تحليل

الجمعة 17 أبريل 2026 8:00 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يعلن عن هدنة مؤقتة بين لبنان وإسرائيل


واشنطن – سعيد عريقات – 16/4/2026

في تطور لافت على مسار التصعيد الإقليمي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب  ، يوم الخميس، توصل كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون  ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو  إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام، في وقت كانت المواجهات بين إسرائيل و"حزب الله" لا تزال في أوجها، مدفوعة بتداخلات إقليمية معقدة.

وجاء إعلان ترامب عبر منصته "تروث سوشال Truth Social"، حيث أوضح أن وقف إطلاق النار سيدخل حيّز التنفيذ عند الساعة الخامسة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، في خطوة وصفها بأنها تمهيد لتحقيق "سلام دائم". وكشف أنه أوعز إلى نائبه جيز دي فانز  ووزير خارجيته ماركو روبيو  العمل مع الطرفين لدفع العملية السياسية، موجهاً دعوة رسمية لكل من عون ونتنياهو للمشاركة في محادثات سلام مرتقبة في البيت الأبيض.

في بيروت، لقي الإعلان ترحيباً حذراً. فقد اعتبر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام  أن وقف إطلاق النار يمثل هدفاً مركزياً للبنان في المفاوضات التي شهدتها الأيام الأخيرة. غير أن الموقف الإسرائيلي بدا أكثر تشدداً؛ إذ أكد نتنياهو الموافقة على هدنة مؤقتة، لكنه شدد على أن بلاده لن تنسحب من جنوب لبنان، معلناً نية إسرائيل الإبقاء على "منطقة أمنية موسعة"، ومجدداً مطلب تفكيك "حزب الله" كشرط أساسي لأي تسوية.

على الأرض، بقيت الصورة ضبابية. لم تتضح بعد آليات تنفيذ وقف إطلاق النار، ولا مصير مئات الآلاف من النازحين في جنوب لبنان، الذين حذّرهم الجيش اللبناني من العودة إلى مناطق القتال أو الاقتراب من مواقع انتشار القوات الإسرائيلية. كما أن «حزب الله»—وهو لاعب رئيسي ميدانياً وسياسياً—لم يكن طرفاً مباشراً في المفاوضات، ما يثير تساؤلات حول مدى التزامه بأي اتفاق لا يشارك في صياغته.

في هذا السياق، نقلت تقارير إعلامية عن مسؤول في الحزب قوله إن أي التزام بوقف الأعمال العدائية مرهون بالتزام إسرائيلي شامل، ما يعكس استمرار فجوة الثقة بين الطرفين. ويزداد المشهد تعقيداً مع دخول العامل الإيراني بقوة، إذ شددت طهران على ضرورة وقف الضربات على لبنان كجزء من أي اتفاق أوسع، في حين صرّح كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف بأن التهدئة في لبنان "لا تقل أهمية" عن وقف إطلاق النار في إيران.

يأتي هذا التطور في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان ، رغم سريان هدنة منفصلة في المواجهة مع إيران. وبينما نفت واشنطن وتل أبيب شمول الاتفاق الأخير للبنان، ألمحت طهران إلى عكس ذلك، مستندة إلى تصريحات وسطاء إقليميين، ما يعكس تضارباً في الروايات يزيد من هشاشة أي تفاهم.

وكانت شرارة التصعيد قد اندلعت الشهر الماضي، بالتزامن مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لترد إسرائيل بسلسلة ضربات واسعة وغزو بري في الجنوب، معلنة سعيها لإقامة منطقة عازلة على الحدود.

وبحسب مصادر رسمية لبنانية، أسفرت المواجهات عن مقتل أكثر من 2100 شخص ونزوح ما يزيد على مليون مدني، في حين قُتل 21 شخصاً في إسرائيل نتيجة ضربات متبادلة من إيران و"حزب الله". هذه الأرقام تعكس كلفة إنسانية باهظة تضغط باتجاه أي مسار تهدئة، حتى وإن كان مؤقتاً.

وتعكس الهدنة المعلنة توازناً دقيقاً بين ضرورات التهدئة وضغوط الميدان، لكنها تفتقر إلى مقومات الاستدامة. فغياب "حزب الله" عن طاولة المفاوضات يضعف شرعية الاتفاق عملياً، ويجعله أقرب إلى تفاهم بين دولتين لا تملكان السيطرة الكاملة على مسرح العمليات. كما أن إصرار إسرائيل على البقاء في جنوب لبنان يخلق تناقضاً جوهرياً مع فكرة وقف إطلاق النار. في هذا السياق، تبدو الهدنة مجرد استراحة تكتيكية، لا تحولاً استراتيجياً، ما لم تُستكمل بإطار تفاوضي أشمل يضم جميع الفاعلين الأساسيين.

الدور الأميركي في هذا الاتفاق يكشف عن محاولة لاستعادة زمام المبادرة الدبلوماسية في منطقة تتشابك فيها الأزمات. غير أن تعدد الرسائل والتصريحات، خصوصاً من جانب دونالد ترمب  ، يخلق حالة من الإرباك في الداخل الأميركي ويضعف وضوح الإستراتيجية الخارجية. هذا التباين ينعكس على ثقة الأطراف الإقليمية بقدرة واشنطن على ضمان تنفيذ أي اتفاق طويل الأمد. وعليه، فإن نجاح المبادرة الأميركية مرهون بقدرتها على توحيد خطابها السياسي وتقديم ضمانات ملموسة تتجاوز الإعلانات الإعلامية.

ولا يمكن فصل هذا الاتفاق عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تسعى إيران إلى ربط ساحات الصراع ببعضها البعض لتعزيز موقعها التفاوضي. هذا الربط يمنح طهران أوراق ضغط إضافية، لكنه في المقابل يزيد من تعقيد أي تسوية جزئية. فالتوصل إلى تهدئة في لبنان دون معالجة جذور التوتر مع إيران يبدو أمراً صعباً. لذلك، فإن أي مسار سلام حقيقي يتطلب مقاربة شاملة تعالج التداخل بين الملفات، بدلاً من الاكتفاء باتفاقات موضعية قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني.

دلالات

شارك برأيك

ترمب يعلن عن هدنة مؤقتة بين لبنان وإسرائيل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.