وأمهلوا أربعين يوما لتسديد الفداء.
لكن ما حدث لاحقا كشف شهامة السلطان؛ إذ لم يتمكن كثير من الفقراء من الدفع، فبادر أمراء المسلمين إلى دفع الفدية عن آلاف منهم، فيما أطلق صلاح الدين بنفسه سراح آلاف آخرين مجانا.
وقد بلغ مجموع الخارجين نحو 60 ألفا، فيما لم يزد ما جمعه المسلمون على 40 ألف دينار، وهو مبلغ زهيد قياسا بغنائم الحرب.
أما البطريرك هيراكليوس، فخرج محملا بالجواهر والذهب على سبعمائة بغل، من دون أن يسدد عن رعيته شيئا، الأمر الذي أثار نقمتها ونقمة المؤرخين الغربيين عليه.
في يوم الجمعة 2 أكتوبر/تشرين الأول 1187، دخل المسلمون القدس دخول الفاتحين.
لم تسجل المصادر أي مجزرة أو نهب، بل على العكس؛ فقد حُفظت أرواح الناس وأموالهم، وأمّن السلطان خروجهم الكريم.
هذا المشهد كان على النقيض تماما مما فعله الصليبيون عند اقتحامهم المدينة سنة 1099، حين ذبحوا نحو 70 ألفا من المسلمين واليهود في الشوارع والمساجد.
توجه صلاح الدين أول ما توجه إلى المسجد الأقصى، فأمر بتنظيفه من الصلبان والتماثيل، وغسلت الصخرة المشرفة بالماء والطيب، وارتفعت تكبيرات الجنود تبشر بعودة قدس الإسلام.
أجلت صلاة الجمعة الأولى إلى 9 أكتوبر/تشرين الأول لضيق الوقت وعدم طهارة المكان، فخطب القاضي محيي الدين بن الزكي خطبة مدوية تحدث فيها عن فضل الجهاد، وعن وعد الله بعودة القدس للمسلمين، فبكى الناس جميعا.
اتسم فتح القدس بسلوك فريد يندر في الحروب.
فقد أعطى صلاح الدين مهلة رحيمة للمغادرة، وسمح للنساء بالبحث في الأسرى عن أزواجهن، وأعان الأرامل بالمال.
كما أطلق سراح عائلة باليان رغم نكثه العهد، وشيعهم بحرس حتى وصلوا صور سالمين.
أما المسيحيون الشرقيون من سكان القدس، فقد ترك لهم السلطان حرية البقاء وممارسة شعائرهم، وأعاد تنظيم وضع كنيسة القيامة بحيث تفتح أمام الحجاج من كل الطوائف وفق نظام عادل، وهو النظام الذي ما زال معمولا به إلى اليوم.
وقد بلغت شهرة هذه المواقف الآفاق حتى إن بعض المؤرخين الغربيين وصفوا صلاح الدين بـ'الملك العادل'، ورأوا فيه نموذجا للفروسية الذي يعلو على فرسانهم أنفسهم.
بعد الفتح لم يكتفِ صلاح الدين بتحرير القدس، بل انطلق في مشروع إعمار واسع.
فقد لاحظ الخراب الذي خلفه الصليبيون، فباشر بإصلاح الأسوار والأبراج وزيادة تحصين المدينة.
كما أعاد المسجد الأقصى إلى مكانته، فعين خطباء وفقهاء ومرتبين لقراءة القرآن ليل نهار.
أمر كذلك بتركيب المنبر الخشبي البديع الذي كان نور الدين زنكي قد أعده قبل وفاته خصوصا لينصب في الأقصى يوم تحريره، فأقيم في مكانه وسط دموع الفرح.
ونشطت حركة البناء، فحولت بعض الأديرة الصليبية إلى مدارس ورباطات، ونشرت الزوايا والخوانق لتعليم القرآن والفقه.
حتى السلطان نفسه شوهد يحمل الحجارة بيديه ويشارك العمال، تأسيا برسول الله ﷺ في بناء المسجد النبوي.
أما من الناحية العسكرية، فقد واصل بناء الأبراج وترميم القلاع، واستعمل الأسرى الصليبيين في ذلك، لضمان ألا تسقط المدينة مجددا بيد الغزاة.
كان لفتح القدس وقع الزلزال في أوروبا.
فقد صُدم البابوية والملوك حين بلغهم أن المدينة المقدسة في أيدي المسلمين.
دوت أجراس الكنائس ونكست الصلبان، وانطلقت الدعوات إلى حملة صليبية جديدة، هي الثالثة، بقيادة ريتشارد قلب الأسد، وفيليب أغسطس، وفريدريك بربروسا.
لكن مهما بلغت قوة تلك الحملة، فإنها لم تستطع أن تنقض إنجاز صلاح الدين، إذ بقيت القدس في أيدي المسلمين، وأضحى السلطان رمزا عالميا للفروسية والنبل.
بل إن بعض ملوك الغرب بعد قرون- مثل الإمبراطور الألماني ويلهلم الثاني سنة 1898- وضعوا أكاليل على قبره اعترافا بمكانته.
يظهر من قراءة الفتح الصلاحي أن صلاح الدين لم يكن مجرد قائد عسكري، بل رجل مشروع حضاري.
فقد جمع بين العقيدة التي تحركه والشجاعة التي تسنده والسياسة التي ترسم خطاه.
أراد أن يحرر القدس لا ليشفي غليلا، بل ليعيدها إلى موقعها الطبيعي كمدينة سلام وملتقى للأديان.
لقد جسد الفتح معنى 'الجهاد' باعتباره تحريرا وعدلا، لا عدوانا وانتقاما.
ومن هنا ارتبط في الوجدان الإسلامي بالروح الإيمانية، إذ صادف وقوعه يوم 27 رجب، ذكرى الإسراء والمعراج، وكأنما شاء الله أن يرد للمسلمين قبلتهم الأولى في يوم مبارك.
بقي صلاح الدين في القدس شهرا كاملا يرتب شؤونها ويؤمن مواردها ويثبت قواعد الحكم فيها، ثم غادرها إلى مواصلة الجهاد.
غير أن إرثه ظل باقيا: مدينة مطهرة من دنس الغزاة، محصنة بأسوار جديدة، مزدانة بالمدارس والزوايا، ومشرفة بالمنبر النوري.
كان فتح القدس سنة 1187، علامة فارقة في تاريخ العالم؛ فقد برهن أن الأمة، مهما ضعفت، قادرة على النهوض إذا اجتمع الإيمان بالتخطيط، والروح بالعمل.
وقدم للعالم صورة ناصعة من التسامح الإسلامي في أبهى معانيه، حتى غدا صلاح الدين رمزا مشتركا يُلهم الشرق والغرب معا.
وهكذا دخل المسلمون القدس دخول رحمة وعدل، لا دخول انتقام وذبح، فكتب الله لهم شرف إعادة المدينة المقدسة إلى حضنها الطبيعي، وبقي الفتح الصلاحي عنوانا خالدا على انتصار العدل على الطغيان، والإنسانية على البربرية.