماس' للتوحد مجدداً، مما يغلق الباب أمام أي تنسيق مستقبلي.

كما طالبت الدراسة بتعزيز التعاون مع مصر والأردن ودول الخليج لزيادة انخراطها في دعم أداء السلطة الفلسطينية وتمكينها من العودة لقطاع غزة. ورأت أن هذا المسار هو السبيل الوحيد لتحقيق استقرار مستدام في الساحة الفلسطينية بعد سنوات من الصراع الدامي.

وفي الختام، توقعت الدراسة أن نهاية الحرب مع إيران ستضع إسرائيل أمام واقع دولي جديد لا يقبل بفكرة 'إدارة الصراع' إلى الأبد. فالمجتمع الدولي قد يتجه لاستخدام وسائل ضغط اقتصادية وسياسية لفرض تسوية شاملة، مما قد يفقد إسرائيل القدرة على صياغة شروط الحل.

إن التحول من 'الوساطة' إلى 'التدخل المباشر' هو السيناريو الأكثر رعباً لصناع القرار في تل أبيب، بحسب الدراسة. وهذا يتطلب إعادة تبني مفهوم السلام كجزء لا يتجزأ من نظرية الأمن الإسرائيلي، لضمان الحفاظ على المكتسبات السياسية التي تحققت على مدار العقود الماضية.

اقتصاد

الجمعة 22 مايو 2026 1:17 مساءً - بتوقيت القدس

موازنة مصر 2026/2027: أرقام ضخمة للحماية الاجتماعية وتحديات ضريبية تلاحق الدخول الثابتة

تكشف ملامح موازنة مصر للعام المالي 2026/2027 عن معادلة اقتصادية بالغة التعقيد، حيث تسعى الدولة لرفع حصيلة الضرائب إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. وتتزامن هذه التوجهات مع إعلانات حكومية متكررة حول تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجاً في المجتمع المصري.

تضع الموازنة الجديدة مستهدفاً للمصروفات يقترب من حاجز 5.1 تريليون جنيه، بينما يُتوقع أن تتجاوز الإيرادات العامة 4 تريليونات جنيه. وتهدف الحكومة من خلال هذه الأرقام إلى تقليص العجز الكلي ليصل إلى 4.9%، مع خفض نسبة الدين العام إلى 78% من الناتج المحلي الإجمالي.

تبرز الضرائب كركيزة أساسية في تمويل هذه الموازنة، حيث تستهدف الحكومة جمع نحو 3.529 تريليون جنيه. ويقع العبء الأكبر من هذه التحصيلات على كاهل الأفراد والموظفين وأصحاب المهن الحرة، الذين سيتحملون وحدهم قرابة 1.76 تريليون جنيه.

في المقابل، خصصت الحكومة مبالغ كبيرة لبند الحماية الاجتماعية بلغت 832.3 مليار جنيه، في محاولة لامتصاص تداعيات السياسات المالية القاسية. ويشمل هذا الدعم تخصيص 178.3 مليار جنيه للسلع التموينية التي تعتمد عليها ملايين الأسر المصرية بشكل يومي.

وعلى صعيد قطاع الطاقة، رصدت الموازنة نحو 120 مليار جنيه كدعم، ذهب الجزء الأكبر منها للكهرباء بواقع 104.2 مليار جنيه. بينما تم تخصيص 15.8 مليار جنيه فقط للمواد البترولية، مما يشير إلى استمرار سياسة تقليص دعم الوقود التقليدي.

يرى مراقبون أن هذه الأرقام الضخمة للدعم قد تفقد قيمتها الحقيقية أمام موجات التضخم المتلاحقة وزيادة الضرائب غير المباشرة. فإذا كانت الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من زيادة المخصصات، فإن الدعم يتحول إلى مجرد أداة لتسكين الأزمات بدلاً من حلها.

تثير زيادة حصيلة الضرائب على المرتبات بنسبة تصل إلى 51% مخاوف جدية بشأن تآكل الأجر الحقيقي للعاملين في الدولة والقطاع الخاص. هذا الارتفاع يضع الدخول الثابتة في مواجهة مباشرة مع متطلبات المعيشة التي تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.

يشير التحليل المالي للموازنة إلى أن النظام الضريبي الحالي قد يميل لتحميل الاستهلاك والدخول الثابتة أعباءً تفوق ما يتم تحصيله من الثروات الكبرى. وتؤدي الضرائب غير المباشرة، التي تفرض على السلع والخدمات، إلى استنزاف دخول محدودي الدخل بشكل غير متناسب.

تظهر الموازنة أيضاً انحيازاً هيكلياً نحو دعم البنية الاقتصادية الكبرى والأنشطة الأكثر رسملة من خلال بنود دعم الطاقة والإنتاج. وغالباً ما تكون القطاعات كثيفة الاستهلاك هي المستفيد الأكبر من هذه المخصصات، مقارنة بالأسر الفقيرة ذات الاستهلاك المحدود.

الخلل في الموازنة لا يقتصر على توزيع الأرقام فحسب، بل يمتد إلى فلسفة توزيع الأعباء والامتيازات بين طبقات المجتمع. فبينما تمنح بعض الإعفاءات للقطاعات القادرة على المناورة، يجد المواطن العادي نفسه محاصراً بضرائب ورسوم تلاحقه في تفاصيل حياته.

تؤكد تقارير اقتصادية أن الاعتماد المفرط على الضرائب التي يرتد أثرها على المستهلك النهائي يعمق الفجوة الطبقية. ويخلق هذا الوضع شعوراً بالاغتراب لدى المواطن الذي يرى نفسه وعاءً ضريبياً أكثر منه شريكاً في عوائد التنمية الاقتصادية.

إن محاولة الموازنة إرضاء المؤشرات الدولية عبر خفض العجز والدين قد تأتي على حساب العدالة الاجتماعية الشاملة. فالمؤشرات المالية الجيدة على الورق لا تعكس دائماً تحسناً في جودة حياة المواطنين أو قدرتهم على مواجهة تكاليف المعيشة.

تتحول الضغوط الاقتصادية المستمرة إلى عجز نفسي لدى الفئات التي تشعر أن الدعم الحكومي لا يواكب القفزات السعرية المتتالية. ويصبح السؤال المطروح دائماً هو مدى قدرة هذه السياسات على توفير حياة كريمة مستدامة بعيداً عن مسكنات الدعم الموقتة.

ختاماً، تظل موازنة 2026/2027 وثيقة تعكس توازنات حرجة بين طموحات الدولة المالية واحتياجات الشارع الملحة. وبينما تسعى الحكومة لضبط الدفات المحاسبية، يبقى الرهان الحقيقي على مدى قدرة هذه الأرقام على تحقيق توازن فعلي ينصف الفقراء ويوزع الأعباء بعدالة.

تحليل

الجمعة 22 مايو 2026 1:17 مساءً - بتوقيت القدس

رواية 'الجوع والعطش': حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة المجتمعات الحديثة

لم يعد الأدب المعاصر مجرد وسيلة لسرد الحكايات الخيالية، بل تحول إلى مختبر فكري يفحص الأعطاب العميقة التي تضرب بنية المجتمعات الحديثة. وتأتي الروايات الكبرى اليوم لتكشف ما يختبئ خلف الواجهات السياسية والاجتماعية من تصدعات صامتة تؤرق الإنسان المعاصر.

في هذا السياق، تبرز رواية 'الجوع والعطش' للكاتبة البريطانية كلير فولر كعمل أدبي يتجاوز حدود الرعب التقليدي ليقدم قراءة عميقة لأزمة حضارية وسياسية. الرواية تمزج ببراعة بين الواقعية الاجتماعية وعناصر الرعب القوطي لتشريح واقع المجتمعات الغربية المعاصرة.

تنطلق أحداث الرواية من مأساة شخصية تعيشها البطلة 'أورسولا'، التي تطاردها صور الموت منذ طفولتها إثر حادثة أليمة في المغرب. هذا الحدث المؤسس في النص ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو البوابة التي تعبر من خلالها الكاتبة نحو أسئلة وجودية كبرى.

تعتبر الرواية أن الرعب الحقيقي لا يكمن في القوى الخارقة، بل في البنى الاجتماعية التي تنتج القلق والعزلة. فالبيت المهجور في السرد يمثل استعارة لمجتمع فقد قدرته على احتضان أفراده، وتحول إلى مصدر لإنتاج الخوف بدلاً من الأمان.

تربط فولر في عملها بين المصير الفردي لأبطالها والتحولات السياسية الجذرية التي شهدتها بريطانيا في ثمانينيات القرن الماضي. تلك الحقبة التي اتسمت بسياسات اقتصادية واجتماعية صارمة أدت إلى تآكل شبكات التضامن التقليدية وبروز الفرد المعزول.

يظهر النص كيف أن تقليص دور الدولة في الرعاية الاجتماعية خلال عهد مارغريت تاتشر ساهم في خلق جيل يعاني من الاقتلاع. وبدلاً من أن يجد الفرد الدعم في محيطه، وجد نفسه عالقاً في علاقات اجتماعية متآكلة ومؤسسات رعاية ضعيفة لا تلبي احتياجاته.

من الأفكار المركزية التي يطرحها العمل هي نقد الصناعة الإعلامية الحديثة التي تعيد إنتاج الألم البشري كسلعة. فالفيلم الوثائقي داخل الرواية يعمل كآلة لاستهلاك المآسي الإنسانية وتحويلها إلى مادة للفرجة الجماهيرية العامة.

يفتح هذا الطرح نقاشاً واسعاً حول أخلاقيات الإعلام في عصر المنصات الرقمية، حيث تتحول الجرائم والآلام إلى عروض ترفيهية. الرواية تحذر من منطق الاستهلاك العاطفي الذي يهيمن على وسائل التواصل ويجرد الإنسان من خصوصية معاناته.

يعيد العمل تعريف معنى 'الأشباح' في الأدب، حيث تصبح تجسيداً بصرياً للخيانة والوحدة وتفكك الروابط الإنسانية. فالخطر في منظور الرواية لم يعد يأتي من الخارج، بل من داخل البنية الاجتماعية والاقتصادية التي نعيش فيها.

تؤكد الرواية أن المجتمعات لا تطاردها أشباح الماضي فحسب، بل تطاردها أيضاً نتائج الخيارات السياسية التي صنعت حاضرها. هذا الاغتراب المتزايد يعكس فشل المنظومات الحديثة في توفير معنى جماعي يحمي الأفراد من الانهيار النفسي.

رغم أن الرواية تنطلق من سياق بريطاني محدد، إلا أن أسئلتها تتقاطع بشكل مثير مع الواقع في مناطق أخرى من العالم. فالعالم العربي يواجه بدوره أزمات مشابهة تتعلق بتآكل الروابط التقليدية واتساع مشاعر الاغتراب لدى الأجيال الشابة.

إن تحول المآسي الإنسانية، من حروب ولجوء وفقد، إلى مادة استهلاكية عابرة على منصات التواصل هو ظاهرة عالمية. الرواية تلامس هذا الواقع من خلال طرح تساؤلات حول مصير الإنسان عندما يصبح وحيداً تماماً داخل مجتمع مزدحم.

تكمن قوة الأدب الحقيقي في قدرته على كشف هشاشة الإنسان أينما كان، بعيداً عن القيود الجغرافية أو الزمنية. 'الجوع والعطش' تذكرنا بأن بعض أشكال الرعب هي نتاج التصدعات التي بنيناها بأيدينا في عالمنا المعاصر.

في الختام، تقدم كلير فولر عملاً لا يكتفي بإثارة الخوف، بل يدفع القارئ لاكتشاف الرعب الكامن في التفاصيل اليومية والسياسية. إنها دعوة للتأمل في كيفية استعادة الروابط الإنسانية قبل أن يبتلعنا منطق العزلة والفرجة على الألم.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 1:04 مساءً - بتوقيت القدس

ابن نعمان: فرنسا توظف 'الجينات' لتزوير هوية المغرب العربي وضرب الوحدة الثقافية

تشهد منطقة المغرب العربي جدلاً فكرياً وسياسياً متواصلاً حول قضايا الهوية الوطنية وبناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار. تتداخل في هذا النقاش الأسئلة التاريخية بالتحولات المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بعلاقة اللغة بالديناميات الاجتماعية وحدود توظيف العلوم في صياغة التصورات الهوياتية.

يرى الدكتور أحمد بن نعمان أن فرنسا تمارس ازدواجية معايير صارخة؛ فبينما تتبنى العلمانية والمساواة وتتجاهل الأصول العرقية لمسؤوليها في الداخل، تسعى لفرض الوحدة العرقية كشرط للهوية في مستعمراتها السابقة. هذا التوجه يهدف بحسب الكاتب إلى تفتيت النسيج الاجتماعي لدول الشمال الإفريقي عبر بوابة 'الأمزغة'.

أفادت مصادر بحثية بأن باريس حاولت منذ عام 2005، بإيعاز من أجهزتها الاستخباراتية، تحويل مشروع 'أمزغة' المنطقة من إطار سياسي فاشل إلى مشروع 'علمي' مزعوم. وقد تم ذلك عبر محاولة ربط العرق بالجينات، وهي خطوة وصفت بأنها تفتقر للمصداقية العلمية الرصينة وتخالف بديهيات الأنثروبولوجيا.

