أقلام وأراء

الأحد 27 نوفمبر 2022 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

سيادة القانون بين فكي الاحتلال والانقسام

بقلم: نهى نعيم الطوباسي


"العالم ينهار" هكذا وصف  يان إيجلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، الوضع في العالم عام 2021، وذاك بناء على مؤشرات خطيرة، رأى أنها تهدد العالم نتيجة تفاقم الأزمات الإنسانية، الناتجة عن الصراعات والحروب والكوارث، وارتفاع مؤشرات القتل والجريمة والفقر والتهجير القسري للبشر، والتي من شأنها أن تهدد السلم والأمن الدوليين وسيادة القانون والاستقرار في الدول النامية والهشة تحديدا. من المهم لنا كفلسطينيين وعرب أن نقف عند هذا التصريح، وتصريحات كثيرة من هذا القبيل من عدة مؤسسات وشخصيات دولية، على نفس المنوال، خصوصا أنه مرت حتى الآن سبع سنوات على إعلان مختلف الدول التزامها بخطة الأمم المتحدة عن أهداف التنمية المستدامة والتي ينص بندها السادس عشر على هدف سيادة القانون والعدل والسلام، بينما يتجه الوضع في العالم، وفي الميادين السياسية والإنسانية كافة، إلى مزيد من الخطر ويثير مزيدا من القل..

مثلا، ووفقا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن "عدد الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار من الصراعات والعنف، وانتهاكات حقوق الإنسان والاضطهاد قد تجاوز ال 100 مليون، منهم 40.2 مليون شخص في المنطقة العربية، يعيشون ظروفا مأساوية، ويفتقدون إلى الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة في أماكن وجودهم الحالية بما فيها المخيمات، ومعظم هؤلاء هم من النساء والأطفال وكبار السن.

وما يهمنا هو تسليط الضوء على الحالة الفلسطينية، ومدى نجاح الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة، تحت عنوان "ضمان سيادة القانون والعدل والسلام".

تدعو غايات هذا الهدف لمعالجة أسباب العنصرية والكراهية التي تسبب العنف في العالم، بدءا من الحد من تدفقات الأسلحة والأموال غير المشروعة، ومكافحة أشكال الجريمة كافة، وإنشاء مؤسسات فعالة وشفافة وخاضعة للمساءلة، وتعزيز القوانين والسياسات غير التمييزية، وإقامة مجتمعات مسالمة لا يُهمّش فيها أحد، وإنهاء أشكال العنف وسوء المعاملة للنساء والأطفال، والحد من الفساد. وتعزيز سيادة القانون على الصعيدين الوطني والدولي، ومكافحة الإرهاب وكفالة وصول المواطن إلى المعلومات، وحماية الحريات الأساسية.

في الحالة الفلسطينية، سنجد أنه على الرغم من كل الخطط الوطنية وخطط الإصلاح، لتحقيق واقع أفضل للشعب الفلسطيني رغما عن الاحتلال، إلا أن مسألة نجاح الهدف 16 بكافة غاياته ليس أمرا سهلا، بل هو تحدٍّ كبير في ظل واقع استثنائي ومعقد.

فنجاح هذا الهدف بكل غاياته، بما فيها مبدأ سيادة القانون في فلسطين، مرتبط بالسيادة الكاملة على الأرض، وبما أن السيادة منقوصة بفعل الاحتلال، والوطن مجزأٌ جغرافيا وإداريا واقتصاديا، والمدن الفلسطينية معزولة عن بعضها البعض بالجدار ونظام تصنيف الأراضي المحتلة، والحصار على قطاع غزة، وغير ذلك من القيود المفروضة على حركة البشر، وحركة البضائع والتحكم بكل مفاتيح الاقتصاد، والاستيلاء على المصادر الطبيعية، وقرصنة أموال الشعب الفلسطيني من خلال احتجاز المقاصة. وهكذا يصبح الوصول إلى تحقيق غايات الهدف 16 أمرا معقدا وصعبا.

