سلطت دراسة حديثة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب الضوء على التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب على غزة في البيئة الدولية. وتعكس هذه الوثيقة قلقاً متزايداً داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي من التراجع الحاد في صورة الدولة عالمياً، وهو ما بات يُصنف كتهديد مباشر للأمن القومي يستدعي استنفاراً مؤسسياً شاملاً.
الدراسة التي أعدها الباحثان عكيفا تور وأوفير دايان، وحملت عنواناً صريحاً يربط بين تدهور الصورة والإضرار بالأمن، لا تصدر عن جهة عابرة. بل تأتي من واحد من أبرز مراكز التفكير التي ترسم ملامح السياسات الإسرائيلية، مما يمنح توصياتها ثقلاً استراتيجياً يتجاوز مجرد التحليل الإعلامي التقليدي.
وتكشف المادة التحليلية عن مفارقة جوهرية يواجهها الاحتلال؛ فبينما تدعي المؤسسة العسكرية تحقيق إنجازات ميدانية منذ السابع من أكتوبر، يرى الباحثون أن هذه النتائج لم تترجم إلى مكاسب سياسية. بل على العكس، فقدت إسرائيل بشكل متسارع معركة الشرعية والرأي العام العالمي أمام حجم الدمار والضحايا.
ويشير التقرير إلى أن أزمة الصورة لم تعد مجرد خلل في أدوات التواصل، بل تحولت إلى عائق أمام تحقيق الأهداف الاستراتيجية. وهذا يعكس فهماً جديداً داخل النخبة الإسرائيلية بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان النفوذ في نظام دولي باتت فيه الصورة الأخلاقية جزءاً لا يتجزأ من عناصر القوة.
ومن بين المؤشرات التي رصدتها الدراسة، تصاعد الملاحقات القانونية ضد المسؤولين الإسرائيليين في المحاكم الدولية واتساع رقعة المقاطعة الأكاديمية. كما لفتت الانتباه إلى تراجع مستويات التأييد في المجتمعات الغربية، وخاصة في الولايات المتحدة التي تعد الحليف الاستراتيجي الأهم للاحتلال.
وتتخوف الدوائر الإسرائيلية من أن هذه الظواهر ليست أحداثاً عابرة، بل هي حلقات في مسار قد يؤدي إلى عزلة سياسية خانقة. وتزداد هذه المخاوف مع رصد تنامي التأييد للقضية الفلسطينية بين الأجيال الشابة في الجامعات الغربية، وهو ما يهدد المواقف الرسمية لتلك الدول في العقود المقبلة.
المثير في التفكير الإسرائيلي، كما تظهره الدراسة، هو الهروب من مواجهة حقيقة السياسات الميدانية كسبب للأزمة. فبدلاً من مراجعة أثر العمليات العسكرية والانتهاكات، تميل النخبة إلى لوم أدوات الدعاية (الهسبارا) وفشلها في تسويق الرواية الرسمية للعالم الخارجي بصورة مقنعة.
أزمة الصورة لم تعد مجرد إشكال دعائي أو إعلامي، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في الأمن القومي ذاته.
وترى الدراسة أن المشكلة تكمن في غياب قيادة مركزية للخطاب الإعلامي وتشتت الجهود بين المؤسسات الرسمية المختلفة. وبناءً على ذلك، تقترح الوثيقة إعادة بناء منظومة الإعلام السياسي من جذورها لتكون قادرة على مواجهة ما تصفه بـ 'حرب الرواية' التي تدور رحاها في الفضاء الرقمي.
وتدعو التوصيات إلى إنشاء 'قيادة مركزية للرواية' تتولى تنسيق الرسائل السياسية والقانونية والإعلامية بشكل موحد. ويهدف هذا المقترح إلى استعادة المبادرة في الساحات الأكاديمية والثقافية الغربية، ومحاولة التأثير في وعي الشباب الذين باتوا أكثر ميلاً لتبني السردية الفلسطينية.
كما تقترح الدراسة تشكيل فرق قانونية وفنية متخصصة لمواجهة الاتهامات الدولية الموجهة لإسرائيل في المحافل القضائية. ويشمل ذلك توسيع شبكات المؤيدين وتدريب ناشطين قادرين على الدفاع عن السردية الصهيونية في مواجهة تدفق المعلومات والصور الحية من مناطق النزاع.
وتعكس هذه الوثيقة إدراكاً إسرائيلياً بفقدان الاحتكار التقليدي للمعلومة في الغرب، خاصة مع صعود الإعلام البديل ومنصات التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت المبادرات المدنية والأفراد قادرين على إنتاج محتوى ينافس الروايات الرسمية للدول ويكشف زيف الادعاءات الدعائية الممنهجة.
وفي تعقيبه على الدراسة، أشار المترجم الدكتور نهاد الشيخ خليل إلى أن المقاربة الإسرائيلية تظل قاصرة لكونها تعتبر الأزمة 'اتصالية' فقط. فهي تتجاهل أن الصورة السلبية هي انعكاس مباشر لسياسات وممارسات يراها العالم يومياً، وليست مجرد سوء فهم يمكن علاجه بحملات إعلانية.
إن الصراع القائم، كما تصوره الدراسة، انتقل من حدود الجغرافيا إلى حدود الوعي والشرعية الدولية. وباتت القدرة على إقناع العالم بعدالة الموقف جزءاً من ميزان القوى الذي يحدد مصير الدول وقدرتها على الاستمرار في سياساتها دون التعرض لعقوبات أو عزلة.
ختاماً، تمثل هذه الوثيقة مؤشراً مهماً على انتقال القلق الإسرائيلي من إدارة العمليات الحربية إلى إدارة آثارها المعنوية والسياسية. وهي تؤكد أن معركة الرواية لا تقل ضراوة عن المعارك الميدانية، في ظل إعادة تشكل المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية بشكل غير مسبوق.





شارك برأيك
دراسة إسرائيلية تحذر: تآكل الشرعية الدولية بات يهدد الأمن القومي