يشير النقاش إلى تورط مؤسسات علمية عالمية، مثل مجلة ناشيونال جيوغرافيك، في نشر تقارير انساقت وراء الرواية الفرنسية المشبوهة. وقد انتقد علماء متخصصون لاحقاً هذه النتائج، مؤكدين أن الجينات لا يمكنها تحديد الانتماء العرقي بدقة تتجاوز الجد الثالث أو الرابع للإنسان.

تعتمد المحاولات الفرنسية على فكرة 'النقاء العرقي'، وهي كذبة كبرى لا أساس لها في ظل تداخل الشعوب وتلاقح الثقافات عبر العصور. فالحضارة الإنسانية ونمو الفكر يتعارضان تماماً مع فكرة العزلة العرقية التي تحاول بعض الدوائر الاستعمارية الترويج لها في المنطقة المغاربية.

يؤكد الكاتب أن الإسلام كان سباقاً في تقرير أن الأمم لا تقوم على النقاء العرقي، بل على اللسان والثقافة المشتركة. ويستدل على ذلك بأن الهوية العربية هي وعاء ثقافي جامع استوعب كافة الأعراق تحت مظلة الحضارة الإسلامية التي شيدها العرب والأمازيغ معاً.

تتعرض الرموز الوطنية في المغرب العربي، مثل الشيخ عبد الحميد بن باديس وعلال الفاسي، لحملات تشويه ممنهجة تهدف للنيل من مشروعهم الوحدوي. ويُتهم هؤلاء القادة بأنهم أقصوا المكون الأمازيغي لصالح 'رؤية مستوردة'، وهو اتهام يراه بن نعمان جزءاً من الدعاية المسمومة.

كان علال الفاسي، مؤسس حزب الاستقلال في المغرب، من أبرز المدافعين عن التعريب الشامل كوسيلة للتخلص من الهيمنة الثقافية الفرنسية. وقد سعى من خلال مكتب تنسيق التعريب إلى تحقيق سيادة لسانية تحمي الدولة الحديثة من التبعية الفكرية للاستعمار القديم.

تزعم بعض التيارات المدعومة من لوبيات فرنسية أن الهوية الأمازيغية تعرضت للتهميش المتعمد في المناهج الدراسية والخطاب الرسمي. وتدعو هذه الأصوات إلى العودة لما تصفه بـ'الجذور الأصلية' التي سبقت الفتوحات الإسلامية، رابطة إياها أحياناً بأصول جرمانية أو رومانية.

يرى المدافعون عن الطرح العرقي أن سياسات التعريب استبدلت هيمنة استعمارية بأخرى ثقافية، مما حول الأمازيغ إلى 'أقلية' في أرضهم. ويستشهد هؤلاء بالاعتراف الدستوري بالأمازيغية في عام 2011 كدليل على ضرورة تصحيح ما يصفونه بـ'المسار الإقصائي' السابق.

في المقابل، يشدد بن نعمان على أن الهوية هي ثقافة ولسان وليست مجرد جينات مخبرية صماء. ويؤكد أن إسهام الأمازيغ في حضارة الأندلس والقيروان وتلمسان كان باللغة العربية، التي مثلت لغة البيان والوحدة الحضارية للمنطقة برمتها.

إن محاولات البحث عن صلة قرابة عرقية مع الوندال أو القوط تهدف في جوهرها إلى فك الارتباط بالهوية الإسلامية والعودة إلى أنماط قديمة. ويصف الكاتب هذه التوجهات بأنها 'ردة وثنية' تخدم أجندات صهيونية وفرنكوفونية تتغلغل في بعض مفاصل الإدارة المغاربية.

تعتبر الولايات المتحدة نموذجاً عالمياً يثبت أن الأمة القومية المتجانسة يمكن أن تضم آلاف الأعراق تحت مشروع ثقافي واحد. وهذا يدحض الادعاءات التي تحاول ربط الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية بضرورة التطابق العرقي أو الجيني للسكان.

يبقى الدرس الأهم في هذا الصراع الرمزي هو أن الوحدة الوطنية الحقيقية لا تُبنى بإلغاء المكونات، ولكن أيضاً لا تُبنى باختراع هويات عرقية وهمية. فالمستقبل يتطلب اعترافاً بالتنوع الثقافي ضمن إطار الهوية الجامعة التي صهرت المنطقة في بوثقة حضارية واحدة لقرون طويلة.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 12:32 مساءً - بتوقيت القدس

سايكس بيكو الرقمية: كيف تحولت الخوارزميات إلى أدوات استعمارية حديثة؟

لم يغادر العالم حقبة الاستعمار كما يُشاع، بل انتقل إلى مرحلة جديدة تعتمد على تغيير بروتوكولات السيطرة والتشغيل. فبينما كانت الجيوش قديماً تحتل الأرض بقوة السلاح، باتت الخوارزميات وأكواد البرمجة اليوم هي الوسيلة الأنجع لاحتلال العقول والتحكم في الوعي البشري.

لقد استبدلت القوى الكبرى المندوب السامي بخوادم البيانات، وحلت شيفرات البرمجة محل الأسلاك الشائكة، مما أدى إلى نشوء واقع جديد نكون فيه نحن 'الأرض' وهم 'المالكون'. هذا التحول الجذري جعل من البيانات والسيادة الرقمية الثروة الحقيقية التي تُسرق في وضح النهار.

في هذا النظام، لا يُعد الأفراد مجرد مستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي أو أدوات الذكاء الاصطناعي، بل هم في الحقيقة موظفون كادحون يعملون على مدار الساعة. نحن ننتج البيانات ونغذي الخوارزميات دون مقابل، بينما تجني الشركات العابرة للقارات مليارات الدولارات من وراء هذا الجهد المجاني.

يمثل الذكاء الاصطناعي اليوم طبقة استعمارية جديدة تتسم بكونها غير مرئية وتتسلل إلى أدق تفاصيل حياتنا عبر الأجهزة التي نحملها في جيوبنا. إن السيطرة على هذه التقنية تعني امتلاك مفاصل الاقتصاد والقدرة على صياغة ماهية الإنسان وتوجهاته المستقبلية.

تلوح في الأفق مخاطر اجتماعية جسيمة، حيث يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كـ 'مقصلة' قد تطيح بالطبقة الوسطى على مستوى العالم. ومع تراكم الثروات في 'سيليكون فالي'، تتلاشى وظائف المحاسبين والمحامين والمبدعين، مما يخلق فجوة هائلة بين قمة تملك كل شيء وقاعدة لا تملك حق العمل.

لقد نجحت الشركات التكنولوجية فيما فشلت فيه الإمبراطوريات القديمة، إذ أن الاستعمار التقليدي كان يواجه مقاومة شعبية ملموسة. أما استعمار الخوارزميات، فنحن من ندفع ثمنه طواعية، ونغذي أدواته ببياناتنا الشخصية، بل وندافع عن منصاته بشراسة غير مبررة.

تحول الإنسان في المنطقة العربية من مواطن فاعل إلى مجرد مادة خام رقمية تُعالج في الخوادم الغربية والشرقية. نحن نقوم بدور 'السخرة الرقمية'، حيث نمنحهم خرائط عقولنا مجاناً، ليعيدوا بيعها لنا في صورة ذكاء يملي علينا كيف نفكر وماذا نستهلك.

تعاني الدول النامية من تبعية تكنولوجية حادة، فهي لا تصنع النماذج العملاقة ولا تملك الرقائق الإلكترونية المتطورة. هذا الوضع جعلها مجرد سوق استهلاكي وممول للبيانات، مما يكرس انقسام العالم إلى فئتين: دول تملك الذكاء ودول تُدار به.

أصبح احتكار المعرفة الرقمية هو السلاح النووي الجديد في العصر الحديث، حيث تمتلك النماذج الذكية القدرة على توجيه الرأي العام وتحليل سيكولوجية الشعوب. بضغطة زر واحدة، يمكن لهذه القوى التلاعب بالأسواق وتغيير مسارات السياسة الدولية دون الحاجة لطلقة رصاص واحدة.

يثور تساؤل مرير حول موقع المحتوى العربي واللغة العربية في هذا الزخم التكنولوجي العالمي. لماذا نكتفي باستيراد الذكاء كما نستورد القمح والسلاح؟ ولماذا تتحول لغتنا إلى مجرد بيانات تدريب في خوادم أجنبية دون أن نملك مفاتيح التصرف في هويتنا الرقمية.

إن دخول العالم العربي عصر الذكاء الاصطناعي كمستهلك سلبي يمثل جوهر التبعية الحديثة التي تسلم 'مفتاح الروح' للخوارزميات الأجنبية. فمن يمتلك القدرة على صياغة لغتك رقمياً، هو من يحدد في نهاية المطاف كيف تشعر وكيف تعبر عن ذاتك.

الخطر الحقيقي لا يكمن في تفوق الآلة على الإنسان في التفكير، بل في توقف الإنسان عن التفكير وتسليم وعيه لوسيط رقمي بلا أخلاق. نحن نواجه عملية إخصاء فكري جماعي، حيث تُنقل مفاتيح الوعي إلى أنظمة تخدم أهدافاً ربحية وسياسية ضيقة بعيدة عن مصالحنا.

المعركة القادمة لن تكون على الحدود الجغرافية المرسومة، بل ستكون على حدود العقول والسيادة على البيانات. من لا يمتلك ذكاءه الاصطناعي الخاص اليوم، لن يجد له مكاناً في خارطة القرار السياسي أو الاقتصادي في المستقبل القريب.

ختاماً، فإن الخيار أمام المجتمعات العربية بات صفرياً؛ فإما الانتفاض لصناعة تكنولوجيا وطنية تسترد السيادة على العقول، أو الرضا بالبقاء كمستعمرة رقمية هامشية. في هذا العصر، إما أن تكون أنت المبرمج الذي يضع القواعد، أو ستظل مجرد ثغرة في نظام يملكه الآخرون.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 12:18 مساءً - بتوقيت القدس

بين الأسد والشرع: لماذا يفتقد الاحتلال الإسرائيلي نظام 'الحركة التصحيحية'؟

تشهد الأوساط الإعلامية والسياسية في كيان الاحتلال الإسرائيلي حالة من التباين الحاد في التعاطي مع المشهد السوري الجديد، حيث يظهر جلياً حجم الفقد لما كان يتمتع به نظام آل الأسد من قبول وتراضٍ استمر لأكثر من خمسة عقود. فبينما كان نظام 'الحركة التصحيحية' يوفر ضمانات استراتيجية غير معلنة، تجد السلطات الانتقالية الراهنة برئاسة أحمد الشرع نفسها في مواجهة سخط إسرائيلي نابع من فقدان 'الحارس' الأمين لحدود الجولان المحتل.

لقد برع نظام الأسد الابن في تسويق نفسه للغرب والدوائر الصهيونية عبر منصات إعلامية مختارة بعناية، مستخدماً لغة 'العصرنة' والانفتاح لتغطية ممارساته القمعية. ومن خلال مقابلات شهيرة مع صحفيين معروفين بانحيازهم للاحتلال، نجح النظام في ترسيخ سردية مفادها أن بديله هو الفوضى والحرب الأهلية، وهي السردية التي تبناها منظّرون ليكوديون اعتبروا بقاء الاستبداد والفساد ضمانة أمنية لإسرائيل.

ومع سقوط المنظومة الأسدية في ديسمبر 2024، سارعت حكومة بنيامين نتنياهو إلى تغيير قواعد الاشتباك عبر قصف مكثف لمواقع عسكرية كانت قد تجنبت استهدافها لعقود. هذا التحول العسكري يعكس حجم الارتباك الاستخباراتي والسياسي لدى الاحتلال، الذي وجد نفسه مضطراً لمواجهة واقع سوري جديد لا يخضع للتفاهمات القديمة التي صاغها حافظ الأسد عقب حرب تشرين عام 1973.

وعلى الرغم من المراهنات الصهيونية على انزلاق سوريا نحو صراعات طائفية وتقسيمات كيانية بين العلويين والدروز والأكراد، أثبتت الوقائع الميدانية قدرة المجتمع السوري على تجاوز الأزمات المفتعلة. فحتى مع وقوع أحداث أليمة في الساحل والسويداء خلال عام 2025، لم تنجح محاولات التدخل الإسرائيلي في تصنيع سيناريوهات كارثية تؤدي إلى تفكيك الدولة السورية أو تحويلها إلى دويلات متناحرة.

في نهاية المطاف، يبدو أن الشقاق بين دمشق الجديدة وتل أبيب مرشح للتصاعد في ظل تمسك السلطة الانتقالية بقرارها الوطني المستقل بعيداً عن إرث التبعية أو 'حماية الحدود' المجانية. إن المقارنة بين 54 عاماً من الرضا الصهيوني عن عائلة الأسد، وبين عام ونصف من العداء الصريح لأحمد الشرع، تلخص جوهر الصراع القادم وتؤكد أن الأيام المقبلة قد تحمل مفاجآت كبرى في موازين القوى الإقليمية.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 12:18 مساءً - بتوقيت القدس

تحقيق يكشف تفاصيل موقع عسكري إسرائيلي غامض في صحراء العراق

كشف تحقيق استقصائي أجراه فريق متخصص بالتعاون مع مصادر إعلامية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بموقع عسكري غامض في صحراء النخيب غربي العراق. واستند التحقيق إلى تحليل دقيق لصور الأقمار الاصطناعية ومعطيات ميدانية رصدت نشاطاً مكثفاً ظهر واختفى بشكل مفاجئ في منطقة وادي حامر القريبة من النجف خلال شهر مارس الماضي.

