تسود أجواء من العتب الشديد والغضب العارم داخل الأوساط الإسرائيلية، حيث يهيمن مزاج عام متكدر جراء وقف الحرب على الجبهة اللبنانية قبل تحقيق أهدافها المعلنة. ويرى مراقبون أن فرض الرئيس الأمريكي للاتفاق أظهر إسرائيل وكأنها ولاية أمريكية لا تملك قرارها السيادي بيدها، وسط تكذيب واسع للرواية الرسمية الحكومية.
ومنذ لحظة الإعلان من واشنطن عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، تصاعدت الاتهامات الموجهة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس بالكذب ونثر الأوهام. ووصف محللون اللغة المستخدمة من قبل القيادة السياسية بأنها 'متعجرفة وفارغة'، خاصة بعد الموافقة على هدنة مؤقتة لمدة عشرة أيام.
وأفادت مصادر إعلامية بأن وزراء في حكومة نتنياهو أعربوا عن استيائهم العميق من طريقة الإعلان عن الاتفاق، حيث علموا به عبر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وليس عبر القنوات الرسمية. هذا التغييب للوزراء عزز الشعور بوجود تفاهمات سرية تمت بمعزل عن المؤسسة السياسية والأمنية المصغرة في تل أبيب.
وفي مناطق الشمال، عبر رؤساء الحكم المحلي عن صدمتهم من وقف النار المفاجئ، واتهموا الحكومة بأنها 'باعتهم' مقابل تسويات سياسية لا تضمن أمنهم المستقبلي. وصرح موشيه دافيدوفيتش، رئيس منتدى البلدات الحدودية، بأن ما حدث يمثل حكماً بالانتظار حتى وقوع المواجهة القادمة التي قد تكون أكثر دموية.
من جانبه، انتقد أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب 'إسرائيل بيتنا'، القرار بشدة معتبراً أن حكومة السابع من أكتوبر لم تتعلم شيئاً من دروس الماضي. ووصف ليبرمان في تصريحات له وقف إطلاق النار بأنه 'خيانة' صريحة لسكان الجليل الذين لا يزالون يعانون من تبعات القصف والنزوح.
وأشارت تقارير صحفية إلى أن نتنياهو اضطر للموافقة على وقف القتال تحت ضغط مباشر من ترامب، الذي فرض رأيه دون إطلاع الكابنيت سلفاً. ورغم أن الجيش لن ينسحب من الأراضي التي يتواجد فيها حالياً، إلا أن الشعور بالخيانة يسيطر على المستوطنين في المناطق الشمالية.
وفي سياق التحليل السياسي، اعتبر محللون أن وقف النار هو 'الحل الأقل سوءاً' في ظل الظروف الراهنة، مؤكدين أن الوعود بتفكيك حزب الله كانت مجرد أوهام. وأوضحوا أن من اعتقد بإمكانية إزالة تهديد الحزب بالكامل تورط في حسابات خاطئة لم ولن تتحقق على أرض الواقع.
ما حصل هو حكم بالانتظار حتى المذبحة القادمة، والحكومة باعت سكان الشمال بوعود فارغة.
ولفتت مصادر صحفية إلى أن عامين من الحرب ضد حماس لم يؤديا إلى إزالة تهديدها بالكامل، فكيف الحال مع حزب الله الذي يعتبر أقوى بكثير عسكرياً وتنظيمياً. وتساءل مراقبون بسخرية عن جدوى الوعود التي كان ينثرها نتنياهو وكاتس مرتين يومياً وهما يدركان عدم واقعيتها.
وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن حزب الله لا يزال يقف على قدميه رغم الضربات الموجعة التي تلقاها في هيكليته القيادية. فالقوة النارية المتبقية في يد الحزب، خاصة شمال الليطاني، قادرة على استنزاف الجبهة الداخلية الإسرائيلية لشهور طويلة إضافية دون رادع حقيقي.
ويرى محللون عسكريون أن الاتفاق الحالي مفروض قسراً، لكنه قد يحمل بعض الامتيازات في حال نجح ترامب في التوصل لاتفاق مع طهران. فممارسة الضغط على الممول الرئيسي للحزب قد تدفعه مستقبلاً للموافقة على تفكيك سلاحه الثقيل، وهو رهان سياسي طويل الأمد.
وعلى مستوى المعارضة، يرى عاموس هارئيل أن ترامب فرض الاتفاق كما فعل سابقاً في ملفات إقليمية أخرى، مما ترك إسرائيل دون تحقيق 'شهوتها العسكرية'. وأضاف أن المعطيات التي سيطرحها الجيش عن عدد القتلى في صفوف الخصم لن تعزي السكان الذين وُعدوا بالأمن المطلق.
وفيما يخص الجانب اللبناني، يرى محللون أن الشراكة مع الحكومة اللبنانية تظل 'محدودة الضمان' وغير مستقرة. واعتبروا أن رفض قائد الجيش اللبناني جوزيف عون التحدث مع نتنياهو هو دليل على أن بيروت تقع في قلب التجاذبات الدولية بين واشنطن وطهران.
وانتقد المحلل بن كاسبيت فقدان استقلالية القرار الإسرائيلي، مشيراً إلى أن نتنياهو كان سيقيم الدنيا لو أن خصومه هم من وافقوا على اتفاق تفرضه واشنطن بهذا الشكل. واعتبر أن المنجزات التكتيكية للجيش ممتازة، لكن الفشل الاستراتيجي يكمن في تحويل إسرائيل إلى 'جمهورية موز'.
وخلصت القراءات السياسية إلى أن الطريق نحو هدوء طويل الأمد يتطلب مزيجاً من القوة العسكرية والتسوية السياسية الواقعية. ومع ذلك، يبقى الأمن المستعاد لسكان الشمال هشاً ومؤقتاً، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام العشرة القادمة من تنفيذ لبنود المبادرة الأمريكية.





شارك برأيك
غضب في إسرائيل واتهامات لنتنياهو بـ 'الكذب' بعد فرض ترامب وقفاً للنار في لبنان