أقلام وأراء

الأربعاء 05 أكتوبر 2022 10:38 صباحًا - بتوقيت القدس

دروس وعِبَر ما بين انتفاضتين.. ما المطلوب فلسطينيّاً اليوم؟!‏

بقلم:الاسير حمادة درامنة


إن الانتفاضات الفلسطينية التي عرفها العالم وتعلَّمت منها البشرية بأسرها قد دخلت كتب التاريخ، مستقلةً ‏في ذاتها ومعبرةً عن مدى صدق وصمود أصحابها، فعرفها العرب والغرب وأدركوا معناها، لقد أرهبت الاحتلال ‏فخاف جنوده من مواجهة أبطالها، ومن ملاقاة الرجال والنساء والأطفال الذين كانوا يتربَّصون بهم في كل ‏مكان ويخرجون لهم من كل حارة وزقاق، وسلاحهم المقدس الوحيد هو الإرادة والتصميم على الحرية ‏والاستقلال.‏
لقد شكَّلت المقاومة والانتفاضات الفلسطينية مأزقاً وكابوساً متعدِّد الأبعاد لإسرائيل فهي الانتفاضات التي ‏دفعت إسرائيل إلى التسليم بوجود الشعب الفلسطيني، الذي قالت عنه جولدا مائير يوماً إنها لم تسمع ‏بوجوده، فأصبح الاحتلال الصهيوني اليوم يناقش مسألة الدولة الفلسطينية في العلن، وهذا نتاجٌ لصمود الشعب ‏الفلسطيني الذي أصرَّ على البقاء ومقاومة المخططات الصهيونية الاستعمارية الإحلالية.‏
لا زالت حاضرةً أجواء انتفاضة الحجارة عام 1987 التي أوجدت اهتزازات في نظرية الأمن الإسرائيلية ‏فأحس الإسرائيليون خلالها أن العمليات  التي سبقت ذلك لم تعد بالأمر السهل، بوجه كل فئات ‏وطبقات الشعب الفلسطيني الذي خرج إلى الشوارع، وكان سلاحه حجَره المقدّس. في هذه الانتفاضة ‏امتُحِنَتْ إرادة الشعب، وتحولت المدن والقرى الفلسطينية إلى بركان غضب ضد الاحتلال الصهيوني، ‏فجاءت في انتفاضة الحجارة أول إشارة واضحة بالتزام الجماهير الفلسطينية بأوامر قيادة منظمة التحرير ‏الفلسطينية، التي كانت تعد لهذه الانتفاضة العارمة، والتي عجَّل باندلاعها جريمة السائق الإسرائيلي ضد ‏العمال الفلسطينين في قطاع غزة.‏
شكَّلَت انتفاضة الحجارة باتساعها مفاجأةً للاحتلال الصهيوني، ولم يكن جيشه مستعداً لتلك المواجهة، ‏ففشلت إسرائيل واستخباراتها خلال انتفاضة الحجارة في فَهْم التطوّر المستمر الذي كان يجري في المجتمع ‏الفلسطيني فانكسرت هيبة الجيش الإسرائيلي، وأصبح الآلاف من الشبان والأطفال يتحدّون جيش الاحتلال ‏الذي عجز بكافة أدواته عن وقف هذا الاندفاع الثوري للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وسعيه ‏الحثيث إلى استعادة حقوقه، إلى أن بدأت قوات الاحتلال خلال انتفاضة الحجارة تبحث عن البدائل التي ‏من شأنها أن تُسْهِم في وقف الانتفاضة وكبح جماحها، فأقدمت على اغتيال خليل الوزير أبو جهاد في 16-‏‏4-1988، الذي كان، مع غيره من القادة، الأكثر قرباً للوعي النضالي الفلسطيني، والأكثر تأثيراً في ‏مجريات الانتفاضة، ولكن ما كان لاغتيال أبو جهاد إلا أن يزيد من اشتعال ذروة الكفاح المسلَّح الفلسطيني، ‏ومن هياج جماهير الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل لتصعيد الانتفاضة.‏