وتركزت أعمال البحث في منطقة تقدر مساحتها بنحو 150 كيلومتراً مربعاً، حيث أظهرت الصور الفضائية تغيّرات لافتة في تضاريس المنطقة الواقعة على بعد 180 كيلومتراً غرب مدينة النجف. وأشارت البيانات إلى أن الموقع يقع بالقرب من منشأة يُرجح أنها قاعدة عسكرية قديمة، مما وفر غطاءً مثالياً للتحركات المشبوهة.

وبحسب صور القمر الاصطناعي 'سنتينل-2'، بدأت عمليات تسوية وتمهيد الأرض في قاع ممر مائي جاف يُعرف بوادي حامر بعد تاريخ 24 فبراير. وبحلول الثالث من مارس، أظهرت الصور اكتمال مسار ترابي بهيئة مهبط أو مدرج ميداني مؤقت مخصص لاستقبال الطائرات العسكرية.

ورصدت صور 'بلانت لابز' الملتقطة في الثاني من مارس وجود مرافق مؤقتة وسبعة أجسام ضخمة اصطفت بطريقة منظمة، حيث تتوافق أبعادها مع مروحيات قتالية أو معدات لوجستية كبيرة. وأكد التحقيق أن هذه المؤشرات البصرية تظل ضمن إطار الترجيح القوي لوجود قوة أجنبية تعمل في العمق العراقي.

وتقاطعت هذه المعطيات الفنية مع تقارير ميدانية تحدثت عن نشاط جوي مريب، تسبب في مقتل الراعي العراقي عوض الشمري بعد اقترابه من المنطقة المشبوهة. ونقلت مصادر عن أقارب الضحية أن مروحية مجهولة استهدفت شاحنته بشكل مباشر لمنعه من كشف ما يدور في الموقع.

وبينت المقارنة بين الصور الملتقطة في فترات زمنية متقاربة اختفاء المرافق المؤقتة بحلول السادس من مارس، مع بقاء آثار واضحة لحركة مركبات ثقيلة وطائرات. ويرجح الخبراء أن إخلاء الموقع تم بسرعة فائقة فور انتهاء المهمة الموكلة للقوة المتسللة، قبل أن تمحو العوامل الطبيعية بقية الآثار.

وفي تطور ميداني خطير، تعرضت قوة تمشيط تابعة للجيش العراقي لقصف جوي أثناء محاولتها استطلاع المنطقة في مطلع مارس، مما أسفر عن مقتل جندي عراقي. ورغم توجيه الاتهامات حينها للجيش الأمريكي، إلا أن الأخير نفى بشكل قاطع تنفيذ أي عمليات إنزال أو ضربات في صحراء النجف.

وأكد رئيس أركان الجيش العراقي، عبد الأمير يار الله أن وحدة عسكرية تعرضت بالفعل للقصف ووصلت إلى الموقع في اليوم التالي لتجد أثراً لقوة مجهولة كانت قد انسحبت بالفعل. وحصلت مصادر إعلامية على صور لبقايا ذخائر من موقع الاستهداف تظهر استخدام صواريخ متطورة من طراز 'هيلفاير'.

وأظهر فحص قطع الحطام وجود عبارات تقنية تشير إلى الصاروخ الأمريكي 'AGM-114'، وهو نوع حصلت عليه إسرائيل بكميات كبيرة خلال العام الماضي. ويعزز هذا الدليل المادي فرضية أن القوة التي كانت تتواجد في وادي حامر هي قوة إسرائيلية خاصة نفذت عملية سرية.

ويربط التحقيق بين هذه التحركات وتصريحات سابقة لقائد سلاح الجو الإسرائيلي، تومر بار، الذي أشار إلى عمليات تنفذها وحدات خاصة في مناطق بعيدة وصفها بأنها 'تلهب الخيال'. ويبدو أن صحراء العراق كانت مسرحاً لإحدى هذه العمليات التي تطلبت إنشاء بنية تحتية مؤقتة.

ووفقاً للتحليل الفني، بلغ طول المسار الممهد في الوادي نحو 1700 متر بعرض 50 متراً، وهي مواصفات تسمح بتشغيل طائرات نقل تكتيكية من طراز 'سي-130 هيركوليز'. وتمتلك إسرائيل هذا النوع من الطائرات القادرة على الهبوط والإقلاع من مدارج ترابية غير ممهدة في ظروف جغرافية صعبة.

وتوفر طبيعة وادي حامر المنبسطة والمنعزلة بيئة مثالية لتنفيذ عمليات سريعة بعيداً عن أعين الرصد الراداري والارضي، خاصة مع قربه النسبي من الحدود الإيرانية. ويخلص التقرير إلى أن تراكم الأدلة من صور الأقمار الاصطناعية وبقايا الذخائر يجعل فرضية الموقع الإسرائيلي حقيقة موضوعية.

ورغم اختفاء معظم معالم المهبط بحلول شهر أبريل نتيجة الأمطار والعوامل الجوية، إلا أن التساؤلات لا تزال قائمة حول طبيعة المهمة التي نُفذت. ويبقى الصمت الرسمي العراقي والغموض المحيط بالواقعة يثيران الكثير من التكهنات حول حجم الاختراق الأمني في المناطق الصحراوية الغربية.

اسرائيليات

الجمعة 22 مايو 2026 12:18 مساءً - بتوقيت القدس

إحباط ثلاثي يلاحق ترامب: قراءة إسرائيلية في ملامح المواجهة القادمة مع إيران

رسم الكاتب الإسرائيلي يواف ليمور صورة قاتمة للمواجهة المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن ملامح الحرب القادمة بدأت تتشكل بوضوح. وأشار ليمور في تحليل نشرته صحيفة 'إسرائيل اليوم' إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حسم أمره أخيراً وقرر العودة إلى خيار القتال بعد فترة من التردد. ويرى الكاتب أن هذا القرار نابع من إدراك واشنطن وتل أبيب لصعوبة كسر الإرادة الإيرانية دون توجيه ضربة عسكرية قاصمة.

تحدث ليمور عما وصفه بـ 'الإحباط الثلاثي' الذي يسيطر على تفكير الرئيس الأمريكي في هذه المرحلة الحساسة. ويتمثل الوجه الأول لهذا الإحباط في الفشل بتحويل الإنجازات العسكرية والميدانية الكبيرة إلى مكاسب سياسية ملموسة على طاولة التفاوض. فبدلاً من أن تظهر طهران في موقف الخاضع والمنكسر، تواصل إدارة مفاوضاتها بندية عالية تثير حنق الإدارة الأمريكية.

أوضح التحليل أن الإيرانيين يمارسون سياسة فرض الشروط، مما يجعل واشنطن تبدو في موقف الطرف المطالب بالامتثال بدلاً من الطرف المنتصر. هذا التناقض بين القوة العسكرية والنتائج الدبلوماسية يضع ترامب في مأزق أمام جمهوره وحلفائه. ويبدو أن الرهان على انهيار النظام الإيراني تحت ضغط العقود العسكرية لم يؤتِ ثماره السياسية المرجوة حتى الآن.

أما الجانب الثاني من الإحباط فيتعلق باستنزاف الوقت والجهد الأمريكي في الملف الإيراني على حساب قضايا دولية أخرى. كان ترامب يطمح للانتقال إلى ملفات اقتصادية وتوسعية في مناطق مثل كوبا وغرينلاند، لكنه وجد نفسه عالقاً في رمال الشرق الأوسط المتحركة. هذا الانشغال يعيق خططه لتوزيع ما وصفه الكاتب بـ 'غنائم الحرب' وتوقيع العقود التجارية الكبرى.

تتزامن هذه التوترات مع اقتراب موعد انطلاق كأس العالم الذي تستضيفه الولايات المتحدة بالاشتراك مع كندا والمكسيك بعد أسابيع قليلة. ويمثل هذا الحدث أهمية رمزية كبرى لترامب، خاصة وأنه يترافق مع احتفالات الذكرى الـ 250 لاستقلال أمريكا. وكان من المفترض أن تكون هذه المناسبة منصة للاحتفال بالزعامة الأمريكية المطلقة، لا الانشغال بحرب إقليمية مفتوحة.

يبرز الإحباط الثالث في غياب خطة عسكرية محكمة تضمن نصراً سريعاً وخاطفاً ينهي التهديد الإيراني للأبد. وأفادت مصادر بأن جنرالات البنتاغون لا يملكون ضمانات كافية لتقديم حسم عسكري لا يجر البلاد إلى استنزاف طويل الأمد. هذا التردد العسكري يثير مخاوف ترامب من تراجع شعبيته إلى مستويات قياسية إذا ما تعثرت العمليات الحربية.

حذر ليمور من أن أي مناورات عسكرية غير محسومة قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة بدلاً من حلها، مما يضعف الموقف الأمريكي عالمياً. ويرى الكاتب أن الفشل في تحقيق هزيمة نكراء لإيران سيعطي انطباعاً بالعجز لا يمكن ترميمه بسهولة. إن الخوف من 'نصف انتصار' هو ما يؤرق صانع القرار في تل أبيب وواشنطن على حد سواء في الوقت الراهن.

شدد المقال على أن الإيرانيين يمتلكون قدرة فريدة على تحويل الخسائر المادية والعسكرية إلى انتصارات معنوية وسياسية. ومهما بلغت شدة الضربات التي قد تستهدف جيشهم أو صناعاتهم العسكرية، فإنهم يبرعون في إعادة تسويق صمودهم كقوة إقليمية. هذا السلوك الإيراني يجعل من الصعب على أي قوة خارجية كسر إرادتهم عبر القوة الصلبة وحدها.

أشار الكاتب إلى أن التداعيات الاقتصادية العميقة التي لحقت بإيران لم تمنعها من مواصلة مشروعها الإقليمي وتحدي الإرادة الدولية. ويبدو أن النظام في طهران يراهن على عامل الوقت وتعب الخصوم لتحقيق أهدافه الاستراتيجية. هذا الصمود يضعف من فاعلية استراتيجية 'الضغط الأقصى' التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية.

هناك قلق إسرائيلي متزايد من أن فشل ترامب في حسم المواجهة سيجعل أي رئيس أمريكي مستقبلي يتردد في تكرار المحاولة. فالهزيمة أو التعثر أمام إيران سيعني تثبيت مكانتها كقوة نووية أو إقليمية لا يمكن المساس بها. وهذا السيناريو هو الكابوس الأكبر الذي تسعى الدوائر الأمنية في تل أبيب لتجنبه بكل الوسائل المتاحة.

لفت ليمور إلى أن الجيش الإيراني، رغم الأضرار التي قد تلحق به، سيحول أي مواجهة إلى وسيلة لتعزيز نفوذه المحلي والدولي. إن القدرة على الصمود في وجه القوة العظمى الوحيدة في العالم تمنح طهران شرعية إقليمية واسعة بين حلفائها. وهذا ما يجعل من الحرب خياراً محفوفاً بالمخاطر السياسية التي تتجاوز حدود الميدان العسكري.

تطرق التحليل أيضاً إلى دور الحلفاء الإقليميين وتأثرهم بأي مواجهة مباشرة قد تندلع في المنطقة. فالحرب لن تكون محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستمتد آثارها لتشمل كافة الجبهات المرتبطة بإيران. وهذا التعقيد هو ما يجعل الجنرالات الأمريكيين يطالبون بمزيد من الوقت لدراسة كافة الاحتمالات والردود الممكنة.

ختم ليمور مقاله بالتأكيد على أن اللحظة الراهنة هي الأكثر خطورة في تاريخ الصراع مع المشروع الإيراني. إن قرار الحرب قد اتخذ، لكن آليات تنفيذه وضمان نتائجه لا تزال محل شك كبير داخل أروقة الحكم. ويبقى السؤال المعلق هو مدى قدرة ترامب على كسر 'الإحباط الثلاثي' وتحقيق ما عجز عنه أسلافه.

إن الترقب سيد الموقف في المنطقة، حيث تتجه الأنظار نحو التحركات العسكرية الأمريكية القادمة في مياه الخليج. ومع اقتراب المواعيد الرياضية والوطنية الكبرى في الولايات المتحدة، يبدو أن الهامش الزمني للمناورة يضيق أمام البيت الأبيض. فإما نصر حاسم يغير وجه الشرق الأوسط، أو استنزاف ينهي طموحات ترامب السياسية.

اقتصاد

الجمعة 22 مايو 2026 11:34 صباحًا - بتوقيت القدس

السعودية تجمد عقود الاستشارات الأجنبية لمواجهة العجز المالي وتصاعد التوترات الإقليمية

أوقفت السلطات السعودية إصدار أي عقود جديدة لشركات الاستشارات الغربية الكبرى التي تعمل في السوق المحلية، في خطوة تعكس تحولاً في إدارة السيولة المالية. وشمل القرار تأجيل سداد بعض المستحقات المالية المترتبة على جهات حكومية حتى نهاية الربع الثاني من العام الجاري، وتحديداً إلى شهر تموز/يوليو المقبل، لضمان مراجعة دقيقة لآليات الصرف.

وذكرت مصادر مطلعة أن هذا التوجه يطال عقود الاستراتيجيات ومشاريع الدعم الفني التي كانت تهيمن عليها شركات دولية في السابق. ويهدف القرار إلى إعادة تقييم شروط المشاركة الأجنبية في المشاريع التي تمولها الدولة أو الكيانات شبه الحكومية، مع التركيز على تعزيز دور الشركات المحلية في تنفيذ برامج رؤية 2030.

