تحليل

الجمعة 17 أبريل 2026 8:04 صباحًا - بتوقيت القدس

لقاء أميركي–حمساوي في القاهرة: دبلوماسية مشروطة أم إدارة للأزمة؟





واشنطن – سعيد عريقات – 17/4/2026


تحليل إخباري


في مشهد يعكس تعقيدات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، كشفت تقارير عن اجتماع نادر جمع مسؤولين أميركيين مع قيادات من حركة حماس في القاهرة، في محاولة لتحريك مسار المفاوضات المتعثر بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة. غير أن هذا اللقاء، بدلاً من أن يعكس اختراقاً دبلوماسياً حقيقياً، يسلّط الضوء على نمط متكرر في المقاربة الأميركية: إدارة الأزمة بدل حلّها، وفرض الشروط بدل بناء التفاهمات.


الاجتماع الذي ضم كبير مفاوضي حماس خليل الحية، والمستشار الأميركي آري لايتستون، إلى جانب نيكولاي ملادينوف (الذي يلقب بعدو فلسطين)، جاء في سياق جهود ما يُعرف بـ"مجلس السلام" المدعوم من واشنطن، والذي يتولى رسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب في غزة. ورغم أن هذه القناة التفاوضية تبدو في ظاهرها خطوة إيجابية، فإنها في جوهرها تعكس اختلالاً واضحاً في طبيعة الوساطة الأميركية، التي لا تخفي انحيازها البنيوي للرؤية الإسرائيلية.


الطرح الأميركي يقوم على معادلة تبدو، للوهلة الأولى، منطقية: إعادة إعمار غزة مقابل نزع سلاح حماس. لكن هذه المعادلة، عند تفكيكها، تكشف عن خلل عميق في ترتيب الأولويات، إذ تُختزل عملية سياسية معقدة في شرط أمني واحد، بينما تُؤجل أو تُهمّش قضايا أساسية مثل رفع الحصار، وضمان تدفق المساعدات، ووقف الانتهاكات الميدانية.


حماس، من جهتها، لم ترفض المقترح فقط من منطلق أيديولوجي، بل استندت إلى معطيات ميدانية تشير إلى استمرار الضربات الإسرائيلية داخل القطاع، وتراجع مستوى المساعدات الإنسانية، وتوسيع مناطق السيطرة الإسرائيلية. هذه الوقائع، التي لم تتمكن واشنطن من كبحها رغم نفوذها، تضعف أي ادعاء بدور الوسيط، وتحوّل المفاوضات إلى عملية تفاوض تحت الضغط.


الأكثر دلالة أن الولايات المتحدة، التي نجحت في تشرين الأول 2025 في رعاية اتفاق أوقف الحرب نسبياً، لم تتمكن من ترجمة هذا النجاح إلى مسار مستدام. فبدلاً من البناء على المرحلة الأولى، أعادت إنتاج نفس المنطق: الأمن أولاً، وما عداه لاحقاً. هذا النهج لا يعكس فقط قصوراً في الفهم، بل ربما يعكس أيضاً غياب إرادة سياسية حقيقية لفرض توازن في الالتزامات.


في الميدان، تستمر إسرائيل في تنفيذ ضربات شبه يومية، معلنة استهداف عناصر وقيادات في حماس، وهو ما يفاقم التوتر ويقوض الثقة. ورغم أن واشنطن مارست بعض الضغوط الشكلية لزيادة المساعدات، فإنها لم تربط ذلك بأي آلية إلزامية أو محاسبة، ما يجعل هذه الخطوات أقرب إلى تحسينات تجميلية منها إلى تغيير جوهري.


ضمن هذا السياق، تبرز مفارقة أساسية: الولايات المتحدة تسعى إلى فرض نموذج لإدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب، يشمل قوة متعددة الجنسيات وإدارة تكنوقراطية، لكنها في الوقت ذاته تتجاهل الشروط السياسية التي تجعل هذا النموذج قابلاً للحياة. فغياب التوافق المحلي، واستمرار الاحتلال بأشكاله المختلفة، يجعلان أي ترتيبات مفروضة عرضة للانهيار.


وفي نهاية المطاف، لا يمكن فصل هذا المسار التفاوضي عن الإطار الأوسع للسياسة الأميركية في المنطقة، التي تعاني من أزمة مصداقية متفاقمة. فواشنطن، التي تقدم نفسها كوسيط، تمارس في الواقع دوراً مزدوجاً: تدعم طرفاً عسكرياً وسياسياً، وتحاول في الوقت ذاته إدارة تداعيات هذا الدعم عبر قنوات دبلوماسية محدودة التأثير.


هذا التناقض ينعكس بوضوح في مسار المفاوضات الحالية، حيث يُطلب من حماس تقديم تنازلات استراتيجية كبرى، في وقت لا تُقدَّم فيه ضمانات حقيقية لحقوق الفلسطينيين الأساسية. وبدلاً من أن تكون الوساطة الأميركية أداة لتحقيق توازن، تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج اختلال قائم، ما يفسر حالة الجمود المستمرة.


إن الإصرار الأميركي على ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح، دون معالجة الجذور السياسية والإنسانية للصراع، لا يعكس فقط قراءة قاصرة للواقع، بل يكرس أيضاً نموذجاً تفاوضياً غير قابل للاستدامة. فالتجارب السابقة أثبتت أن الاستقرار لا يُفرض من خلال شروط أمنية أحادية، بل يُبنى عبر تسويات شاملة تعالج الأسباب لا النتائج.


كما أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، في ظل صمت أو تبرير أميركي، يضعف أي ثقة في حيادية الوساطة، ويعزز الانطباع بأن واشنطن تستخدم الدبلوماسية كغطاء لإدارة الصراع، لا لإنهائه. هذا النهج، وإن كان يحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، فإنه يفاقم الأزمات على المدى الطويل.


وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل غزة سيظل رهينة لهذا التناقض الأميركي: بين خطاب يسوّق للحلول، وممارسة تكرّس الأزمة. ما لم تُعد واشنطن النظر في مقاربتها، وتنتقل من منطق الشروط إلى منطق التوازن، فإن أي اتفاق سيبقى هشاً، وأي تهدئة مؤقتة، وأي سلام مؤجلاً.

دلالات

شارك برأيك

لقاء أميركي–حمساوي في القاهرة: دبلوماسية مشروطة أم إدارة للأزمة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.