أقلام وأراء

الأربعاء 05 أكتوبر 2022 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

الشيخ يوسف القرضاوي عاشق القدس والأقصى وفلسطين

 بقلم:د. أحمد يوسف


تعود معرفتي بالشيخ يوسف القرضاوي (رحمه الله) إلى منتصف السبعينيات، حين عاد إلى مصر قادماً من الدوحة بعد إفراج الرئيس السادات عن رجالات الإخوان من السجون والمعتقلات، وسمح لهم بالعمل من جديد.
كان لقاؤنا الأول في العاصمة المصرية القاهرة، حيث احتشد شباب الصحوة الإسلامية بعشرات الآلاف ليُصلُّوا خلف الشيخ القرضاوي صلاة الجمعة في ساحة "ميدان عابدين"، وكانت خطبة الجمعة حول هذا المد الإسلامي المُتنامي وما يُبشِّر به من فتْحٍ قريب لهذه الأمة. كانت "مليونية القرضاوي" هذه مشهداً لم يسبق لي أن رأيتُ مثيلاً له في حياتي، بهذا العدد وهذا الزحام وهذا الحماس والروح الأخوية.
تكررت لقاءاتنا بعد ذلك بالشيخ القرضاوي في أمريكا، حيث اعتدنا في المؤتمر السنوي لرابطة الشباب المسلم العربي دعوته كأحد قادة الحركة الإسلامية وإمام مدرسة الوسطية في الفقه الإسلامي، وكمرشد لجيل الصحوة الإسلامية.
لا أتذكر مؤتمراً جامعاً من تلك المؤتمرات السنوية في الغرب خلال عقدَيْ الثمانينيات والتسعينيات إلا وكان الشيخ القرضاوي أحد أبرز المتحدثين فيها، إذ كان هو الأكثر واقعيةً ودراية بأولويات العمل الإسلامي وفقه الأقليات، وكان بمثابة مرجعيةٍ دينية وحركية بالنسبة لجيل الشباب أمثالنا، فيما يخص حاجتنا كجاليةٍ مُسلمة في الغرب، وإقناع الشباب بأنَّ بلاد الغرب هي اليوم (دار دعوة) وليست (دار حرب)، حيث أصبحت أعداد المسلمين الذين هاجروا إليها وتوالدوا فيها بالملايين.
في عام 1996م، اعتقلت السلطات الأمريكية د. موسى أبو مرزوق؛ رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، بتهمة قيادة حركة إرهابية، فقمت بنشر كتابٍ للدفاع عنه، بعنوان (موسى أبو مرزوق: الرجل والحركة والقضية)، وقد طلبت من الشيخ القرضاوي -آنذاك-أن يكتب لي تقديماً للكتاب، فاستجاب ولم يتردد رحمه الله.
في عام 2001م، جئت إلى الجزائر في مهمة خاصة لرؤية الشيخ محفوظ النحناح (رحمه الله)، والتشاور معه في جهود الوساطة التي كنت أقوم بها بين الحكومة الليبية والجماعة الإسلامية (المعارضة). كان حينها الشيخ القرضاوي مقيماً في الجزائر، وكانت فرصةً للاستئناس برأيه حول نفس الموضوع.. بارك الشيخ الجهد وشجَّعه، وكان قد سبق له أن التقى القذافي ونصحه بالإفراج عن شباب الجماعة الإسلامية، ودعاه للعمل على استيعابهم بالحكمة والموعظة الحسنة، من خلال جمعية الدعوة الإسلامية العالمية التي كان يترأسها الشيخ محمد أحمد الشريف.
في عام 2004م، غادرتُ أمريكا إلى الجزائر، وإذ بي ألتقي الشيخ القرضاوي في مؤتمر عن الشيخ عبد الحميد بن باديس (رحمه الله)، والذي أقامته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برئاسة الشيخ عبد الرحمن شيبان. كان الشيخ القرضاوي هو ضيف اللقاء والمتحدث الرئيس فيه، وقد جاء خصِّيصاً من قطر للمشاركة فيه. فكانت فرصة للحديث معه والسلام عليه.
كان معروفاً عن الشيخ القرضاوي عشقه للقدس والأقصى وفلسطين، وقد سبق أن قام بزيارة للبلاد في صيف 1966م، ومكث هناك 96 يوماً قضى أكثر أيامها في الخليل بجانب المسجد الإبراهيمي، كما طاف بالعديد من مدن ومخيمات الضفة الغربية، وقام بزيارة خاصة للقدس والمسجد الأقصى.