وتسعى وزارة المالية السعودية من خلال هذه الإجراءات إلى فرض رقابة صارمة على الإنفاق الاستثماري الحكومي في ظل تزايد التحديات الاقتصادية. وتأتي هذه التحركات تزامناً مع تنامي التهديدات الجيوسياسية في المنطقة، مما دفع صانع القرار إلى إعادة ترتيب الأولويات المالية لضمان استقرار الموازنة العامة للدولة.

وأبلغ مسؤولون تنفيذيون في مؤسسات استشارية عالمية، من بينها 'ماكينزي' و'بوسطن للاستشارات' أن الجهات الحكومية تلقت تعليمات واضحة بمنع أي ارتباطات تعاقدية جديدة. وأوضحت المصادر أن أي استثناء من هذا القرار يتطلب الحصول على موافقات مسبقة وخاصة من وزارة المالية مباشرة، مما يعكس مركزية الرقابة المالية في المرحلة الراهنة.

وعلى الرغم من هذه الإجراءات التقشفية، أكدت وزارة المالية السعودية التزامها بالجدول الزمني لسداد الفواتير، نافية وجود أي تأخيرات هيكلية في صرف المستحقات. وأشارت الوزارة إلى أنها نجحت خلال عام 2026 في تسوية نحو 99.5% من المطالبات المالية ضمن الأطر الزمنية المتفق عليها، مشددة على متانة النظام المالي للمملكة.

ويرى خبراء اقتصاديون أن الضغوط الناتجة عن التوترات الإقليمية، بما في ذلك تداعيات الصراع مع إيران وتهديدات الملاحة في مضيق هرمز، سرعت من وتيرة خفض الإنفاق غير الضروري. ويتم توجيه هذه الوفورات المالية نحو القطاعات السيادية والحيوية لضمان أمن المنشآت النفطية والحدود، في ظل بيئة أمنية معقدة تتطلب جاهزية عالية.

وكشفت البيانات الرسمية للميزانية العامة عن اتساع العجز المالي ليصل إلى 125.7 مليار ريال سعودي خلال الربع الأول، وهو المستوى الأعلى المسجل منذ عام 2018. وقد ترافق هذا العجز مع قفزة ملحوظة في مخصصات الإنفاق العسكري والدفاعي بنسبة 26%، مما يعكس حجم الأعباء المالية الإضافية التي تفرضها الظروف السياسية الراهنة.

وتواجه المملكة تحدياً مزدوجاً يتمثل في موازنة الإنفاق الدفاعي مع الالتزامات الزمنية لتطوير البنية التحتية لاستضافة فعاليات عالمية كبرى. وتتضمن هذه الالتزامات تجهيز المنشآت اللازمة لمعرض إكسبو 2030 وبطولة كأس العالم 2034، وهي مشاريع تتطلب تدفقات مالية ضخمة واستقراراً اقتصادياً مستداماً رغم التقلبات الإقليمية.

أحدث الأخبار

الجمعة 22 مايو 2026 11:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تحركات تركية لبناء تحالفات إقليمية لمواجهة نفوذ الاحتلال وتقلبات واشنطن

كشفت تقارير صحفية دولية عن توجه تركي مكثف لتعزيز الحضور الإقليمي عبر ترتيبات أمنية وتحالفات جديدة، تأتي في ظل تحولات حادة تشهدها منطقة الشرق الأوسط. وتنطلق أنقرة في تحركاتها من مخاوف جدية تتعلق بتداعيات الحرب الجارية وتزايد حالة عدم اليقين المرتبطة بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه المنطقة.

وتنظر القيادة التركية، التي تشرف بلادها على حدود مع إيران تمتد لنحو 350 ميلاً، بقلق بالغ إلى احتمالات انسحاب الولايات المتحدة وما قد يخلّفه ذلك من فراغ وفوضى. كما يتزايد القلق التركي من تنامي النفوذ العسكري والسياسي للاحتلال الإسرائيلي، الذي بات يُنظر إليه في أنقرة كمهدد رئيسي للاستقرار الإقليمي.

وفي هذا السياق، برز مفهوم 'الملكية الإقليمية' في الخطاب السياسي التركي، وهو توجه يدعو القوى المؤثرة في المنطقة إلى تولي زمام المبادرة وإدارة أزماتها ذاتياً. ويهدف هذا المفهوم إلى تقليص الاعتماد على التدخلات الخارجية التي غالباً ما تتجاهل خصوصيات المنطقة ومصالح شعوبها.

وترجمت أنقرة هذا التوجه عبر سلسلة من المحادثات الأمنية رفيعة المستوى مع دول وازنة مثل السعودية وباكستان ومصر خلال الأسابيع الأخيرة. وتسعى هذه التحركات إلى بناء جبهة إقليمية قادرة على التعامل مع المتغيرات المتسارعة وحماية المصالح المشتركة في مواجهة الأجندات الدولية.

ونقلت مصادر عن مسؤولين سابقين في حلف 'الناتو' أن أهمية الملكية الإقليمية تكمن في منع القوى الخارجية من التسبب بفوضى عارمة نتيجة عدم فهمها لتعقيدات المنطقة. وأشار هؤلاء إلى أن الولايات المتحدة تمتلك أجندة عالمية لا تتطابق بالضرورة مع أولويات ومصالح الدول الإقليمية، رغم وجود تحالفات رسمية.

وقد ساهمت التطورات الميدانية الأخيرة، لا سيما سقوط نظام الأسد في سوريا وتراجع نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران، في منح أنقرة مساحة أوسع للمناورة. ومع ذلك، فإن إعادة رسم موازين القوى بطريقة عنيفة دفعت تركيا لمحاولة استثمار مخاوف دول الخليج من التهديدات الصاروخية والجوية.

وتشير التقديرات إلى أن أنقرة ترى في تل أبيب التهديد الأكثر إثارة للقلق في المرحلة الراهنة، خاصة مع تصاعد الثقة العسكرية الإسرائيلية عقب العمليات المشتركة مع واشنطن. هذا التصور دفع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للتأكيد على ضرورة تعزيز التضامن بين دول المنطقة لمواجهة هذه التحديات.

وأوضح فيدان في تصريحات صحفية أن دول الشرق الأوسط أصبحت تدرك تماماً عدم جدوى انتظار الحلول من القوى المهيمنة. وشدد على أن الاعتماد على الذات في حل المشكلات الإقليمية أصبح ضرورة استراتيجية لا غنى عنها في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة.

من جانبه، يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تقديم بلاده كطرف وسيط يمتلك القدرة على التواصل مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية. وتستند هذه المحاولات إلى عناصر قوة صلبة، من بينها امتلاك تركيا لثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي وصناعات دفاعية متطورة.

ورغم هذه الطموحات، يرى مراقبون أن أنقرة تدرك حدود قدراتها العسكرية والاقتصادية، مما يجعلها تبحث عن 'تحالفات مصغرة' لتقاسم الأعباء. وتعيش تركيا حالة من الحذر الشديد في بيئة إقليمية بالغة الخطورة، مما يدفعها لتنويع شراكاتها الأمنية والسياسية بشكل مستمر.

وقد أحدثت عودة ترامب إلى البيت الأبيض حالة من الترقب في أنقرة، وسط مخاوف من سياسات أمريكية أكثر تقلباً وانحيازاً للاحتلال الإسرائيلي. وتخشى تركيا من أن تنجذب واشنطن بشكل أكبر نحو الرؤية الإسرائيلية التي تسعى لزعزعة استقرار الدول المنافسة في المنطقة.

وفي المقابل، بدأ الاحتلال الإسرائيلي في تصوير تركيا كعدو استراتيجي جديد، حيث وصف مسؤولون إسرائيليون أنقرة بأنها 'إيران الجديدة'. وتأتي هذه الاتهامات في إطار محاولات التحريض ضد الدور التركي المتنامي وسعيها لتشكيل محور إقليمي يضم قوى نووية مثل باكستان.

وخلصت التحليلات إلى أن صراع النفوذ بين تركيا وإسرائيل مرشح للتصاعد، رغم كونهما حليفين للولايات المتحدة في إطارات مختلفة. ويبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من الاستقطاب في ظل سعي كل طرف لفرض رؤيته لشكل النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

مركز قرار يستضيف لقاء تعريفيا ببرنامج إيراسموس بلس الأوروبي

 استضاف مركز قرار لأبحاث الشأن العام لقاء تعريفيا ببرنامج "إيراسموس بلس"، قدم خلاله مدير المكتب الوطني للبرنامج د. أمير خليل، عرضا للبرنامج والبرامج الفرعية المنضوية فيه، وشروط ومتطلبات الترشح لكل منها؛ وذلك لتشجيع مراكز الأبحاث المسجلة لدى وزارة التربية والتعليم العالي على الاستفادة من فرص التعاون التي تقدمها هذه البرامج. وقد شارك في هذا اللقاء، وجاهة وعن بعد، ممثلون عن وزارة التربية والتعليم العالي، والمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، ومعهد الأبحاث التطبيقية (أريج).

يذكر أن "إيراسموس بلس" هو البرنامج الرسمي للاتحاد الأوروبي لدعم التعليم والتدريب والشباب والرياضة، ويُولي في دورته الحالية اهتماماً محورياً بالشمول الاجتماعي، والتحولين الأخضر والرقمي، وتعزيز مشاركة الشباب في الحياة الديمقراطية، ويشمل مجالات التعليم العالي والتدريب المهني والتبادل الأكاديمي. ولتحقيق أهدافه، يرتكز البرنامج على ثلاثة محاور رئيسية: تنقل الأفراد، والتعاون بين المؤسسات والمنظمات، ودعم تطوير السياسات والتعاون الدولي.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة في ريف إدلب: مقتل 4 أطفال جراء انفجار مخلفات حرب داخل بئر مياه

شهدت قرية أبو حبة الواقعة في ريف معرة النعمان شرقي إدلب فاجعة إنسانية مؤلمة، حيث قُتل أربعة أطفال وأصيب ثلاثة آخرون بجروح متفاوتة الخطورة. وجاءت هذه الحادثة نتيجة انفجار جسم من مخلفات الحرب كان قابعاً في بئر مخصص لتجميع مياه الأمطار، مما حول لحظة لعب عفوية إلى مأساة هزت أركان المجتمع المحلي.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الانفجار وقع عندما كان مجموعة من الأطفال يلهون برمي الحجارة داخل البئر المهجور، مما أدى إلى تحفيز الجسم المتفجر ووقوع الكارثة فوراً. وقد سارعت فرق الدفاع المدني السوري إلى موقع الحادث لانتشال الضحايا وإجلاء المصابين، حيث جرى نقلهم على وجه السرعة إلى المراكز الطبية والمشافي القريبة لتلقي العلاج اللازم.

وتسود حالة من الصدمة والحزن الشديدين بين أهالي القرية والناشطين المحليين، الذين عبروا عن استيائهم من استمرار خطر هذه الأجسام القاتلة التي تتربص بالمدنيين. وتعد هذه الحادثة تذكيراً قاسياً بالثمن الباهظ الذي لا يزال يدفعه السوريون، وخاصة الأطفال، نتيجة سنوات طويلة من النزاع المسلح الذي خلف تركة ثقيلة من المتفجرات.

وتشير التقارير إلى أن حوادث انفجار الألغام والذخائر غير المنفجرة تتكرر بشكل مقلق في محافظات إدلب وحلب ودير الزور، بالإضافة إلى مناطق سورية أخرى كانت مسرحاً للعمليات العسكرية. ورغم توقف المعارك في العديد من الجبهات منذ أشهر طويلة، إلا أن هذه المخلفات لا تزال تشكل تهديداً يومياً يحول دون استعادة الحياة الطبيعية بشكل آمن.

وبحسب تقديرات صادرة عن المرصد الدولي للألغام الأرضية، فإن مخلفات الحرب في سوريا قد تسببت في مقتل وإصابة ما يزيد عن 13 ألف شخص منذ اندلاع الأزمة في عام 2011. وتؤكد الإحصائيات أن الأطفال يمثلون النسبة الأكبر من هؤلاء الضحايا، نظراً لعدم إدراكهم لمخاطر الأجسام الغريبة التي قد يجدونها أثناء لعبهم في الحقول أو الأبنية المهدمة.

وعلى الرغم من الجهود المستمرة التي تبذلها فرق الهندسة والدفاع المدني وبعض المنظمات الدولية لإزالة الألغام، إلا أن اتساع رقعة المناطق الملوثة يمثل تحدياً هائلاً. وتواجه هذه الفرق صعوبات بالغة في الوصول إلى بعض المناطق الوعرة أو تلك التي كانت تمثل خطوط تماس سابقة، مما يبقي خطر الانفجارات قائماً ومتربصاً بالسكان العائدين.

ويتفاقم الخطر بشكل ملحوظ مع عودة الأهالي إلى قراهم وأراضيهم الزراعية التي تعرضت لقصف مكثف في سنوات سابقة، حيث تختبئ الذخائر غير المنفجرة تحت التربة أو داخل المنشآت المدنية. ويطالب ناشطون بضرورة تكثيف حملات التوعية وتوسيع نطاق عمليات التطهير لضمان سلامة المدنيين ومنع تكرار مثل هذه الفواجع التي تفتك بمستقبل الطفولة في سوريا.

