أقلام وأراء

الأربعاء 05 أكتوبر 2022 10:36 صباحًا - بتوقيت القدس

إذا كان حائط البراق ملكا إسلاميا فكم بالحري المسجد الأقصى!!‏

 بقلم:المحامي إبراهيم شعبان


عبر القوة العسكرية المحتلة، وعبر فوهات البنادق، وعبر السلطة الشرطية الإسرائيلية، ‏وعبر مزاعم وصور ورسومات وتصورات وأساطير وكتابات من وحي الخيال وقصص ‏وروايات ومؤلفات، وعبر اقتحامات وابواق وأناشيد، وعبر إعلام شيطاني خبيث مزور ‏للحقائق، يحاول المستوطنون اليمينيون اليهود ومن خلفهم الحكومة الإسرائيلية والمنظمات ‏اليهودية المتطرفة إسرائيلية وأجنبية ، أن تستولي على أي جزء من المسجد الأقصى المبارك ‏وثراه الطهور، بحجة مقولة الهيكل القديمة وممارسة الحرية الدينية وحق تاريخي مزعوم.‏
ونسي أو تناسوا كل هؤلاء ما حدث في عام 1929 من القرن الفائت من أحداث أدت لسفك ‏للدماء من الجانبين اليهودي والعربي، حينما كانت مدينة القدس تحت الإنتداب البريطاني على ‏فلسطين. وقتها ارسلت الحكومة البريطانية لجنة للتحقيق في حقوق اليهود والعرب في حائط ‏البراق. ورأس هذه اللجنة السيد " شو " الذي أوصى بدوره بإرسال لجنة تحقيق دولية خاصة ‏نظرا لحساسية الموضوع وخطورته.‏
لذا تقدمت الحكومة البريطانية الإنتدابية بطلب لعصبة الأمم وفقا لنظام الإنتداب، وبخاصة ‏المواد 13_ 16 منه لتشكيل لجنة دولية لدراسة الأسباب التي أدت لسفك الدماء من الجانبين، ‏ووضع التوصيات بشأن التدابير والإجراءات الواجب اتخاذها لمنع تكرارها.‏
وقرر مجلس عصبة الأمم عام 1930 تشكيل لجنة من غير التبعية البريطانية لتقرر مسالة ‏حقوق ومطالب المسلمين واليهود في حائط البراق. وقد سافرت اللجنة الأممية المعينة إلى ‏فلسطين ومكثت في القدس شهرا كاملا، حيث استمعت لشهادة الشهود من الجانبين، وقامت ‏بزيارات ميدانية للحرم القدسي الشريف وحائط البراق وكنيسة القيامة وكنس سفارادية ‏واشكنازية. وتوصلت لقرارها بالإجماع الذي سلمته في الأول من شهر كانون الأول/ ديسمبر ‏من عام 1930.‏
المهم أن جميع ألوان الطيف اليهودي المحلي والعالمي، حضروا أمام اللجنة الأممية وقدموا ‏حججهم ووثائقهم، وكانوا على يقين أن اللجنة ستحكم لصالحهم وبخاصة بعد أن تردد المسلمون ‏في الظهور أمام اللجنة المذكورة. فقد مثل اليهود رئاسة الحاخامين في فلسطين، وجمعية ‏الحاخامين العالمية، والوكالة اليهودية في فلسطين، والمجلس اليهودي ( فاعد ليئومي )، وجمعية ‏أغودات يسرائيل. لذا من غير المقبول اليوم القول أنهم لم يقبلوا باللجنة واختصاصها وحكمها.‏
