مع اقتراب صافرة البداية لبطولة كأس العالم 2026، بدأت تطفو على السطح سلسلة من الفضائح التنظيمية والانتهاكات الحقوقية التي سبقت وصول المنتخبات إلى الملاعب. وتكشف التقارير الواردة من بوابات المطارات الأمريكية عن ممارسات تعسفية تنتهجها إدارة الهجرة، مما يعكس عقلية أمنية تتناقض مع القيم الرياضية العالمية التي تدعو للترحيب والتقارب بين الشعوب.
تمثلت أبرز هذه التجاوزات في قضية الحكم الصومالي الدولي عمر قرطان، الذي يعد من نخبة الحكام في القارة السمراء. ورغم اختياره من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ليكون أول حكم صومالي يشارك في نهائيات المونديال، إلا أن السلطات الأمريكية منعت دخوله وأعادته من مطار ميامي بشكل مهين رغم حيازته وثائق رسمية.
لم تتوقف الإجراءات عند الحكام، بل امتدت لتطال البعثات الرياضية العربية، حيث واجه المنتخب العراقي مضايقات وصفت بالاستفزازية في مطار شيكاغو. وقد تعرض نجم المنتخب وقائده أيمن حسين للاحتجاز لساعات طويلة، تخللها تفتيش دقيق لمحتويات هاتفه الشخصي في خطوة أثارت استياءً واسعاً في الأوساط الرياضية.
وفي حادثة أخرى تعكس حجم التضييق، قامت سلطات المطار بترحيل مصور المنتخب العراقي بعد إخضاعه لتحقيق ماراثوني استمر لأكثر من عشر ساعات متواصلة. هذه التصرفات حولت نقاط الدخول الأمريكية إلى ساحات لانتهاك كرامة الرياضيين، مما يهدد حرية تنقل الطواقم الفنية واللاعبين المشاركين في العرس الكروي العالمي.
أمام هذا الصلف الرسمي، يبرز تساؤل كبير حول دور الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الذي بدا في موقف العاجز عن حماية كوادره. ويرى مراقبون أن اكتفاء الفيفا بالصمت تجاه هذه الانتهاكات يمس جوهر البطولة، ويضع نزاهة التنظيم والمساواة بين المشاركين على المحك أمام القوى الكبرى.
إن غياب الموقف الحازم من قبل 'فيفا' تجاه ما تعرض له الحكم قرطان والوفد العراقي يشير إلى تفضيل المصالح التجارية والسياسية مع واشنطن على حساب المبادئ الرياضية. هذا التواطؤ الضمني يشرعن الممارسات التي تفرق بين الرياضيين بناءً على جنسياتهم، وهو ما يتنافى مع ميثاق الأولمبياد وروح كرة القدم.
الأزمات لم تقتصر على الجانب الأمني، بل امتدت لتشمل الجشع المالي، حيث قفزت أسعار التذاكر إلى مستويات فلكية غير مسبوقة. فقد سجلت بعض المقاعد أسعاراً تجاوزت 11 ألف دولار، نتيجة اعتماد نظام 'التسعير الديناميكي' الذي يهدف لتحقيق أقصى ربح ممكن على حساب المشجعين البسطاء.
لو أن جزءاً يسيراً من هذه الانتهاكات حدث قبل مونديال قطر، لتحول إلى عناوين يومية وتهم جاهزة بالفشل في الإعلام الغربي.
تحول المونديال تحت رعاية الاتحاد الدولي والسلطات الأمريكية من مهرجان شعبي يجمع العالم إلى مشروع تجاري نخبوي بامتياز. هذا التوجه يستهدف جيوب الجماهير بلا رحمة، ويحرم الملايين من فرصة متابعة فرقهم الوطنية، مما يفرغ البطولة من محتواها الإنساني والاجتماعي الذي عرفت به تاريخياً.
تضاف إلى ذلك عيوب لوجستية بدأت تظهر في تجهيزات الملاعب، حيث تشير مصادر إلى أن العديد من المنشآت صممت أساساً لمباريات الكرة الأمريكية. هذا الاختلاف في التصميم الهندسي ونوعية العشب قد يؤثر بشكل مباشر على جودة الأداء الفني للاعبين، ويثير شكوكاً حول مدى جاهزية البنية التحتية لاستضافة كرة القدم التقليدية.
إن المقارنة بين ما يحدث اليوم وما حدث قبيل مونديال قطر 2022 تكشف بوضوح عن حجم ازدواجية المعايير في الإعلام الدولي. فبينما كانت تشن حملات شعواء ضد التنظيم العربي لأدنى الملاحظات، تمر الانتهاكات الأمريكية الحالية بصمت مطبق ودون أي إدانة دولية تذكر من المؤسسات الحقوقية الكبرى.
لو أن جزءاً يسيراً من هذه الفضائح التنظيمية أو التعنت الأمني حدث في بلد عربي، لكانت العناوين الرئيسية في الصحف الغربية تتحدث عن الفشل الذريع. ولخرجت التقارير الوثائقية التي تهاجم القدرات التنظيمية وتطالب بسحب البطولة، لكن 'الحصانة' الأمريكية تحجب الرؤية عن تلك التجاوزات الصارخة.
هذا التباين في التعاطي الإعلامي يؤكد أن صناعة الرأي العام الرياضي العالمي تخضع لأجندات سياسية بعيدة كل البعد عن الحياد. فالمعايير التي تطبق على دول الشرق الأوسط تختفي تماماً عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة، مما يضع مصداقية الصحافة العالمية في اختبار حقيقي أمام جمهورها.
إن ما يحدث اليوم في مطارات أمريكا هو جرس إنذار لجميع الاتحادات الرياضية حول العالم بضرورة التحرك لحماية لاعبيها. فالرياضة يجب أن تظل جسراً للتواصل، لا وسيلة لممارسة الضغوط الأمنية أو إهانة الكرامة الإنسانية تحت ذرائع واهية لا تخدم سوى العقلية الإقصائية.
في الختام، يبقى مونديال 2026 أمام تحديات كبرى قد تعصف بنجاحه الجماهيري إذا استمرت هذه السياسات التعسفية. وعلى المجتمع الرياضي الدولي أن يدرك أن صمته اليوم هو مشاركة في تدمير قيم اللعبة، وأن العدالة في الملاعب تبدأ من العدالة في المعاملة عند بوابات الدخول.





شارك برأيك
أزمات تسبق المونديال: انتهاكات أمريكية بحق رياضيين وصمت يلف 'فيفا'