شهدت مناطق متفرقة في جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً دامياً يوم الثلاثاء، حيث استشهد 14 شخصاً على الأقل جراء سلسلة غارات جوية وقصف مدفعي إسرائيلي مكثف. وتزامن هذا التصعيد مع استمرار العمليات العسكرية التي طالت بلدات عدة، في وقت تزداد فيه الضغوط الميدانية على السكان المدنيين في المناطق الحدودية والعمق الجنوبي.
وكشف وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن توجهات حكومته لفرض ما وصفها بـ 'معادلة جديدة' في المواجهة الحالية. وزعم كاتس أن الولايات المتحدة أبدت موافقتها على قيام الجيش الإسرائيلي بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تعد معقلاً رئيسياً لحزب الله، في حال استمر استهداف المناطق الشمالية في إسرائيل.
وأوضح كاتس خلال مؤتمر للصادرات الدفاعية أن هذا النهج تم نقله عبر القنوات الدبلوماسية الأمريكية إلى الحكومة اللبنانية والأطراف المعنية. وشدد الوزير الإسرائيلي على أن الخيار المطروح هو وقف إطلاق النار بشكل كامل على البلدات الإسرائيلية أو مواجهة تدمير واسع في الضاحية الجنوبية لبيروت.
ميدانياً، أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي إنذاراً عاجلاً لسكان مدينة النبطية بضرورة الإخلاء الفوري والتوجه إلى شمال نهر الزهراني. واعتبرت مصادر محلية أن هذا الإنذار يمهد لعملية قصف واسعة النطاق، وهو الأول من نوعه الذي يستهدف المدينة منذ التصريحات الأخيرة حول التهدئة.
وفي تفاصيل الضحايا، أفادت مصادر طبية باستشهاد عاملين من الجنسية السورية إثر غارة نفذتها طائرة مسيرة إسرائيلية استهدفت مشتلاً زراعياً في بلدة جبشيت. كما ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة في بلدة المروانية راح ضحيتها 6 أشخاص، بينهم سيدة وطفلان، جراء قصف مباشر استهدف منازل المدنيين.
وطالت عمليات الاغتيال الجوي سيارات ودراجات نارية في بلدات تول وأنصار، مما أسفر عن استشهاد شخصين إضافيين. وفي حادثة مأساوية أخرى، استشهد طبيب الأسنان جيمس كرم مع اثنين من أبنائه أثناء عودتهم من مدينة صيدا، بعدما استهدفت مسيرة إسرائيلية مركبتهم على طريق النبطية - الخردلي.
ولم تسلم الطواقم الإغاثية من القصف، حيث أغارت الطائرات الإسرائيلية على مركز للدفاع المدني اللبناني في بلدة كفرصير، مما أدى إلى تدمير المنشأة بالكامل. وتأتي هذه الاستهدافات في إطار سياسة تدمير البنية التحتية والخدماتية التي يتبعها الجيش الإسرائيلي في القرى والبلدات الجنوبية.
إما أن يتوقف إطلاق النار على البلدات الإسرائيلية، أو سنضرب الضاحية في حال استمر، وهذه المعادلة ستُطبق.
وشملت الغارات العنيفة والقصف المدفعي مدينة النبطية وبلدات الحنية، الغندورية، شحور، والمنصوري، بالإضافة إلى مناطق واسعة في قضائي صور وبنت جبيل. وأفادت مصادر ميدانية بأن جيش الاحتلال نفذ عمليات نسف واسعة للمباني في منطقة عريض دبين، مما أدى إلى تسوية منازل ومحال تجارية بالأرض.
وفي مدينة صور، أصيب شخصان بجروح متفاوتة جراء غارة استهدفت منزلاً في منطقة الحوش، حيث جرى نقلهما إلى المستشفيات القريبة لتلقي العلاج. وتستمر فرق الإسعاف في محاولة الوصول إلى المناطق المستهدفة رغم الخطورة العالية الناجمة عن استمرار التحليق المكثف للطيران المسير والحربي.
يأتي هذا التصعيد الميداني الحاد رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. وكان ترامب قد صرح عبر منصته الخاصة بأنه أجرى اتصالات مثمرة مع الجانب الإسرائيلي وممثلين رفيعي المستوى، مشيراً إلى أن الطرفين وافقا على وقف العمليات العدائية.
وادعى ترامب في تصريحاته أن القوات الإسرائيلية التي كانت تتجه نحو العاصمة بيروت قد تراجعت، مؤكداً أن الاتفاق يقضي بامتناع الطرفين عن مهاجمة بعضهما البعض. إلا أن الوقائع على الأرض في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية تشير إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة متصاعدة.
من جانبها، وثقت وزارة الصحة اللبنانية في أحدث تقاريرها ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الضحايا منذ بدء العدوان الإسرائيلي في مارس الماضي. وأشارت الإحصائيات الرسمية إلى سقوط 3433 شهيداً وإصابة أكثر من 10 آلاف شخص، وسط تحذيرات من انهيار القطاع الصحي في حال استمرار القصف.
وتعيش القرى الحدودية حالة من النزوح القسري المستمر نتيجة سياسة 'الأرض المحروقة' التي تنفذها القوات الإسرائيلية عبر عمليات النسف والقصف الجوي. وتؤكد مصادر محلية أن حجم الدمار في القرى الأمامية تجاوز كافة التوقعات، حيث تم مسح أحياء سكنية بالكامل في محاولة لخلق منطقة عازلة.
ويبقى المشهد اللبناني معلقاً بين التصريحات السياسية المتفائلة بوقف إطلاق النار وبين الواقع الميداني الذي يشهد تصعيداً غير مسبوق. وفي ظل التهديدات الإسرائيلية الجديدة بضرب العاصمة بيروت، تترقب الأوساط الدولية مدى التزام الأطراف بالتفاهمات التي أعلن عنها الجانب الأمريكي مؤخراً.