خرجت اللجنة بتوصيات هامة وهي أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية حائط البراق والرصيف ‏الكائن أمام حائط البراق، ولهم وحدهم كامل الحقوق العينية لكونه يؤلف جزءا لا يتجزأ من ‏ساحة الحرم القدسي الشريف التي هي من أملاك الوقف الإسلامي. وأن من حق المسلمين ‏وحدهم أن ينشئوا او يبنوا من الأبنية في أملاك الوقف المجاورة دون إضرار برخصة اليهود ‏بالمرور إلى حائط البراق حيث صلواتهم وتضرعاتهم. وهذا المرور ليس حق ارتفاق أي حق ‏مرور بالمعنى القانوني الدقيق، إنما هو عادة قديمة قاد إليها التسامح الإسلامي ليس إلا. وبالتالي ‏نفت اللجنة حق الإرتفاق العيني المرتبط بحق الملكية. لذلك قررت أن اليهود ملزمون بمراعاة ‏حرمة المسلمين الذين اكرموا مثواهم، وحظروا عليهم الصلاة الفردية بل قيدوها بصلاة الجماعة ‏وبوجود عشرة اشخاص. وحظرت اللجنة في تقريرها على اليهود جلب المقاعد والسجاد ‏والحصر والخزائن سوى واحدة والحواجز والخيم والستائر حتى لو كان ذلك لمدة محددة أو ‏مؤقتة. وحظرت اللجنة على اليهود استعمال البوق ( الشوفار ) أو اي إزعاج للمسمين. وتم ‏حظر استعمال المكان لإلقاء الخطب والمظاهرات السياسية. وللقارىء الكريم أن يتخيل اليوم ‏في مدى الخروقات التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية وتابعيها من احتفالات وتخريج للجيش ‏الإسرائيلي وحفلات الغناء والموسيقى ورقص وغناء في مناسبات كثيرة سواء في حائط البراق ‏أو في رحاب المسجد الأقصى أو في الساحات جنوب المسجد الأقصى ( ارض الخوتانية ) أو ‏في الجنوب الغربي مكان المدرسة الإبتدائية للبنات.‏
وزاد توصيات اللجنة الأممية قوة وتوكيدا أن دولة الإنتداب البريطاني ترجمت هذه التوصيات ‏إلى تشريع إنتدابي ملزم لجميع الفلسطينيين يهودا وعربا في 19 من شهر ايار/مايو من عام ‏‏1931 وألحقت به ذيلين خاصين بالتعليمات والمقاسات للأدوات التي يمكن لليهود إحضارها ‏بشكل مؤقت في ايام أعيادهم مثل القناديل والخزانة والطشت ووعاء الماء. وبقي هذا القانون ‏الإنتدابي مطبقا حتى خروج البريطانيين من فلسطين. وبعدها بقيت قوانين كثيرة مطبقة في ‏فلسطين كالطوارىء والأراضي والإستملاك أما قانون البراق فقد تم تجاهله تماما ولم يذكره ‏بكلمة واحدة أحد، لا محامٍ ولا قاضٍ من قضاة المحكمة العليا ولا هيئة ولا سياسي من يمين أو ‏يسار أو وسط بينما احترمته الحكومة الأردنية. ‏
يمكن القول أن قرار لجنة عصبة الأمم هو قرار تحكيم في منازعة دولية، وهو تسوية قضائية ‏بواسطة قضاة دوليين مؤهلين، ومعترف بهم ووبصلاحياتهم، ولم يعترض عليهم أحد من ممثلي ‏اليهود بل كانوا محل ترحيبهم بحيث سلموا بوجود اللجنة وظهروا أمامها ولم يسجل اي طعن او ‏دفع حول عدم قانونية اللجنة أو محاباتها أو عدم صلاجيتها أو عدم حياديتها، وخلت المحاضر ‏للجنة من مثل هذه الدفوع الشكلية. وجاء قرار اللجنة مسايرا ومتفقا مع النظام الإنتدابي لإدارة ‏ورقابة الأقاليم الموضوعة تحت الإنتداب. وقد أصدروا قرارهم وفق قناعاتهم ووفق الأدلة ‏المقدمة إليهم، ووفق مبادىء القانون العامة في البلاد المتحضرة وفق تطبيقاته القضائية ‏والفقهية، ووفق مبادىء العدل والإنصاف. وقد سرت هذه التوصيات على اليهود آنذاك، كما أنه ‏من المتوقع أن تسري عليهم اليوم، لا فرق. ‏
