تشهد الساحة التونسية في الآونة الأخيرة مؤشرات متلاحقة تعكس حالة من الترهل الواضح في بنية السلطة، وهو ما يثير مخاوف جدية من احتمالية تفكك مؤسسات الدولة. ويرى مراقبون أن سلطة الرئيس قيس سعيد باتت تعتمد بشكل أساسي على دعم الأجهزة الصلبة للدولة، في ظل تراجع الفعالية السياسية وغياب الحلول للأزمات المتراكمة التي تعصف بالبلاد منذ فترة طويلة.
أثار غياب رئيس الدولة عن المشهد العام لمدة ناهزت العشرة أيام موجة واسعة من التكهنات والإشاعات حول وضعه الصحي، خاصة مع صمت رئاسة الحكومة وعدم صدور توضيحات رسمية فورية. هذا الغياب المريب دفع البعض للاعتقاد بنقله للعلاج في الخارج، قبل أن يظهر الرئيس مجدداً في جولة ميدانية محاطاً بحراسة مشددة، ليهاجم من وصفهم بـ 'الناعقين' الذين تداولوا أخبار مرضه.
تجددت النقاشات حول مسألة خلافة الرئيس في حال حدوث شغور في المنصب، خاصة مع استمرار تعمد عدم تشكيل المحكمة الدستورية التي ينيط بها الدستور إدارة المرحلة الانتقالية. هذا الفراغ المؤسساتي يراه منتقدون خطوة متعمدة من الرئاسة لتركيز السلطات، إلا أنه يضع استقرار الدولة على المحك في حال وقوع أي طارئ قانوني أو صحي يمس رأس السلطة.
في خطوة لافتة، أصدرت وزارة الدفاع التونسية بياناً أكدت فيه على الهوية الجمهورية للجيش ووقوفه على مسافة واحدة من جميع الأطراف السياسية. وقد تباينت القراءات حول هذا البيان؛ حيث اعتبره البعض نأياً بالنفس عن توجهات الرئاسة الحالية، بينما رآه آخرون رسالة للمعارضة تفيد بأن المؤسسة العسكرية لن تتدخل في الصراع السياسي القائم مهما بلغت حدته.
إن أجواء الغموض الراهنة في تونس تشبه إلى حد بعيد تلك اللحظات التي سبقت التحولات الكبرى في عامي 1987 و2011.
على الصعيد الأمني، أحدثت التسريبات الصوتية المنسوبة لآمر لواء الحرس الرئاسي، خالد اليحياوي، ضجة واسعة في الأوساط السياسية التونسية. وتضمنت التسريبات محادثات تعكس كواليس الصراع على النفوذ داخل الدوائر الضيقة المحيطة بالرئيس، مما عزز الانطباع بوجود تصدعات داخل الأجهزة التي كانت تعتبر الركيزة الأساسية للنظام الحالي.
أضافت تصريحات مدير المخابرات الأسبق، كمال القيزاني، مزيداً من التعقيد للمشهد، بعد حديثه عن ضغوط مورست لممارسة التنصت غير القانوني على معارضين وعسكريين. وكشفت هذه الشهادات، في حال ثبوتها، عن تورط محتمل لأفراد من عائلة الرئيس ومسؤولين أمنيين في استغلال أجهزة الدولة لأغراض شخصية وتجسسية، مما يذكر التونسيين بحقبات سياسية سابقة اتسمت بالفساد والملاحقات الأمنية.
تتزامن هذه الأزمات السياسية مع ضائقة اقتصادية خانقة، حيث يعاني المواطن التونسي من ارتفاع جنوني في الأسعار ونقص في السلع الأساسية، وهو ما تجلى بوضوح خلال موسم عيد الأضحى. وقد أدى عجز الأغلبية عن توفير المتطلبات المعيشية إلى حالة من السخط الشعبي المتزايد، وسط اتهامات للقيادة السياسية بالانفصال عن الواقع المعيشي للمواطنين.
تتمسك السلطة الحالية بخطاب يلقي باللائمة في كافة الإخفاقات على 'العشرية السابقة' ووجود مؤامرات من 'لوبيات' داخلية، دون تقديم منجزات ملموسة بعد سنوات من الحكم المطلق. ويبدو أن هذا الخطاب بدأ يفقد بريقه أمام الحقائق الاقتصادية المتردية، مما يجعل المشهد التونسي مفتوحاً على كافة الاحتمالات في ظل أجواء تشبه تلك التي سبقت التحولات السياسية الكبرى في تاريخ البلاد الحديث.