وقد أنهت الانتفاضة المجيدة فرضية أن فلسطين أرض بلا شعب، وأنه إن وُجِدَ هذا الشعب فوجوده عربيٌّ ‏زائلٌ، وأنه يمكن التخلُّص منه أو محاصرته ووضعه تحت سيطرة الهيمنة الصهيونية. سقطت هذه الفرضية ‏أرضاً، ففلسطين عامرة بسكَّانها الفلسطينين، وهو شعب مقاوم صامد يتطلَّع إلى استعادة حقوقه السياسية ‏والعيش بحرية وكرامة، وإدراك الصهاينة لهذا الأمر دمَّر إحساسهم بشرعية الوجود الصهيوني، وعمَّق هاجس ‏الخوف لديهم من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، ولهذا دلالة ‏واضحة على هزيمتهم أمام هذا الشعب العظيم المغروس في أرضه منذ القدم، مما ولَّد لدى الصهاينة خللاً ‏في وهمهم حول إسرائيل القادرة، فكان انتصار الانتفاضة نابعاً من تحقق الهوية الفلسطينية وهزيمة ‏الاحتلال، الأمر الذي دفع الاحتلال إلى التوقيع على اتفاقية إعلان المبادئ "اتفاقية اوسلو" عام 1993، ‏بهدف تحقيق الأمن، إلا أن هبَّة النفق عام 1996، وهبَّة جبل أبو غنيم عام 1998، ومشاركة ‏أبناء وعناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالتصدّي لقوات جيش الاحتلال مهَّدا لاندلاع انتفاضة الأقصى ‏عام 2000، والتي أسقطت معادلة الأمن مقابل السلام.‏
عادت حالة الشعور بعدم الاستقرار والأمن لدى الإسرائيليين في الظهور مرة أخرى، وإن كانت قد انقطعت ‏سابقاً، لكنها هذه المرة مع وجود مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية، ما كانت إسرائيل لتنسحب منها لولا ما ‏واجهه جيش الاحتلال من سكّانها إبّان انتفاضة الحجارة، مع إصرار حكومات الاحتلال المتتالية على ‏مواقفها التي تتنافى مع قرارات الشرعية الدولية، وأهمها ق 242 و 338، فكانت نقطة التحول الحاسمة في ‏كامب ديفيد في مطلب باراك أن يوقِّع الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي على اتفاق نهائي يترافق مع إعلان ‏فلسطيني لإنهاء النزاع الذي كان سبب فشل القمة وقتها مع الرئيس ياسر عرفات، فلو قام بالتوقيع على ‏نهائية النزاع فسيفقد الفلسطينيون حقهم التاريخي والقانوني وأي حقوق مستقبلية تستند إلى قرارات الأمم ‏المتحدة، ومع تعثُّر التوصل للحل النهائي كانت الأرض الفلسطينية تعيش حالةً من التوتر بسبب استمرار ‏الاحتلال لممارسته العنصرية بحق الشعب الفلسطيني، وبمصادرة المزيد من الأراضي لصالح مشروع ‏الاستيطان، مما زاد من حالة الاحتقان السياسي، حتى وصل مشروع التسوية والمفاوضات إلى طريق ‏مسدود، وأقدم آرئيل شارون في تاريخ 28-9-2000 على دخول المسجد الأقصى المبارك، وتجوَّل في ‏ساحته، مما أثار استفزاز الشعب الفلسطيني، فاندلعت المواجهات بين المصلّين وجنود الاحتلال في باحات ‏المسجد الأقصى، فسقط 7 شهداء والعديد من الجرحى، وكانت هذه هي الشرارة الأولى لانتفاضة الأقصى ‏التي انطلقت من باحات المسجد الأقصى المبارك وانتشرت في كل محافظات الوطن، وما لبثت حتى ‏امتدت إلى الأراضي المحتلة عام 1948 لتشمل كل فلسطين بحدودها التاريخية.‏
جاءت انتفاضة الأقصى عام 2000 لتؤكد على حقائق تاريخية راسخة، أهمها أن هذا الشعب غير قابل ‏للتطويع والانهزام فمثَّلت هذه الانتفاضة -كسابقتها- تعبيراً عن مرحلة جديدة لتاريخ القضية الفلسطينية، ‏وكانت من الناحية السياسية بمثابة تعبير عن الصراع السياسي على الحلول المطروحة لحل القضية ‏الفلسطينية.‏