أما وقد مرّ ما يقارب القرن من الزمان على موضوع حائط البراق وتوصيات لجنة عصبة الأمم ‏والقانون البريطاني الذي تبناها، أما وقد اعتقد اليهود نتيجة لقوتهم العسكرية أن موضوع لجنة ‏البراق وتوصياتها قد طواها النسيان، فاليوم تجري أحداث خطيرة من قبل المستوطنين اليهود ‏وبتشجيع من الحكومة الإسرائيلية وكأنهم نسوا درس الأمس، تتمثل باقتحامات يومية في ساحة ‏الحرم القدسي الشريف تمهيدا للإستيلاء عليه أو على أجزاء منه، تماما كما فعلوا بحائط البراق ‏وساحاته وباحاته وأبنيته التي مسحت عن بكرة أبيها دون أدنى اكتراث لتوصيات لجنة عصبة ‏الأمم أو القانون البريطاني.‏
ونتساءل إذا كانت لجنة عصبة الأمم وهي لجنة دولية محايدة، قد اقرت وأكدت أن حائط البراق ‏ملك إسلامي خالص، فكم بالحري أن يجري ذات الحكم على المسجد الأقصى ذاته بل أكثر منه. ‏فحائط البراق ما هو إلا الحائط الغربي للمسجد الأقصى أي جزء غربي من المسجد والجزء ‏يتبع الكل دلالة وحكما، بينما بناء المسجد ذاته ومنبره وداخله كلها ملتصقة بالجامع وهي أقرب ‏للحكم بملكية المسلمين من غيرهم اقتداء بملكية حائط البراق. فضلا عن أن حائط البراق قد ‏تمت ممارسة الصلوات اليهودية أمامه برخصة وتسامح إسلاميين. اما المسجد الأقصى فطيلة ‏أربعة عشر قرنا لم يكن إلا مكان عبادة للمسلمين حكرا عليهم وحدهم دون سواهم، ولم يقطع هذا ‏الزمن الممتد إلا الغزوة الصليبية. ومن نافلة القول أن الغزوة الصليبية لم يتخللها غزوة عبرية ‏على الإطلاق. بكلام آخر لأربعة عشر قرنا ممتدة استمر المسلمون في إعمار المسجد الأقصى ‏والصلاة فيه وإقامة شعائرهم الدينية فيه دونما شريك على الإطلاق. بل لم يقدم أي من تابعي اي ‏دين طلبا أو إلتماسا للصلاة فيه حتى في ايام الإنتداب البريطاني ولا في زمان أفول الدولة ‏العثمانية وهي كانت رجلا مريضا وفق الوصف.‏
منذ أكثر من خمسة عقود ونصف، حرث الأثريون الإسرائيليون القدس علوية كانت أو سفلية ‏في خرق فاضح وواضح لاتفاقية للاهاي التي لم تجز للمحتل التنقيب عن الآثار في المناطق ‏المحتلة ، علهم يجدون هيكلهم أو حجارته أو صولجاناته أو أعمدته، أو أثرا عمليا واقعيا ‏ملموسا، لكنهم وجدوا آثارا رومانية وإسلامية رغم أنهم قلبوا الأرض وما تحتها. وهذا يؤكد أن ‏الأمر لا يعدو كونه خيالا مفرطا مبالغا في وصفه حتى أن بعض ثقات الأثريين الإسرائيليين ‏رفضوا وجوده بل رفضوا وجود القدس كمدينة ضخمة يمكن أن تحتوي هذا الهيكل الضخم. ‏وحاول بعضهم ذر الرماد في العيون بالقول بعمومية ودونما تحديد علمي أن هذا الحجر مثلا ‏يعتقد – هكذا - أنه من زمن الهيكل. ‏