في شهر آيار 2013م، جاء الشيخ القرضاوي مع وفدٍ من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لكسر الحصار عن قطاع غزة، وتقديم التهنئة لحركة حماس والشعب الفلسطيني لصموده في وجه العدوان الإسرائيلي.
أقام الأخ إسماعيل هنية؛ رئيس الحركة في قطاع غزة، غداءً للشيخ القرضاوي والوفد المرافق له في بيته، مع مشاركة الكثير من قيادات الحركة وأركانها. فكانت فرصة أيضاً للحديث وتذاكر أيام أمريكا والجزائر.
كانت مواقف الشيخ القرضاوي خلال "ثورات الربيع العربي" قد أثارت الكثير من اللغظ والتَّناجي، حيث اعتبر البعض أنَّ فتاويه "مُسيَّسة"، وأنه ساهم من خلال تلك الفتاوي والتصريحات على قناة الجزيرة في تأجيج تلك الموجة من التظاهرات التي أطاحت بعروش بعض الطغاة والمستبدين.
في الحقيقة، كانت مكانة الشيخ القرضاوي ومنزلته كرئيس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، تفرض عليه أن يجهر بقول "كلمة الحق"، وأن يصدح بها، وهذا ما أغضب بعض الأنظمة المستبدة عليه.
وبرغم كلّ ما كان يتردد من "القيل والقال" عن الشيخ القرضاوي؛ له أو عليه، فقد أجمع أغلب علماء الأمة بأنه الفقيه الذي لا يُشَقُّ له غياب، وأنه إمام مدرسة الوسطية والاعتدال، وهو مَنْ منعَتْ فتواه بحُرمة زيارة القدس والمسجد الأقصى تحت الاحتلال؛ الهرولة والتطبيع مع هذا الكيان الغاصب لسنواتٍ طويلة.
ستظل مكانة الشيخ القرضاوي في ذاكرة الفلسطينيين كنصير للقدس والمسجد الأقصى عاليةً، وشمسها لا تغيب، ولعلِّي هنا أستحضر اللقاء في بيروت عام 2001م، حيث تمَّ تأسيس مؤسسة القدس الدولية، وجرى انتخاب الشيخ القرضاوي أميناً عاماً لها. في الحقيقة، وكما جاء في بيان نعي المؤسسة له "كان الراحل مدرسةً في العمل المُتفاني نُصرةً لقضية القدس وفلسطين، ونموذجاً للعالِم الرباني المجاهد بكل ما يمكن، دفاعاً عن المسجد الأقصى المبارك..
ناصَرَ الشيخُ الحقَّ الفلسطيني بكل شجاعةٍ وصلابة، فاستحقَّ لقب شيخ فلسطين، وتحمَّل من أجلها الكثير، وقد ألَّف كتاب (القدس قضية كلِّ مسلم). وراسل الملوك والرؤساء حاثَّهم على بذل الجهد في نصرة القدس وأهلها، وكان مُبادراً إلى إطلاق الحملات الخيرية والإعلامية والتعبوية لنصرة الشعب الفلسطيني وحقوقه، وكان مؤمناً بالعمل الوحدوي بين مكونات الأمة، لجمع جهودها نصرةً لفلسطين".
ولعل كلمات الأستاذ خالد مشعل؛ زعيم حماس، هي بيت القصيد: "القرضاوي عاش من أجل قضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين.. القدس والأقصى كانت حاضرةً في قلب شيخنا".
رحم الله العلَّامة الشيخ يوسف القرضاوي، وأكرمه بأعلى درجات جِنانه، وجزاه خيراً عمَّا قدَّمه لقضية فلسطين وفي قلبها القدس والأقصى.

دلالات

شارك برأيك على الشيخ يوسف القرضاوي عاشق القدس والأقصى وفلسطين

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

الجمعة

11- 18

السّبت

8- 15

الأحد

8- 17
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.41 بيع 3.39
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.79 بيع 4.78
  • يورو / شيكل شراء 3.59 بيع 3.58

السّبت 03 ديسمبر 2022 7:05 صباحًا

الأكثر قراءة

الأكثر تعليقاً