تميَّزت انتفاضة الأقصى عن سابقتها، انتفاضة الحجارة، بكثرة المواجهات المسلَّحة وتصاعُد الأعمال ‏العسكرية بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، وكانت انتفاضة الأقصى قد بدأت بهبَّة ‏جماهيرية شعبية عارمة، ثم تغيّر مسارها لتصبح مسلَّحة كرد فعل على عنف الإرهاب الإسرائيلي، وجدَّد ‏الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وألوانه السياسية خلال انتفاضة الأقصى التأكيدَ على هويّته والسعي لتحقيق ‏وحدته وفرض استقلالية قراره الوطني.‏
اليوم، وبعد خمسة وثلاثين عاماً على انتفاضة الحجارة عام 1987، واثنين وعشرين عاماً على انتفاضة ‏الأقصى عام 2000، سنجد  أن الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني بات مؤمناً بأن ‏الانتفاضات كانت، وما زالت، وستبقى حالة رفض لاحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، وهي الخيار ‏الوحيد للتخلُّص منه، وقد آن الأوان لذلك، لكن السؤال المتجدد، ما هو المطلوب فلسطينياً لتحقيق هذا ‏الخيار؟!‏
أيّاً كانت النجاحات التي حققها شعبنا الفلسطيني في سبيل تأكيد هويَّتِه الفلسطينية وحقِّه في تقرير مصيره ‏على أرضه فإن ذلك لا يُغَيّر من حقيقة الواقع الذي يعيشه شعبنا الفلسطيني الآن من الهزيمة الفلسطينية، ‏بفعل استمرار الانقسام السياسي والجغرافي، وهي تُشْبِه إلى حدٍّ بعيدٍ واقع نكبة 1948 وهزيمة عام 1967، ‏فلم تنجح حتى الآن الفصائل الفلسطينية في تجميع وتوحيد صفوفها وتخطيط منهج ثوريٍّ موحدٍ يجمع كل ‏أطياف الشعب لاسترداد الوطن السليب.‏
إن النضال دائماً هدفٌ وإرادة، وغاية النضال الأولى هي بعث طاقات العطاء والكفاح عند الشعب ‏المستعمَر، وأداته هي وعي الشعب وتنظيمه، فلا بد من تنظيم الجماهير ووضعها في وضع تكون قادرة معه ‏على العطاء، وهذا لا يأتي إلا بممارسة حرب التحرير الثورية، ومن هنا فإنه يجب أن يكون الشعار ‏الأساسي الاستراتيجي المحرك والمسيطر على موقف جميع الفصائل الفلسطينية متمثلاً في أن حرب الشعب ‏طويلة الأمد هي طريق تحرير فلسطين، وعلى هذا الشعار أن يجعلنا ندرك طبيعة الحرب التي يجب أن ‏يخوضها الشعب الفلسطيني، فهي حرب الشعب طويلة الأمد، لا على طريقة الحروب الكلاسيكية. فلو ‏استقصينا كل الطرائق الكفاحية والثورات، سواء في إفريقيا أو آسيا أو حتى أمريكا اللاتينية، لوجدنا النصر ‏في كل هذه الحروب لم يكن نتيجة حرب بين جيشين، بل كان النصر دائماً نتيجة حرب بين جيش ‏المستعمِر من جهة والشعب المستَعْمَر من جهة أخرى، والنصر دوماً كان حليف الشعب المستعمَر.‏
في النهاية أود أن أقول إن ثورة شعبنا لا تزال راسخة الجذور والفكرة، رغم البؤس والشقاء اللذين غطيا ملامح ‏هذه الروح الثورية في شعبنا، الروح التي ستفجر حتماً طاقات تحريرية يوم يجد ثوّرانا من يُعيد لهم الثقة في ‏نفوسهم، وعلى الفصائل الفلسطينية والطليعة الواعية من شعبنا تقع مسؤولية ذلك، حتى تعصف الرياح ‏الثورية بدولة الصهاينة.‏

دلالات

شارك برأيك على دروس وعِبَر ما بين انتفاضتين.. ما المطلوب فلسطينيّاً اليوم؟!‏

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

الجمعة

11- 18

السّبت

8- 15

الأحد

8- 17
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.41 بيع 3.39
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.79 بيع 4.78
  • يورو / شيكل شراء 3.59 بيع 3.58

السّبت 03 ديسمبر 2022 7:05 صباحًا

الأكثر قراءة

الأكثر تعليقاً