حتى لو افترضنا على سبيل الجدلية وجود هيكل في مكان المسجد الأقصى وهي فرضية واهية، ‏فقد حصلت قبل ثلاثة آلاف عام، ثم انقطعت بعد ذلك الصلة مع المكان، سوى عن وعد إلهي ‏على فرض وجوده يقيم تمييزا عنصريا تحكميا مستبدا يخل بمبدا المساواة، وهو أمرغير مبرر ‏بين اليهود والمسلمين وينافي العدالة. وعد لا يقيم حقا قانونيا على الإطلاق. بل إن اليهود نفسهم ‏يعترفون بأنهم فقدوا الرابط في الكيان السياسي منذ القرن الأول الميلادي بفلسطين وبالقدس ‏وبالمسجد الأقصى واستمر هذا الفقد إلى يومنا هذا. أما الصلاة والأدعية فهي لا تقيم سيادة ‏قانونية مثل الوجود العربي الإسلامي الواقعي الملموس المسيطر الحائز المعاش في قلب القدس ‏والمسجد الأقصى.‏
منذ الفتح العربي الإسلامي بقيت مدينة القدس عربية إسلامية، وبقي المسجد الأقصى إسلاميا ‏وقائما بدون أي شريك بل حينما دخلها الخليفة عمر أعطى المسيحيين الأمان على أنفسهم ‏وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم كما ورد في العهدة العمرية. ولم ‏نسمع أو نقرأ أن مثل هذه العهدة أعطيت لليهود في بيت المقدس.‏
كانت حيازة المسلمين لمدينة القدس والمسجد الأقصى حيازة هادئة، متصلة، غير متقطعة، ‏تستند إلى رضاء المحكومين والمصلين والعابدين، فلم تكن هناك ثورات أو تمردات في المسجد ‏أو في القدس، بل بنى المسلمون حضارة ومساجد آية في العمران والزخرف والزوايا والمدارس ‏واسوارا، وهذا دليل قاطع على سيادتهم على المدينة وعلى المسجد لحقبة طويلة جدا قلما تجدها ‏في تاريخ لشعب ما.‏
يبدو ان صوت العقل الذي ساد الفكر الديني اليهودي بحظر الدخول إلى المسجد الأقصى، قد ‏طرأ عليه التحوير والتغيير والإنحراف، وغدا يشكل خطرا داهما على المسجد الأقصى ‏المبارك. فلم تعد تجدي الفتاوى الدينية القديمة، ولم تعد الحكومة الإسرائيلية تحترم الوضع القائم ‏في المسجد الأقصى، ولم يعد مجديا المطالبة باحترام قرارات لجنة عصبة الأمم، ولا بالقانون ‏الإنتدابي لحائط البراق، ولا بقرارات الأمم المتحدة واليونسكو، ولا بالقانون الدولي بكل ‏فروعه، ولا باتفاقيات جنيف الأربع.‏
في ظل عجز فلسطيني رسمي عربي إسلامي، وفي ظل معايير مزدوجة غربية، وفي ظل ‏كنيسة بروتستانتية متصهينة، يبقى الساعد الفلسطيني برعاية إلهية قادر على صد الهجمة. ‏ونضيف إلى ذلك دعوة مساعدة باللجوء لطلب راي استشاري من محكمة العدل الدولية حول ‏المركز القانوني للمسجد الأقصى المبارك كما حصل في الجدار، لعل وعسى أن تقتدي المحكمة ‏بلجنة عصبة الأمم سنة 1930. ‏

دلالات

شارك برأيك على إذا كان حائط البراق ملكا إسلاميا فكم بالحري المسجد الأقصى!!‏

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

الجمعة

11- 18

السّبت

8- 15

الأحد

8- 17
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.41 بيع 3.39
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.79 بيع 4.78
  • يورو / شيكل شراء 3.59 بيع 3.58

السّبت 03 ديسمبر 2022 7:05 صباحًا

الأكثر قراءة

الأكثر تعليقاً