 فالاحتلال هو التحدي الأكبر والعائق الأهم، لنجاح أهداف التنمية المستدامة، بل سبب لتعميق الفجوة واللامساواة بين كافة المناطق والأفراد، وللتفاوت الملحوظ في جودة الخدمات الاجتماعية والعامة، وعدالة الوصول إليها بين المناطق الفلسطينية، وانتشار الفوضى وانعدام الأمن خصوصا في المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، بما فيها القدس الشرقية والمناطق المصنفة (ج). والتي تمنع الاتفاقيات عمل الحكومة الفلسطينية فيها.

لم تسلم فلسطين من موجات التهيجر القسري والنزوح منذ النكبة حتى الآن بفعل سياسات الاحتلال في الطرد والاقتلاع والتمييز والإستيطان، ونهب الأراضي، وقد بلغ عدد المخيمات الفلسطينية الرسمية، في فلسطين والدول العربية 58 مخيما، 31 مخيم في الدول العربية المحيطة بفلسطين، و27 مخيما على أرض الوطن. ولا يخفى على أحد الواقع المأساوي لتلك المخيمات والتجمعات، التي تفتقر للحد الأدنى من مقومات الحياة الصحية واللائقة.

ولا يمكن تجاهل، تداعيات الإنقسام الداخلي، والذي كانت سببا في تفاقم المأساة الفلسطينية، فلا يمكن تحقيق سيادة القانون وهو ركن أساسي من أركان الهدف السادس عشر، والتغني بقيم الديمقراطية السامية، في ظل غياب المجلس التشريعي، ودورية الانتخابات، وغياب الرقابة على السلطتين القضائية والتنفيذية، وفي ظل الخلطة العجيبة من القوانين وبعضها قوانين بالية عفا عليها الزمن. أما الأزمة الإدارية للمؤسسات التي خلقها الإنقسام، فمؤسسات تعمل في الضفة بقوانين ولوائح وانظمة تابعه للحكومة الفلسطينية، وأخرى تعمل في قطاع غزة، بلوائح وأنظمة إدارية مختلفة تابعة لحكومة حماس، عدا عن انقسام المؤسسات القضائية بتشكيلاتها، واجراءاتها والقوانين والأحكام الصادرة عنها، فالاحكام القضائية الصادرة في الضفة الغربية، لا يتم الاعتراف بها في قطاع غزة والعكس، مما زاد حياة وواقع شعبنا الفلسطيني تعقيدا. وحال دون التكامل بين الضفة وغزة، ليس فقط على المستوى الجغرافي والنظام السياسي ولكن، أيضا على مستوى مكونات المجتمع والنسيج الاجتماعي الفلسطيني، والمنظومة الإدارية والتنظيمية والاقتصادية والاجتماعية. وخلق إشكالية بالمساءلة والشفافية وإتاحة حقوق الانسان.

محزن أن يستمر الانقسام، في الوقت الذي يواجه فيه شعبنا الفلسطيني أشرس احتلال في العالم، وسياسياته العنصرية بالقتل والاعتقال ومصادرة الأراضي والتهجير، أو بمفاقمة المعاناة الإنسانية لشعبنا بكافة أنحاء فلسطين.

فنجاح الهدف السادس عشر في فلسطين، مرهون أولا بأن يقف المجتمع الدولي عند التزاماته بإنهاء الاحتلال، وثانيا أن يتم وضع حد لهذا الانقسام الذي أضعف الموقف الفلسطيني محليا وإقليميا ودوليا.

أخيرا، إن الهدف السادس عشر كغيره من أهداف التنمية المستدامة، مرهون تحقيقه في كل العالم بتحقيق الأمن والسلام، وتطبيق مبادئ المساواة والعدالة الدولية. وهذا يتطلب صدق النوايا بأن تتخلى الدول المتفوقة عسكريا، عن أطماعها وطموحاتها بالتوسع العسكري، والسيطرة وسباق التسلح، على حساب حقوق الشعوب ومصيرها.

دلالات

شارك برأيك على سيادة القانون بين فكي الاحتلال والانقسام

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

الأربعاء

8- 16

الخميس

8- 16

الجمعة

9- 17
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.39 بيع 3.41
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.79 بيع 4.81
  • يورو / شيكل شراء 3.69 بيع 3.71

الجمعة 27 يناير 2023 7:47 صباحًا

الأكثر قراءة

الأكثر تعليقاً