عربي ودولي

الجمعة 22 مايو 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

سيناريوهات المواجهة: ترامب يوازن بين خيارات الحرب والاتفاق الصعب مع إيران

يأتي قرار الرئيس الأمريكي بتأجيل الهجوم العسكري الذي كان مقرراً ضد إيران كخطوة تكتيكية استجابة لضغوط من دول الخليج، لكنه لا يلغي احتمالات الصدام الوشيك. وتشير المعطيات إلى أن هذا التأجيل قد يكون هدوءاً يسبق العاصفة، خاصة في ظل الفشل في انتزاع تنازلات إيرانية واضحة بشأن البرنامج النووي وحرية الملاحة في مضيق هرمز.

تعيش الإدارة الأمريكية حالة من التعقيد بعد أربعين يوماً من استخدام القوة غير المسبوقة والحصار البحري، دون الوصول إلى صيغة اتفاق مرضية. ويجري ترامب مشاورات مكثفة مع القيادات الأمنية والعسكرية لبحث بدائل تصعيد الضغط، بينما تترقب إسرائيل هذه القرارات التي ستحدد مسار أمنها الاستراتيجي في المرحلة المقبلة.

يبرز الخيار الأول كأحد أصعب المسارات، وهو التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، وهو أمر يبدو بعيد المنال دون ممارسة ضغوط قصوى. فإيران لا تزال تلوح بورقة إغلاق مضيق هرمز وتهديد إمدادات الطاقة الخليجية، وترفض تقديم أي 'سلم' لترامب يتيح له إعلان إنهاء الحرب بانتصار سياسي.

تتمسك طهران بشروط صارمة للعودة إلى طاولة المفاوضات، على رأسها رفع العقوبات الاقتصادية والاعتراف بدورها في الرقابة على الممرات المائية. ويرى مراقبون أن أي اتفاق يسمح باستمرار تخصيب اليورانيوم، ولو بنسب منخفضة، سيُصنف كفشل استراتيجي لواشنطن وحلفائها في المنطقة.

أما الخيار الثاني فيتمثل في استمرار حصار الموانئ الإيرانية، وهو سلاح ذو حدين ينهك الاقتصاد الإيراني لكنه يهدد استقرار السوق العالمي. فبدون تأمين بديل لنحو عشرين مليون برميل من النفط تمر يومياً عبر هرمز، قد يواجه العالم أزمة طاقة غير مسبوقة تؤدي لاستنزاف الاحتياطيات الدولية.

في المقابل، يبرز خيار كسر الحصار الإيراني بالقوة كاحتمال قائم رغم تراجع ترامب عنه مؤخراً في اللحظات الأخيرة. وتخشى الدوائر السياسية في واشنطن من أن تؤدي هذه الخطوة إلى انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة تستهدف منشآت النفط في دول الخليج، وهو سيناريو يحاول البيت الأبيض تفاديه.

الخيار الرابع يتضمن شن ضربات عسكرية مركزة أو واسعة النطاق تستهدف البنية التحتية للطاقة والكهرباء في إيران. ويهدف هذا المسار إلى إجبار طهران على التنازل، إلا أن الرد الإيراني المتوقع قد يحول الصراع إلى 'حرب طاقة' كبرى ترفع الأسعار لمستويات قياسية وتؤثر على شعبية ترامب داخلياً.

وعلى صعيد آخر، يلوح في الأفق خيار إعلان النصر والانسحاب المفاجئ، على غرار ما حدث في ملفات سابقة. ورغم أن هذا الخيار قد يبدو الأقل كلفة مادياً، إلا أن تبعاته الجيوسياسية ستكون كارثية، حيث ستفرض إيران سيطرتها الكاملة على الممرات المائية الدولية وتتحول إلى قوة عالمية مهيمنة.

تؤكد تقارير إعلامية أن مصادر عسكرية أمريكية وإسرائيلية بدأت بالفعل التحضير لاستئناف العمليات العسكرية هذا الأسبوع. وقد اطلع الرئيس الأمريكي على خطط عملياتية من قيادة 'سنتكوم' تهدف إلى تنفيذ حملة خاطفة وقوية لزعزعة الحسابات الإيرانية وإنهاء حالة الجمود الراهنة.

لقد أصبحت أزمة السيطرة على مضيق هرمز تتصدر الأولويات الأمريكية، متجاوزة في إلحاحها الملف النووي الذي كان السبب الرئيس لاندلاع التوتر. ويعكس هذا التحول إخفاقاً في التقديرات الأولية لإدارة ترامب التي لم تتوقع قدرة إيران على فرض إغلاق كامل للمضيق بهذه السرعة.

في ظل اقتراب أحداث دولية كبرى مثل كأس العالم في الولايات المتحدة، قد يميل ترامب إلى تمديد فترة الحصار الاقتصادي كحل مؤقت. ويأمل البيت الأبيض أن تؤدي الضغوط المعيشية داخل إيران، إلى جانب موقف دولي موحد تشارك فيه الصين، إلى دفع النظام الإيراني نحو التراجع.

لا توجد ضمانات لنجاح سياسة الحصار الطويل، مما قد يضطر واشنطن في نهاية المطاف إلى استخدام القوة العسكرية لفتح المضيق. وتراقب تل أبيب هذه التطورات بقلق، حيث تخشى من إبرام 'اتفاق سيئ' يمنح طهران فرصة للتعافي والعودة لتعزيز برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي.

تتركز المصالح الإسرائيلية بشكل أساسي على إزالة التهديد النووي الذي تعتبره وجودياً، بخلاف القوى العظمى التي تهتم بتدفق الطاقة. ولذلك، تسعى الدبلوماسية الإسرائيلية لإقناع واشنطن بأن الاستقرار العالمي لا يمكن تحقيقه دون حل جذري وشامل للملف النووي الإيراني وتفكيك قدرات طهران العسكرية.

يتطلب الموقف الراهن من إسرائيل تنسيقاً عالي المستوى مع دول الخليج لتشكيل جبهة إقليمية موحدة أمام الإدارة الأمريكية. ويرى المحللون أن تعديل السياسات في ساحات أخرى مثل غزة ولبنان قد يكون ضرورياً لتعزيز هذا التحالف وضمان عدم انفراد واشنطن بقرار قد يضر بأمن المنطقة على المدى البعيد.

فلسطين

الجمعة 22 مايو 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع ملحوظ في غارات الاحتلال جنوبي لبنان وقائد الجيش يؤكد الصمود أمام التشكيك

صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من استهدافها الممنهج للكوادر الطبية والمنشآت الصحية في جنوب لبنان، حيث شنت مقاتلات حربية غارة ليلية عنيفة استهدفت بلدة حناوي في قضاء صور. وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف طال نقطتين تابعتين للهيئة الصحية الإسلامية، مما أسفر عن ارتقاء أربعة شهداء وإصابة اثنين آخرين في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع.

يأتي هذا الاستهداف ضمن سلسلة من الهجمات التي تستهدف المسعفين بشكل متكرر منذ أشهر، حيث تشير الإحصائيات إلى استشهاد أكثر من 120 مسعفاً لبنانياً جراء الغارات الإسرائيلية. وكان الاحتلال قد دمر قبل أيام مركزاً صحياً حيوياً في منطقة المعشوق بمدينة صور، كان يقدم خدمات رعاية أساسية لآلاف المواطنين في المنطقة.

على صعيد متصل، سجلت الساعات الماضية تراجعاً لافتاً في وتيرة الغارات الجوية الإسرائيلية، حيث بلغت نحو 13 غارة فقط مقارنة بالمعدلات السابقة التي كانت تتراوح بين 30 و40 غارة يومياً. هذا الانخفاض المفاجئ أثار جملة من التساؤلات في الأوساط السياسية ببيروت حول الدوافع الكامنة وراء هذا الهدوء النسبي وتوقيته الحساس.

وربطت مصادر مراقبة هذا التراجع باحتمالية وجود حراك سياسي أو أمني يجري بعيداً عن الأضواء، خاصة مع اقتراب موعد لقاء عسكري مرتقب في واشنطن. ومن المقرر أن يضم اللقاء وفوداً عسكرية في مقر البنتاغون نهاية الشهر الجاري، وسط تكهنات بارتباط ذلك بمسارات تفاوضية إقليمية أوسع تشمل ملفات دولية.

ميدانياً، لم يتوقف القصف المدفعي الذي طال عدة بلدات حدودية، فيما نفذت قوات الاحتلال عمليات تفجير لمنازل سكنية في بلدة الخيام. ورصدت عدسات الكاميرات تصاعد أعمدة دخان كثيفة من داخل بلدة الناقورة، مما يعزز الفرضيات حول استهداف المقاومة لآلية عسكرية أو دبابة تابعة لجيش الاحتلال في تلك المنطقة.

في المقابل، أعلن حزب الله عن تنفيذ 16 عملية عسكرية استهدفت مواقع وتجمعات لجنود الاحتلال على طول الخط الحدودي. واستخدمت المقاومة في هجماتها المسيرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة، مؤكدة تحقيق إصابات مباشرة في مناطق البياضة ورأس الناقورة ودير سريان، رداً على الاعتداءات المستمرة ضد المدنيين.

وفي سياق المواقف الرسمية، وجه قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل رسالة حازمة بمناسبة ذكرى المقاومة والتحرير، عُرفت بـ 'أمر اليوم'. وأكد هيكل أن المؤسسة العسكرية تتعرض لحملات تشكيك واتهامات بالتقصير، مشدداً على أن هذه الضغوط لن تثني الجيش عن القيام بواجباته الوطنية في حماية الأرض والشعب.

وأوضح قائد الجيش أن العسكريين يبذلون أقصى طاقاتهم في ظل ظروف ميدانية وأمنية بالغة التعقيد، لمواجهة تداعيات العدوان الإسرائيلي المستمر. وأشار إلى أن الجيش يواصل تنفيذ مهامه العملياتية في الجنوب رغم الأخطار المحدقة، مؤكداً أن المؤسسة ستبقى متماسكة وقوية في وجه كل التحديات الراهنة.

تأتي تصريحات هيكل في وقت حساس، عقب صدور قرارات أمريكية بفرض عقوبات على شخصيات لبنانية، شملت ضباطاً في الجيش بتهم تتعلق بتقديم معلومات استخباراتية. واعتبر قائد الجيش أن مثل هذه الضغوط تهدف لزعزعة الاستقرار الداخلي، مشدداً على أن الجيش سيبقى السد المنيع أمام أي مؤامرات تستهدف السلم الأهلي.

وشدد العماد هيكل في خطابه على أن الوحدة الوطنية هي السلاح الأقوى الذي يمتلكه لبنان في مواجهة الأزمات، داعياً العسكريين إلى الحفاظ على جهوزيتهم ومعنوياتهم العالية. وأكد أن تضحيات الشهداء والجرحى من أبناء المؤسسة العسكرية هي الضمانة الأساسية لحماية السيادة اللبنانية وصون كرامة المواطنين.

وتشهد المناطق الحدودية في القطاعين الأوسط والغربي تحليقاً مكثفاً لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية، رغم انخفاض عدد الغارات القتالية. وتراقب الأوساط اللبنانية بحذر التطورات الميدانية، بانتظار ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية الدولية الرامية إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.

ختاماً، يبقى المشهد في جنوب لبنان مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بين تصعيد ميداني يستهدف البنى التحتية الصحية وبين ترقب لنتائج المحادثات العسكرية في واشنطن. وتستمر معاناة القرى الحدودية مع تواصل القصف المدفعي، في ظل إصرار لبناني رسمي وشعبي على التمسك بحق الدفاع عن الأرض ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

حِين يَصبح البَحر مساحةً للتضامُن الإنساني

لم تعد سفن"أسطول الحرية والصمود - فلوتيلا " وموجات التضامن القادمة من شعوب العالم نحو غزة، او حتى في بلادهم من مظاهرات الاحتجاج والتضامن مجرد مبادرات رمزية عابرة، بل أصبحت تعبيراً عميقاً عن يقظة إنسانية عالمية تتجاوز الحدود والقوميات والانتماءات السياسية والدينية، وباتت فلسطين مُكونا من فكر أممي أصبح يتصدر برامج الأحزاب التقدمية واليسارية حول العالم اليوم.

فهؤلاء الذين جاؤوا من بلدان مختلفة، حاملين المساعدات والضمير الإنساني معاً، أو أولئك الذين يواجهون مظاهر عنف من أجهزة قمع في أوروبا والولايات المتحدة لمجرد تضامنهم مع شعبنا وفي معاداة الابرتهايد والإبادة الجماعية والاحتلال كجريمة، لم تدفعهم مصالح خاصة أو حسابات ضيقة، بل دفعتهم قناعة أخلاقية ومبادئ فكرية سياسية بأن الوقوف إلى جانب شعب يتعرض للاحتلال والحصار والتجويع والقتل هو واجب إنساني قبل أي شيء آخر.

ومن هنا، لم يكن اعتراض الاحتلال الإسرائيلي لتلك السفن في عرض البحر وفي اكثر من مرة، واعتقال المتضامنين والتنكيل بهم ونشر مشاهد إذلالهم بتعليمات الفاشي بن غفير وحكومته، مجرد إجراء أمني كما يدّعون، بل محاولة لمعاقبة فكرة التضامن نفسها، ولتوجيه رسالة ترهيب لكل من يفكر بأن يكون جزءاً من هذا الصوت الإنساني العالمي المتصاعد دفاعاً عن فلسطين، وهو ما يتفق مع القرار الأمريكي أمس الأول باعتبار الجهة القائمة على اسطول الحرية والصمود منظمة إرهابية.

