أقلام وأراء

الأربعاء 06 يوليو 2022 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

من وحي الوطن.. لا تكثروا من قرع الطبول.. فالحرب لا تُطرب أحداً!!

بقلم: د. أحمد يوسف 


في سياق مشهد المظلومية الذي عليه حال الفلسطينيين في الوطن والشتات، تعلو أصوات التهديد والوعيد من بعض القيادات الإسلامية التي تتصدر حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وبلغة توحي وكأن المقاومة الفلسطينية تمتلك أدوات القتل والدمار بالشكل الذي يهدد وجود الكيان الصهيوني لدرجة الفناء!!


لاشك أن البعض يتفهم أن هذه التصريحات تأتي -في الحقيقة- لرفع الروح المعنوية لشعبنا من ناحية، وللرد على تهديدات جنرالات الحرب الإسرائيليين بتدمير قطاع غزة وتسويته بالأرض، وغير ذلك من نُذر الويل والثبور وعظائم الأمور، إضافة إلى ما يفعله قطعان المستوطنين من اقتحامات لساحات المسجد الأقصى واعتداءات على المقدسات الإسلامية والتراثية في المدينة المقدسة، والاستمراء المتعمد لعمليات قتل الشباب الفلسطيني في قرى وبلدات الضفة الغربية، وأشكال الاستهتار اللاإنساني كالذي شاهدناه مع الملايين من شعوب العالم في عملية اغتيال الإعلامية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، والتي لم تسلم جنازتها من ملاحقة جنود الاحتلال وعدم احترام هيبة المُتوفى داخل التابوت!!


إنَّ ما تمارسه إسرائيل في القدس والضفة الغربية هي مشاهد تستفز الحجر وتستدعي رغبة الفلسطيني بالثأر والانتقام بكافة السبل وفي كل المناطق المحتلة، فكيف إذا كنا شعباً يعيش حالة القهر وبلغت مظلوميته العالمين، وهو صاحب حق مبين وعليه مقاومة من يسومه العذاب من المحتلين.


نعم؛ الحكمة تستدعي ألا نُفرطَ في القول والوعيد وألا نرفعَ سقف التوقعات فوق مستوى القدرات، وأن يكون خطاب واقع الضحية هو لغتنا التي نتواصل فيها مع العالم من حولنا، هذا العالم الذي خدعته إسرائيل بامتهان دور الضحية ببراعة واحترافية إعلامية عالية، ومن خلال سياسة التخويف لكل من يقف متعاطفاً إلى جانبنا باتهامات معاداة السامية!!
ربما لا يستطيع الفلسطيني التسليم والقبول بموقف الضحية؛ لأن ذلك المشهد المستكين يمس بكرامته وعزته الوطنية، ويؤثر عادة تبني صورة البطل الذي لا يُشق له غبار، فهو أقرب في المخيال النضالي والجهادي لحالة عنترة والظاهر بيبرس وقطز وصلاح الدين وخالد بن الوليد والسلطان محمد الفاتح...الخ. وهذا أمر يمكن تفهمه في السيكولوجيا الجينية (DNA) لمن تربوا على قراءة تاريخ الفاتحين من العرب والمسلمين.


إن حالة الصمود التي عليها الفلسطينيون تمنحهم نشوة الشعور بالانتصار، لذلك تظل أنفاسهم بالمقاومة حرَّى وعالية، ولشفاء الصدور من الإعداء حانية، حتى يتحقق لبعضهم وعد الآخرة.


إن هناك من يجادل بالقول إن حروب المقاومة الفلسطينية الأربع الأخيرة مع إسرائيل داخل وخارج حدود قطاع غزة، لم ينجح فيها جيش الاحتلال بكل إمكانياته وعتاده الحربي من تحقيق فوز يحسم المعركة لصالحه، وهذا بالمعنى العسكري يعتبر صموداً لشعبنا في القطاع ولمقاومته الإسلامية والوطنية الباسلة. ومع هذه النشوة في القول وإقرار الكثيرين بذلك، فإن علينا الاعتراف أيضاً بأن العدو ما تزال يد القتل والدمار لديه هي الأطول، وهذا يتطلب منَّا استدعاء الحكمة في المناورة، وحشد الأمة للوقوف إلى جانبنا، وحشر المحتل الغاصب في زاوية الوهن والإفلاس الأخلاقي.


إن صيغ الحديث عن الحلف العسكري لقوى المقاومة الإسلامية في المنطقة، وخاصة في ظل ما هو قائم من تحالفات وتصعيد بين الدول الغربية وروسيا والتوترات غير المستقرة بين إيران وأمريكا واستفزازات إسرائيل في سوريا ولبنان، فإن الأمر يستدعي التريث وعدم المبالغة في لهجة الاصطفاف ونغمة الحلف العسكري؛ لأن ما يعنيه ذلك أننا سنجد -واأسفاه- دولاً عربية وربما إسلامية مصطفة هناك في المعسكر الآخر!!


بيت القصيد وحجر الزاوية -اليوم- أنَّ المشهد الفلسطيني يفتقد لأي رؤية استراتيجية يمكن أن تجتمع عليها الفصائل أو تلتقي، إذ إن حالة التشرذم تطايرت شظاياها واتسع الخرق على الراقع، وغدا كلُّ حزب بما لديهم فرحون أو مطاردون.
إننا اليوم بحاجة إلى هدنة تمنحنا الفرصة لترميم البيت الفلسطيني وجمع الشمل، وملء سلال الغلال كذخر للمقاومة في إطار مرئيات المواجهة مع الاحتلال.


إن ترتيبات الواقع السياسي للمنطقة في إطار التشكل، وإذا ما أخذت سياقات ذات طبيعة قطبية المنطقة، فإن ذلك سيجعلنا في دائرة "مع أو ضد" وهي حسبة ستفقدنا وقفة "الكل مع" إلى "هناك ضد"، وهي معادلة خاسرة بكل معطياتها السياسية في فضائنا العربي والإسلامي.


إن خريطة الدول الكبرى "معجوقة" اليوم بقارعي طبول الحرب من المحترفين وبعض من يدور في فلك تبعيتهم من دول المنطقة، فما جدوى تصديع الرؤوس بطبول أخرى إضافية ونحن نعلم أننا خارج حسابات كل ما يدور، وأن الأولوية في منطقتنا العربية ليست لتمهيد الطريق لحرب موازية أو جديدة، بل هي لبناء محاور اقتصادية تقام على عجل لسد رمق الحياة واستمرار دفق النفط والغاز والغذاء في شرايين معسكر الدول الغربية.


الحرب اليوم في منطقتنا -باختصار- لا تُطرب أحداً، ولن تَحسم "مقتَلتُها" حرباً ثورية نطلبها للتحرير والعودة، فشعبنا وأمتنا بحاجة إلى مراجعات وورشات عمل وإصلاح لا تلوح فرص انعقادها حتى الآن في الأفق. 

دلالات

شارك برأيك على من وحي الوطن.. لا تكثروا من قرع الطبول.. فالحرب لا تُطرب أحداً!!

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

الأربعاء

11- 17

الخميس

10- 18

الجمعة

11- 18
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.44 بيع 3.43
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.85 بيع 4.83
  • يورو / شيكل شراء 3.58 بيع 3.57

الخميس 01 ديسمبر 2022 6:52 صباحًا

الأكثر قراءة

تصويت

هل تعتقد أن قطر ستحقق نجاحًا باهرًا في استضافتها لكأس العالم؟

27

72

(مجموع المصوتين 991)

الأكثر تعليقاً