تحليل

الجمعة 17 أبريل 2026 2:57 مساءً - بتوقيت القدس

الفاعل الجماعي التونسي وأزمة 'الاعتراف': قراءة في تحالفات اليسار والمنظومة القديمة

تشكلت الهوية السياسية للدولة التونسية ما بعد الاستقلال تحت هيمنة النخب الفرنكفونية، التي صاغت ما يعرف بـ 'الأساطير التأسيسية' للنمط المجتمعي التونسي. هذه النخب تحركت ضمن سقف 'البورقيبية' التي احتكرت سرديات التحرير والتحديث الفوقي، مما خلق توترات مستمرة مع التيارات الماركسية والقومية والإسلامية.

اعتمدت السلطة استراتيجية التمييز بين الخصوم، حيث اعتبرت اليسار بمختلف فصائله 'تناقضاً ثانوياً' يمكن احتواؤه داخل أجهزة الدولة والنقابات. في المقابل، صُنفت الحركة الإسلامية كـ 'تناقض رئيس' وعدو وجودي للدولة-الأمة، مما استوجب تحويلها إلى ملف أمني وقضائي بامتياز.

شهد عام 1987 تحولاً جذرياً مع صعود زين العابدين بن علي، حيث بدأ ما يمكن وصفه بـ 'ربيع اليسار' الوظيفي الذي تحالف مع السلطة. هذا التحالف قام على مقايضة الاعتراف السياسي بمواجهة 'الخطر الإخواني'، وهو ما عزز نفوذ اليسار في قطاعات الإعلام والثقافة والتعليم.

أنتجت 'محرقة الإسلاميين' في التسعينات عقداً غير مكتوب بين النواة الصلبة للحكم و'العائلة الديمقراطية'. وبموجب هذا العقد، منحت السلطة امتيازات مادية ومعنوية لليسار مقابل شرعنة القمع وتأجيل المطالب الديمقراطية بحجة حماية النمط المجتمعي من 'الرجعية'.

جاءت الثورة التونسية لتربك هذه الحسابات، حيث كشفت صناديق الاقتراع عن ضعف العمق الشعبي للأقليات الأيديولوجية التي استمدت قوتها سابقاً من السلطة. هذا الواقع دفع قطاعات واسعة من اليسار لوصم الثورة بأنها 'مؤامرة إمبريالية' لرفضهم القبول بنتائج الديمقراطية التمثيلية.

عمل اليسار الوظيفي خلال عشرية الانتقال الديمقراطي على محورين أساسيين لإفشال المسار المواطني. تمثل المحور الأول في رفض الاعتراف بالإسلاميين كجزء من القوى الديمقراطية، بينما ركز الثاني على التطبيع مع ورثة المنظومة القديمة لمواجهة الخصم المشترك.

من جهتها، سعت حركة النهضة للحصول على 'اعتراف' يتجاوز الشرعية القانونية الهشة، مما دفعها لسياسة التوافق مع 'نداء تونس'. هذا الخيار أثبت فشله لاحقاً، حيث تحولت الحركة إلى ما يشبه 'شاهد زور' على خيارات المنظومة القديمة وحلفائها.

يرى التحليل أن الصراع في تونس ليس صراعاً على أصوات الناخبين بقدر ما هو سباق للحصول على اعتراف 'النواة الصلبة' للدولة. هذه النواة التي تمثل المركب الجهوي والأمني والمالي، تظل هي المانح الحقيقي للشرعية في نظر الفاعلين السياسيين الوظيفيين.

إن موقف اليسار من إجراءات 'تصحيح المسار' في 25 يوليو يعكس استمرار ذات العقلية الإقصائية القديمة. فقد فضل هذا التيار 'الموالاة النقدية' للسلطة الجديدة على العودة إلى مربع الديمقراطية التي كانت تتصدرها حركة النهضة، مفضلاً تصحير الحياة السياسية.

تتجلى أزمة الفاعل الجماعي التونسي في العجز عن إنتاج سردية وطنية جامعة تتجاوز الإرث البورقيبي ومخلفات الاستعمار الجديد. فالقوى السياسية لا تزال حبيسة مقولات أيديولوجية قديمة ترفض المراجعة النقدية أو الاعتراف المتبادل على أسس مواطنية.

حركة النهضة لم تكن بمنأى عن هذا المنطق، إذ استمرت في رؤية اليسار كعدو 'استئصالي' بينما اعتبرت المنظومة القديمة شريكاً ممكناً. هذا التقدير الخاطئ أدى إلى تآكل رصيدها الشعبي وفشلها في بناء جبهة ديمقراطية حقيقية تواجه الدولة العميقة.

باستخدام المفهوم الهيغلي، يظل البحث عن 'الاعتراف' هو المحرك الباطني لكل الصراعات السياسية في تونس منذ الاستقلال. لكن المشكلة تكمن في أن هذا الاعتراف يُطلب من 'السيد' (السلطة) وليس من 'الشعب'، مما يعيد إنتاج التبعية الوظيفية.

إن مسار 25 يوليو، رغم شعاراته، يبدو غير قادر على إنتاج نخب بديلة قادرة على إدارة الصراع خارج الاستقطاب الهوياتي. فالسلطة الحالية تظهر رفضاً للشراكة مع الأجسام الوسيطة، مما يضع 'اليسار الوظيفي' في موقف حرج بين الموالاة والتهميش.

في الختام، تظل السياسة التونسية محكومة بعقدة الاعتراف السلطوي التي قتلت الفعل السياسي الحر وضربت الحقوق الجماعية. ولن يتحقق الانتقال الحقيقي إلا بكسر هذه الحلقة المفرغة والعودة إلى شرعية القاعدة الانتخابية كمرجع وحيد للعمل السياسي.

دلالات

شارك برأيك

الفاعل الجماعي التونسي وأزمة 'الاعتراف': قراءة في تحالفات اليسار والمنظومة القديمة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.