لكن المفارقة أن هذه المشاهد كشفت شيئاً أعمق بكثير مما أراده الاحتلال، فقد أظهرت أن العالم لا ينقسم فقط بين حكومات وتحالفات ومصالح، بل أيضاً بين شعوب حية ما زالت تؤمن بالعدالة والحرية وكرامة الإنسان، وبين منظومات استعمارية وعنصرية تسعى إلى تكريس الهيمنة بقوة الحروب والحصار والكراهية والتطهير العرقي، مما قد يفسر من جهة أخرى اتساع تاثير أجنحة تقدمية في أحزاب محافظة كالحزب الديمقراطي بالولايات المتحدة وبعض احزاب الوسط الأوروبية التي باتت تطالب باعادة النظر في مستوى العلاقات مع اسرائيل وتدعو الى اسقاط نظام الفصل العنصري فيها والى إنهاء الاحتلال، بل ان الدعم المطلق لإسرائيل لم يتبقى محل إجماع حتى في اوساط اليمين الامريكي وحتى الأوروبي اليوم.

ورغم وجود من يشكك بجدوى هذه المبادرات لأنها لا تكسر الحصار مباشرة أو لا تغيّر موازين القوى فوراً، إلا أن قيمة التضامن بين الشعوب لا تُقاس فقط بالنتائج المادية الآنية. فالتاريخ يعلمنا أن نضالات التحرر الكبرى لم تنتصر بالسلاح وحده، بل أيضاً بتراكم الوعي العالمي، وبقدرة الشعوب الحرة على عزل أنظمة الاستعمار والعنصرية أخلاقياً وسياسياً وإنسانياً، كما حصل مع جنوب افريقيا وفي حرب فيتنام وغيرها حول العالم.

وفي المقابل، قد يكون من الضروري أيضاً أن نمارس شيئاً من النقد الذاتي الهادئ تجاه أنفسنا نحن كفلسطينيين، فهؤلاء المتضامنون الذين يأتون من أقاصي العالم، ويخاطرون بحريتهم وأمنهم ومستقبلهم من أجل فلسطين، يستحقون أكثر من مجرد الترحيب العاطفي أو التغطية الإعلامية المؤقتة إن وجدت. إنهم يحتاجون إلى احتضان سياسي ومعنوي وإنساني، وإلى بناء علاقات مستدامة معهم ومع الحركات الشعبية والأحزاب التقدمية التي يمثلونها، بوصفهم شركاء حقيقيين في معركة الحرية والعدالة، لا مجرد متضامنين عابرين.

كما أن من واجبنا تطوير خطابنا وأدواتنا بما ينسجم مع هذا التحول العالمي المتنامي في الرأي العام، وأن نحسن مخاطبة الشعوب والقوى الحية في العالم بلغة تضامنية إنسانية جامعة، بعيداً عن الانقسامات والخطابات التقليدية المغلقة. فالمعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل أيضاً على الوعي والرواية والقيم الإنسانية التي تجمع شعوب العالم حولها.

إن سفناً صغيرة تواجه آلة عسكرية ضخمة قد لا تغيّر الواقع دفعة واحدة، لكنها تغيّر شيئاً بالغ الأهمية، إنها تعيد الاعتبار لفكرة الإنسان في مواجهة التوحش، ولإمكانية التقاء الشعوب حول قيم الحرية والعدالة، في عالم تحاول قوى الهيمنة أن تدفعه نحو مزيد من الأنقسام والخوف والكراهية.

ولهذا، فإن التظاهرات التضامنية الواسعة في مدن العالم و"أساطيل الحرية والصمود " ليست مجرد قوارب في البحر، بل رسالة عالمية تقول إن فلسطين لم تعد قضية شعبنا وحده، بل قضية ضمير إنساني عالمي يرفض أن يصبح الظلم أمراً عادياً أو أن يتحول الصمت إلى شراكة مع جريمة المُحتل.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

الرجل الذي أحيل إلى التقاعد

منذ أن أُحيل إلى التقاعد، بات يقف إلى جانب المعارضة، شديد الانتقاد، غير راضٍ عن شيء، وفي كل مرة نلتقي أسمعه يتهكم على بعض القرارات والسياسات. ثمة شيء يثير فيه هذا الغضب الذي يخفيه وراء كومة الانتقادات، هو بكل تأكيد عتبه الشديد على قرار إحالته إلى التقاعد، فعمره لم يصل السن القانوني، إلا أن المرسوم الأخير كان قد هبط سنوات ليشمل من هم في عمره.

صباح الخير يا صاحبي،

هل أدركت أن الأشياء لا تدوم إلى الأبد؟ وهل فهمت الآن مقولة: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك؟ وهل عرفت أن ما كنت تسميها صداقات، ليست أكثر من علاقات مؤقتة ستنتهي بمجرد تقاعدك، وها هي قد توقفت عن السؤال عنك؟

أسمعك تشتمني بصمت، وأنت تسمعني أقول ما لا يعجبك من كلام.

هدِّئ من روعك قليلًا، وردَّ لي تحية الصباح.

حتى الأسبوع الماضي ظل يعتقد أن ورود اسمه في كشف التقاعد مجرد خطأ، وأنهم سيقومون بتعديله فور الانتباه إليه، بيد أنه أيقن أن ذلك لن يحدث بعد أن قام بالاتصال بصديقه المسؤول، الذي تجاهل الرد على اتصاله.

زفر بشدة، وقال: اللعنة عليه، وهو يغلق الهاتف بغضب.

يتدخل صديق آخر ساخرًا وضاحكًا، فيزداد غضبًا صاحبنا المتقاعد حديثًا.

ماذا تفكر، يسأله وينتظر الإجابة.

السفر هو الحل الوحيد، فهذه البلاد لم تعد تناسبنا نحن الأتقياء. هل أنت جاد فيما تقول؟ وهل هذا الوقت متاح للمزاح؟ يجيب. لقد فهمت المعادلة متأخرًا، لكن بعد فوات الأوان فلا تعتب ولا تعاتب، وخذ من حكمة الأجداد ما يدفع عنك الحزن، وما يبعث فيك الأمل، وما يطرد عنك الترهات.

وماذا قالوا؟

أعاد صديقنا ضحكته الساخرة قائلًا: اسأل شات جي بي تي عن حكمة الأحفاد. فما نفع حكمة الأجداد بعد التقاعد!

يزداد غضب الرجل الذي أحيل إلى التقاعد، ويقرر أن يغادر.

وسط واقع متعثر وصعب تصير فكرة النجاة مستحيلة، ويكون كل حوار نذير بؤس وتشاؤم، ومع مرور الأيام فإن مآلات المستقبل تصبح مجهولة غير واضحة، وفي ظل ما يحدث فإن الحكم على الأشياء من زاوية دون النظر إلى الزوايا الأخرى فكرة غير عادلة، وإن كان البعض محقًا في شكواه.

يعود إلى مقعده الدائم في الزاوية التي لا تطل على شيء ليجد نفسه بعد التقاعد متكاسلًا، فاقدًا الشغف، ولا يمل الشكوى والانتقاد. بين الفينة والأخرى يتصفح هاتفه ويطالع الصفحات الالكترونية، وهو يتنقل بين مجموعة واتس آب وصفحات الفيس بوك ومواقع الأخبار.

الرجل الذي أحيل إلى التقاعد، دخل إلى غرفة نومه ونام حتى سمع صوت المنادي للصلاة، فقام وتوضأ وتوجه نحو القبلة في خشوع واستعاذ من شياطين الجن وشياطين الإنس وشياطين الحكومات.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس

الجبهة اللبنانية.. من معركة الإسناد إلى استنزاف العقيدة العسكرية الإسرائيلية

لم تعد الجبهة اللبنانية مع الاحتلال الإسرائيلي مجرد جبهة إسناد عسكري أو ساحة اشتباك محدودة ضمن الصراع الدائر في المنطقة، بل تحولت خلال المرحلة الأخيرة إلى واحدة من أكثر ساحات المواجهة تعقيداً وتأثيراً في الحسابات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، فالمواجهات الممتدة على الحدود اللبنانية مع دولة الكيان، لم تعد تُقرأ باعتبارها عمليات ضغط متبادل أو حالة استنزاف موضعية، بل أصبحت عاملاً استراتيجياً يفرض تحديات عميقة على المنظومة الأمنية الإسرائيلية وعلى العقيدة العسكرية التي حكمت تفكير المؤسسة الحاكمة لعقود طويلة.

قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ تأسيس دولة الاحتلال على مجموعة مرتكزات وضع أسسها دافيد بن غوريون، تقوم على الإنذار المبكر، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، وتحقيق الحسم السريع، ومنع استنزاف الجبهة الداخلية في حروب طويلة، غير أن ما تشهده الجبهة اللبنانية خلال الفترة الأخيرة يعكس تحولاً واضحاً في طبيعة التهديدات وفي شكل المواجهات العسكرية الحديثة.

فالمواجهة الدائرة على امتداد الحدود أعادت طرح أسئلة عميقة حول قدرة التفوق العسكري والتكنولوجي وحده على ضمان السيطرة الكاملة على الميدان، لقد دخلت الحرب مرحلة مختلفة، لم تعد فيها القوة النارية التقليدية وحدها العامل الحاسم، بل برزت أدوات جديدة تقوم على الاستنزاف طويل الأمد، وإرباك المنظومات الدفاعية، وتعطيل القدرة على بناء صورة استخبارية متكاملة.

لقد فرضت الجبهة اللبنانية واقعاً عملياتياً معقداً على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث باتت الطائرات المسيّرة، والعمليات المركبة، وأدوات الحرب الإلكترونية، وتكتيكات الاستنزاف التدريجي، عناصر مؤثرة في إعادة تشكيل المشهد الأمني، ومع تصاعد الضغوط الميدانية، ظهرت تحديات متزايدة تتعلق بقدرة المنظومات الدفاعية والاستخبارية على مواكبة نمط قتال أكثر مرونة وتعقيداً.

وفي هذا السياق، برز استهداف أدوات الرصد والمراقبة والإنذار المنتشرة على طول الحدود باعتباره أحد أبرز ملامح التحول القائم، فالحروب الحديثة لم تعد تقوم فقط على تدمير الأهداف العسكرية المباشرة، بل باتت تعتمد أيضاً على إضعاف قدرة الخصم على الرؤية والتحليل واتخاذ القرار في الوقت المناسب، وكلما تعرضت أدوات المراقبة والوعي الاستخباري للضغط أو الاستنزاف، ازدادت صعوبة إدارة المعركة بكفاءة عالية.

كما أن استمرار المواجهة على الجبهة اللبنانية لا ينعكس على الجانب العسكري فقط، بل يمتد ليشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وسياسية داخل إسرائيل، فالحروب الممتدة تفرض أثماناً متراكمة، وتزيد من الضغوط على الاقتصاد، وترفع منسوب القلق داخل الجبهة الداخلية، وتضع القيادة السياسية والعسكرية أمام معادلات أكثر تعقيداً بين خيار التصعيد الواسع أو استمرار الاستنزاف طويل الأمد.

وتكشف تطورات الجبهة  اللبنانية أيضاً عن تحول أوسع في طبيعة الصراعات المعاصرة، فامتلاك أحدث الطائرات وأكثر منظومات الدفاع تطوراً لا يضمن بصورة مطلقة القدرة على منع الاختراقات أو احتواء جميع التهديدات، خصوصاً مع تطور أدوات القتال غير التقليدية منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

لقد أعادت الجبهة اللبنانية فرض نفسها باعتبارها أحد أهم عناصر التأثير في المشهد الإقليمي، ليس فقط بسبب طبيعة المواجهة العسكرية الجارية، بل لأنها تضع واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية تطوراً أمام اختبار مستمر يتعلق بالقدرة على التكيف مع واقع قتالي متغير، يتجاوز المفاهيم التقليدية للحروب.

وفي ظل استمرار المواجهة، تبدو الجبهة اللبنانية أكثر من مجرد حدود مشتعلة؛ إنها ساحة تعاد فيها صياغة قواعد الاشتباك، وتختبر فيها العقائد العسكرية، وتتغير فيها موازين التأثير، بما قد يحمل تداعيات استراتيجية عميقة على مستقبل الصراع في المنطقة بأسرها.

وفي المحصلة، لا تبدو الجبهة اللبنانية مجرد تفصيل عسكري عابر في مشهد إقليمي مشتعل، بل تحولت إلى مساحة اختبار حقيقية لحدود القوة وحدود الردع وحدود القدرة على فرض المعادلات بالقوة العسكرية وحدها،  فحين تدخل الحروب الطويلة مرحلة استنزاف الإرادات، تتراجع حسابات التفوق التقليدي لصالح معادلات أكثر تعقيداً، يصبح فيها الصمود عاملاً حاسماً، والقدرة على التكيف جزءاً من معركة البقاء، والوقت نفسه سلاحاً يغيّر موازين القوة ، وما يتشكل اليوم على الحدود اللبنانية الفلسطينية لا يعيد رسم مشهد المواجهة الراهنة فقط، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في الصراع، تتآكل فيها يقينيات قديمة، وتولد وقائع استراتيجية مختلفة، ستكون آثارها أبعد من حدود الميدان وأكثر عمقاً من نتائج المعارك المباشرة.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 10:31 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد انتخابات فتح وحماس ..هل من استراتيجيات جديدة ؟

انتهت فتح من عقد مؤتمرها الثامن وجاءت نتائج انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري بخليط من القيادات القديمة وبعض القيادات الجديدة  والتي لم تكن ضمن هيكلية اللجنة المركزية  أو المجلس الثوري مع أن التجديد في الهياكل التنظيمية لم يسر حسب الأسس الواردة في النظام الأساسي، ومع ذلك حققت فتح الحد من الديموقراطية لتحديث الهياكل التنظيمية العليا دون الأقاليم ولم تعيق التجاوزات الحركية وتغير منهجية عقد المؤتمرات واليات اختيار أعضاء المؤتمر التي وردت في النظام الاساسي للحركة إنجاح المؤتمر وهنا أصبحت الهياكل التنظيمية للحركة أمام متطلبات واستراتيجات كبيرة ومعقدة لمواجهة التحديات الحركية والوطنية والسياسية، أولها اعتماد استراتيجيات وطنية حقيقية تنهي حالة الانقسام الوطني وترمم مسارات التحرر من أجل الاستقلال والحرية واعتماد استراتيجية موحدة لذلك تقودها فتح بالتفصيل وطنيا وجماهيريا، وبالتالي استعادة وحدة الشعب الفلسطيني التي باتت حلم الكل الفلسطيني تماما كحلم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. لعل تحقيق إنهاء الانقسام الكارثي يشكل خطوة أولى لوحدة النظام السياسي الفلسطيني بعيدا عن المحاصصات التي غالبا ما تفسد التوجه نحو تحقيق المشروع الوطني ولعل أمام القيادة الجديدة في فتح متطلب مهم وهو إنهاء حالة التيارات والتشرزمات داخل الحركة والظهور أمام العالم والجماهير الفلسطينية بمظهر الحركة الأم التي هي صمام الأمان لكل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني وتقود الجميع الفلسطيني نحو التحرر والاستقلال. إن أهم خطوة مطلوب تحقيقها بان يجمع الكل الفتحاوي على قرار وطني نابع من التوجه الجماهيري للحركة اي من الأطر القاعدية. أن تبنى قيادة فتح المحدثة استراتيجية بناء وطني شامل تحقق الوحدة الوطنية وتنهي الانقسام وتمتن الصف الوطني حفاظا عن مقدرات الوطن والمواطن التي باتت تدمر كل يوم بسبب بحث الفصائل الفلسطينية عن الذات وليس الوطن أو المواطن هي من أهم الاستراتيجيات المطلوب بناؤها، ولعل امتلاك الفلسطينين قرار السلم والحرب من شأنه أن يحقق مسارا نضالىا تحرريا قليل المخاطر وفي ذات الوقت يحقق نتائج وطنية كبيرة في زمن قصير نسبيا، قياسا مع الأزمان التي مر بها مسار النضال من أجل التحرر والاستقلال. لعل هذا هو من أهم ما تناضل من أجله فتح على مدار سنوات  وهو وأد الانقسام الذي تسبب بالالم  وكوارث مدمرة للشعب الفلسطيني، وقد تكون هذه الحرب التي كبدت الفلسطينيين خسائر مادية ومعنوية وبشرية كبيرة هي أحد هذه الآلام. لعل أمر  هام كمهمة ضرورية أمام الحركة وهو إعادة إعمار القطاع على اساس جيوسياسي فلسطيني  بما يحفظ وحدة جغرافية القطاع دون أن تحقق اسرائيل هذا الهدف الذي تسعي اليه ضمن الأهداف الاستراتيجية للحرب على غزة .

حركة حماس في المقابل باتت قاب قوسين أو أدنى من الانتهاء من انتخاباتها واختيار رئيس للحركة وبالطبع رئيس للحركة على مستوى غزة ومستوى الضفة والخارج وبالطبع الكل ينتظر الجديد من استراتيجيات العمل الوطني للحركة بعيدا عن البحث عن الذات والصراع من أجل  البقاء لان استراتيجيات العمل الوطني الذي قد تتبناها الحركة يمكن أن تعزز بقائها السياسي كحركه فاعلة في النظام السياسي الفلسطيني واول هذه الاستراتيجيات استراتيجية أنها الانقسام والعودة للصف الوطني والعمل مع الكل الفلسطيني لحماية مقدرات الوطن والمواطن من خلال إبقاء قرار السلم والحرب بيد الشعب الفلسطيني وهذا بالطبع يمكن أن يمتن الثميل السياسي و يأتي بنتائج تعود بالنفع على المجموع الوطني  وليس لأجل حزب سياسي واحد أو حركة واحدة تأخذ الفلسطينين لمواجهة غير محسوبة النتائج  على كافة المستويات. أن استراتيجية  المواجهة الموحدة مع المحتل بإمكانها أن تدشن مسار تحرري حقيقي يتم دعمه من قبل كافة حركات التحرر العالمية  والدول المؤيدة للنضال الوطني الفلسطيني وبإمكانها أن تقلل في ذات الوقت الخسائر والاثمان الوطنية التي تدفع بالمقابل. إذن فإن أمام قيادات الحركة الجدد أن يختاروا الان أما البقاء في مربع المحاولة والخطاء والتسبب بكوارث متسليلة للشعب الفلسطيني أو الانتقال الى مربع الجهد الجماعي والنضال المشترك والموحد لمواجهة المحتل الذي استغل هذه الحرب ليحقق اهداف استراتيجية ما كان ليحققها لولا التفرد بالقرار الفلسطيني والذي كان سببا  لهذه الحرب الوحشية. أن تبني الحركة مسار سياسي شامل يمكنه أن يحقق اهداف الحركة  للبقاء  والتطور والاستمرار داخل المكون السياسي الفلسطيني  وهذا يحتاج من قادة الحركة أن لا يستنزفزا تفكيرهم داخل الصندوق يدوروا في دائرة نصف قطرها مصلحة الحركة واعضائها ومنتسبيها والبرمجة مع أطراف إقليمية أخري  ليس لها علاقة بالشأن الفلسطيني .  أن الطريق أمام الحركة مازالت وعرة حتي بعد اختيار رئيس جديد للحركة الذي اعتقد انه  سيكون ضمن الأهداف الاسرائيلية لأن  الاحتلال مازال  يتوعد بتصفية  كافة قيادات الحركة إن لم تغير الحركة  استراتيجية المواجهة وتتخلي عن سلاحها  وبالتالي فإن الفرصة اليوم متاحة أمام الحركة لاتخاذ خطوة واحدة باتحاة  العمل  من خلال استراتيجيات وطنية  مشتركة أهمها الاتفاق على  استراتيجية مواجهة واحدة  تندمج فيها الحركة مع الهيكل التمثيلي الفلسطينين المتمثل في (م ت ف)، وفي ذات الوقت يعترف العالم  بهذه المقاومة وكل ادوات المواجهة مع المحتل ولا تتهم في ذات الوقت بممارسة الإرهاب حسب زعم اسرائيل المعتاد  ومن خلال هذه الاستراتيجيات يمكن التحدث بلغة واحدة يفهمها العالم  وبالتالى يكون القرار الوطني  واحد وذو أبعاد استراتيجية و وطنية .  أن أهم استراتيجية يتطلع إليها الكل الفلسطيني اليوم الى جانب استراتيجية توحيد جبهة الاشتباك مع المحتل ومواجهة برامجه التصفوية هي استراتيجية اخراج الشعب الفلسطيني من الكارثة التى المت به نتيجة لهذه الحرب الوحشية وهذه الاستراتيجية لا يمكن لها أن تنجح إلا إذا عادت الحركة للصف الوطني وشكلت فريق تفاوضي من الكل الفلسطيني يفاوض من أجل إنهاء الحرب ورحيل الاحتلال عن غزة   وإعادة أعمارها وفي ذات الوقت وقف عملية الضم الصامت في الضفة الغربية و الذي يتم توجيهه الان من قبل وزراء حكومة الائتلاف المتطرفين والذين يسابقوا الزمن لتوفير كل الدعم المالي و العملياتي للمستوطنين الإسرائيليين لتنفيذ مخططات استيطانية تجعل منه اساسا استراتيجيا اسرائيلىا يجعل  قيام دولة فلسطينية على حدود العام ١٩٦٧ أمرا مستحيلا.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 10:30 صباحًا - بتوقيت القدس

ما بعد الشهادة... التعلم كمسار للحياة

يرتبط الوجود الإنساني بفعل التعلّم بوصفه المسار الذي تتشكل عبره علاقة الإنسان بالعالم. غير أن النموذج التعليمي الحديث اختزل هذه العملية داخل نموذج الشهادة، ونظّم المعرفة ضمن مسارات مغلقة تنتهي عند حدود التأهيل الأكاديمي والاندماج المهني، بوصفهما التعبير الأكثر شيوعاً عن الكفاءة والجاهزية الاجتماعية.

ومع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، وما رافقها من تغير مستمر في أنماط العمل وتشكّل المعرفة، بدأت الفلسفة التعليمية المعاصرة بمراجعة فكرة الاكتمال المعرفي، فأصبحت القدرة على التعلم وإعادة التكوين جزءاً من شروط التكيف مع عالم سريع التحول في المعرفة والعمل، في عالم تتراجع فيه مركزية الشهادة الثابتة لصالح المهارة المتجددة والتعلم المستمر.

أولاً: التحول في فلسفة التعليم– من الشهادة إلى التعلم المستمر

لم تعد الشهادة الأكاديمية تمثل المحطة النهائية للرحلة التعليمية أو المرجعية الوحيدة لتحديد الكفاءة المهنية؛ إذ يشهد النظام التعليمي المعاصر تحوّلاً تدريجياً من النموذج الخطي التقليدي القائم على الفصل بين التعليم والعمل، إلى نموذج أكثر تركيباً ومرونة يقوم على التداخل المستمر بين بناء المعرفة والخبرة المهنية وإعادة التعلم، بما يعيد تشكيل العلاقة بين التعلم بوصفه مساراً ممتداً والحياة المهنية بوصفها فضاءً لإنتاج المعرفة وتطويرها.

ضمن هذا التحول، أصبح التخرج نقطة انتقال داخل مسار معرفي مفتوح، يتطلب تحديثاً مستمراً للمهارات والمعارف. وقد انعكس ذلك في السياسات التعليمية الحديثة التي تسعى إلى بناء مجتمعات تعلم مستمرة قادرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. وفي هذا السياق، تمثل سياسة "استحقاق التعلم مدى الحياة" في المملكة المتحدة نموذجاً يعكس هذا التوجه؛ إذ تتيح مسارات تمويل مرنة تمكّن الأفراد من العودة إلى التعليم في مراحل مختلفة من حياتهم المهنية، بما يسمح بتطوير المهارات وتنمية مؤهلات جديدة وفق متطلبات سوق العمل والتحولات المتسارعة في الاقتصاد المعرفي.

ثانياً: صعود المهارة بوصفها معياراً جديداً للقيمة

يشهد سوق العمل تحولاً متسارعاً في معايير تقييم الكفاءة المهنية؛ حيث تراجعت مركزية الشهادة التقليدية لصالح المهارة القابلة للتطبيق والتحديث المستمر. ويرتبط هذا التحول بإعادة تشكيل بنية الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة الرقمية والابتكار والتكنولوجيا المتغيرة. ضمن هذا السياق، بدأت قطاعات واسعة، خاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، بإعادة النظر في الاعتماد الحصري على المؤهلات الأكاديمية التقليدية، مع تصاعد الاهتمام بالقدرة العملية على الإنجاز والتكيف والتعلم السريع.

وتكتسب المهارة في هذا النموذج قيمة متجددة بحكم ارتباطها المباشر بالتغيرات التقنية وسياقات العمل المتحولة، الأمر الذي جعل إعادة التأهيل المهني ورفع المهارات جزءاً أساسياً من السياسات المرتبطة بتطوير القوى العاملة. كما أدى ذلك إلى إعادة تنظيم العلاقة بين التعليم والعمل، بحيث أصبح التعلم ممتداً داخل المسار المهني نفسه، ومتداخلاً مع التحولات اليومية في بيئة الإنتاج والمعرفة.

ثالثاً: التعلم مدى الحياة والتحول البنيوي في سوق العمل

أدت التحولات المرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر إلى تسارع غير مسبوق في تغير المهارات المطلوبة داخل سوق العمل، وهو ما وسّع الفجوة بين مخرجات التعليم التقليدي ومتطلبات الاقتصاد المعاصر. وتواجه الأنظمة التعليمية صعوبة متزايدة في مواكبة هذا الإيقاع المتسارع بسبب اعتمادها على دورات زمنية طويلة وبنى مؤسسية أكثر بطئاً من تحولات السوق.

ضمن هذا السياق، برز التعلم مدى الحياة بوصفه استجابة سياساتية للتحولات البنيوية في العمل والمعرفة، وليس مجرد إطار إضافي للتدريب. كما اتجهت السياسات الحديثة نحو توسيع أدوات إعادة التأهيل المهني، ورفع المهارات، والتعليم القائم على العمل، بهدف تمكين الأفراد من الانتقال بين وظائف ومسارات مهنية متعددة خلال حياتهم العملية.

وفي موازاة ذلك، توسعت أنماط التعلم المرن القائمة على الشهادات المصغرة والتعليم المعياري، بما يسمح ببناء مهارات تدريجية قابلة للتحديث المستمر، بصورة أكثر انسجاماً مع الطبيعة المتغيرة لسوق العمل المعاصر. ويظهر هذا التحول في الصعود المتنامي للمنصات الرقمية العالمية الشريكة لكبرى الجامعات والمؤسسات التكنولوجية، والتي باتت تقدم اعتمادات تخصصية مرنة تسهم في تفكيك البنية الجامعية الصلبة، وإعادة تنظيم التعليم ضمن مسارات آنية وموجهة بدقة نحو احتياجات المهارات المتغيرة.

رابعاً: التعلم مدى الحياة بين إعادة تعريف الإنسان واختبار السياسات

يتجاوز التعلم مدى الحياة حدود تطوير المهارات وتحديث أنظمة التدريب وسد فجوات سوق العمل، ليعكس تحولاً أعمق في فهم الكينونة الإنسانية وعلاقتها بالوجود والمعرفة. ويتسع جوهر التعلم المستمر ليشمل تلبية شروط الإنتاجية الاقتصادية، وتحقيق جودة الحياة، وإثراء التطور الروحي والعقلي للأفراد، بجانب تعزيز المواطنة الفاعلة والمسؤولة في عالم معقد. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الفرد بوصفه كياناً معرفياً مستقلاً في حالة تشكل ونمو مستمرين، يتجاوز بمفهومه أطر الأدوار الاقتصادية النمطية.

غير أن هذا التحول يضع السياسات التعليمية والاجتماعية أمام اختبارات معقدة تتعلق بالعدالة وإتاحة الفرص واستدامة التعلم. فالتوسع في سياسات إعادة التدريب لا يضمن بالضرورة تقليص فجوات التفاوت أو تحسين جودة العمل، كما أن تحميل الفرد مسؤولية التكيف المستمر قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أشكال جديدة من الهشاشة المهنية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، تصبح فعالية التعلم مدى الحياة مرتبطة بقدرة الدول والمؤسسات على بناء بيئات تعلم مرنة وعادلة، تتكامل فيها مسارات التعليم النظامي وغير النظامي والتعلم في بيئة العمل، ضمن رؤية تتعامل مع المعرفة بوصفها حقاً إنسانياً مستمراً وليست امتيازاً مؤقتاً مرتبطاً بمرحلة عمرية أو متطلباً نفعياً محصوراً بظروف السوق.

ختاماً، يعكس التحول نحو التعلم مدى الحياة انتقالاً عميقاً في بنية التعليم والعمل والمعرفة؛ حيث تتراجع فكرة الاكتمال المعرفي المرتبطة بالشهادة التقليدية، مقابل تصاعد مركزية المهارة المتجددة والقدرة المستمرة على التعلم والتكيف. غير أن نجاح هذا التحول يظل مرتبطاً بقدرة السياسات العامة على ضمان العدالة في فرص التعلم والوصول إلى المعرفة، حتى لا تتحول المهارة ذاتها إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي داخل اقتصاد سريع التغير، وحتى يظل التعلم مساراً متكاملاً لتحرير الإنسان وتطوير وعيه بالعالم من حوله.

أقلام وأراء

الجمعة 22 مايو 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

أسطول الصمود: صور صغيرة تخفي حرباً كبرى

في ذروة حرب الإبادة على غزة وما رافقها من اتهامات غير مسبوقة لقادة الاحتلال بارتكاب جرائم حرب وإبادة، جاءت حادثة اعتراض أسطول الصمود، والذي سبقه عدة آساطيل، اعتقال الناشطين، ونشر صور إهانتهم، لتحتل مساحة من الاهتمام الإعلامي والسياسي عالميا، وبالرغم من خطورة ما جرى بحد ذاته، فان ما يستحق التوقف عنده ليس فقط سلوك قادة الاحتلال، بل الطريقة التي يعاد عبرها تشكيل وتشتيت انتباه العالم، وتوجيهه بعيدا عن جوهر الكارثة في غزة.

 لأشهر وسنوات تصاعدت التحذيرات الدولية من المجاعة والانهيار الانساني في غزة، تقارير أممية وحقوقية تحدثت عن مستويات غير مسبوقة من التدمير والابادة، لكن اللافت ان جزءا كبيرا من النقاش الغربي لم يتركز حول أصل المأساة، بل حول أحداث جزئية قابلة للاستهلاك السياسي والإعلامي السريع، أزمات دبلوماسية محدودة، صور اعتقال ناشطين، او تصريحات مثيرة لوزراء اليمين المتطرف، وهنا تحديدا تكمن المشكلة.

الاحتلال يدرك جيدا طبيعة العقلية السياسية والإعلامية الغربية، وان المشهد الدولي تحكمه الصورة السريعة والحدث القابل للتداول والجدل اللحظي، اكثر من القراءة العميقة لما يحدث، لذلك يصبح من الاسهل على الحكومات الغربية ادانة صورة مهينة او سلوك فظ، بدل مواجهة الاسئلة الاصعب، المرتبطة بالابادة والحصار، والتواطؤ السياسي والعسكري والاقتصادي، وبهذا المعنى، تتحول بعض الأزمات الى مساحة تنفيس، فتسمح بإظهار الغضب الغربي، لكن دون المساس بجوهر السياسات القائمة.

انا لا أدعي وجود تنسيق صفقة، لكنه يكشف عن تقاطع مريح للمصالح، فالاحتلال يحتاج الى ادارة الغضب الدولي، لا انهاء أسبابه، وحكومات الغرب تحتاج للحفاظ على دعمها للاحتلال، ولكن دون الظهور بمظهر المتواطئ امام شعوبها، لذلك تصبح القضايا "الصغيرة نسبيا" اداة مثالية لاعادة توجيه النقاش بعيدا، نحو ملفات يمكن احتواؤها وحلها سريعا، إعلامية كانت او دبلوماسية.

في هذا السياق، يمكن فهم التناقض الظاهري في بنية الاحتلال، بين تيار يريد استعراض القوة والاهانة علنا كابن غفير، وتيار يخشى الكلفة السياسية والإعلامية للصورة، اي ان الصراع ليس حول جوهر العنف، بل كيف يمكن ممارسته بشكل "مقبول"، وبالتالي ادارته وتسويقه للعالم تحت ذرائع متعددة، بعضهم يرون ان الردع يتطلب اذلال الخصوم والمتضامنين معهم علنا، بينما تدرك المؤسسة الامنية والسياسية ان الصور المنفلتة قد تتحول الى عبء قانوني وأخلاقي، يسرع من تآكل صورة الاحتلال عالميا.

وبالتالي، فان استمرار هذا النمط من التغطية قد يخلق - مع الوقت - نوعا من التطبيع غير المباشر مع الجرائم الاكبر، فحين يتحول النقاش العالمي من مساءلة الابادة والحصار الى متابعة تفاصيل ومشاهد مثيرة للاستهلاك الإعلامي، تصبح الكارثة نفسها مجرد خلفية ثابتة للمشهد لا مركزه، وهنا "ينجح" الاحتلال في نقل العالم من مرحلة الصدمة الاخلاقية من هول الجريمة، الى مرحلة التعايش التدريجي مع استمرارها، فتتحول الابادة الى واقع "معتاد" يخضع لادارة إعلامية وسياسية اكثر منه للمحاسبة الفعلية.

التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في فضح الانتهاكات اليومية، بل في منع تفكيك السياق الكبر وتحويله الى سلسلة ازمات منفصلة يسهل احتواؤها إعلاميا وسياسيا، لذلك، فان المطلوب فلسطينيا وعربيا ودوليا هو اعادة ربط كل ما حدث بالسؤال الجوهري: لماذا الحصار اصلا ولماذا تتحرك اساطيل التضامن؟ ودون ذلك، سيبقى العالم يدور في دوامة الادانات الموسمية وردود الفعل المؤقتة، بينما تستمر الكارثة وتتسع بعيدا عن اي مساءلة حقيقية.



اسرائيليات

الجمعة 22 مايو 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس

محلل إسرائيلي يحذر من الغرق في مستنقع لبنان وتوقعات واهمة بشأن الحرب مع إيران

وجه المحلل العسكري في صحيفة هآرتس العبرية، عاموس هرئيل، انتقادات حادة للتوجهات السائدة في تل أبيب بشأن حتمية تجدد القتال مع إيران. وأشار هرئيل إلى أن إسرائيل تبدو وكأنها تغرق في مستنقع جنوب لبنان، في وقت تتزايد فيه التوقعات بفتح جبهة أوسع مع طهران دون ضمانات واضحة.

وأكد المحلل العسكري أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يبدي حماساً للعودة إلى سيناريو الحرب الشاملة في المنطقة، وهو ما يفسر تأجيله المتكرر للجداول الزمنية المقترحة. ويرى هرئيل أن النظام الإيراني يدرك هذا التردد الأمريكي جيداً، مما يدفعه للتمسك بمواقفه في المفاوضات غير المباشرة الجارية عبر الوساطة الباكستانية.

وحذر هرئيل من أن الجمود الحالي في المسار الدبلوماسي قد يدفع نحو انفجار عسكري لا يرغب فيه ترامب شخصياً. ومع ذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية تواصل التصرف وكأن قرار المواجهة قد حُسم، وتستعد للمشاركة في هجوم واسع النطاق تعتبره وشيكاً رغم التعقيدات الإقليمية والدولية.

وتطرق التحليل إلى التهديدات الإيرانية بالرد القوي في حال تعرضها لهجوم إسرائيلي، مشيراً إلى أن ذلك سيؤثر بشكل مباشر على الجبهة الداخلية. ورغم تراجع قدرات إيران الصاروخية مقارنة بالعام الماضي، إلا أنها لا تزال تمتلك القدرة على دفع ملايين الإسرائيين إلى الملاجئ وإحداث حالة من الفوضى العارمة.

وفيما يخص الرؤية الإسرائيلية لموقف واشنطن، أوضح هرئيل أن تل أبيب تعتبر تصريحات ترامب مجرد تأجيل تكتيكي وليس إلغاءً لفكرة الهجوم. ويسود اعتقاد في الأوساط الأمنية الإسرائيلية بأن الرئيس الأمريكي سيجد نفسه مضطراً لشن ضربة عسكرية في نهاية المطاف بسبب انعدام الخيارات البديلة.

ميدانياً، لفت المحلل العسكري إلى أن حالة الجمود السياسي تنعكس بوضوح على الواقع العملياتي في جنوب لبنان. حيث لا يزال الجيش الإسرائيلي يحتفظ بثلاث فرق عسكرية في المنطقة، لكنها تعمل بقدرات محدودة ولا تبدي أي نية للتقدم نحو الشمال، مكتفية بالتحصن في مواقع دفاعية.

وتتركز مهام القوات الإسرائيلية حالياً على عمليات تمشيط القرى اللبنانية الحدودية والمواقع التي كان يستخدمها حزب الله. وتواجه هذه القوات تحديات كبيرة في الحفاظ على خطوطها داخل الأراضي اللبنانية في ظل استمرار الهجمات الصاروخية وعمليات التسلل التي ينفذها مقاتلو الحزب.

وأشار هرئيل إلى أن حزب الله يواصل استخدام الطائرات المسيّرة المفخخة بكثافة يومية، مما يشكل استنزافاً مستمراً للجيش الإسرائيلي. وتعتبر هذه الطائرات، التي يتم التحكم بها عبر تقنيات الألياف الضوئية، التهديد الأبرز الذي يتسبب في وقوع خسائر بشرية ومادية في صفوف القوات المتمركزة.

وانتقد المحلل العسكري التركيز المفرط في النقاش العام على الحلول التقنية لمواجهة المسيّرات، معتبراً أن المشكلة أعمق من ذلك. وأوضح أن المسيّرات التي تعمل بالألياف الضوئية لا تتأثر بأنظمة الحرب الإلكترونية التقليدية، مما يجعل إسقاطها أمراً معقداً يتطلب استراتيجيات دفاعية مختلفة.

وكشف هرئيل عن جانب مهمل في النقاشات العسكرية يتعلق بضعف الانضباط العملياتي داخل صفوف القوات المسلحة الإسرائيلية. وأكد أن التحقيقات الأولية في الحوادث الأخيرة أظهرت أن عدم الالتزام بالتعليمات الدفاعية الأساسية كان سبباً مباشراً في سقوط العديد من القتلى والجرحى.

ويربط المحلل هذا الخلل بظاهرة أوسع تشهدها المؤسسة العسكرية منذ بداية الحرب على مختلف الجبهات، وهي كثرة الحوادث العملياتية الناتجة عن الإهمال. ويرى أن غياب الانضباط يضعف من قدرة الجيش على تحقيق أهدافه الميدانية ويزيد من كلفة البقاء في المناطق اللبنانية المحتلة.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن إسرائيل تواجه معضلة حقيقية بين الرغبة في توجيه ضربة لإيران وبين الواقع الميداني المتعثر في لبنان. فبينما تحلم القيادة السياسية بتغيير استراتيجي كبير، تصطدم هذه الطموحات بوقائع الميدان وبحسابات الحليف الأمريكي الذي يفضل التهدئة.

وخلص هرئيل إلى أن الاستمرار في هذا النهج قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد دون تحقيق نصر حاسم على أي من الجبهات. وحذر من أن الرهان على هجوم أمريكي وشيك قد يكون رهاناً خاسراً يترك إسرائيل وحيدة في مواجهة تداعيات حرب إقليمية واسعة النطاق.

ختاماً، يرى المحلل أن الجيش الإسرائيلي يحتاج إلى مراجعة شاملة لإجراءاته الميدانية وانضباط قواته قبل التفكير في توسيع رقعة الصراع. فالفجوة بين التصريحات السياسية والقدرات الفعلية على الأرض تزداد اتساعاً، مما يهدد بمزيد من الإخفاقات في المستقبل القريب.