تتواصل المحادثات الدبلوماسية غير المباشرة بين لبنان وسلطات الاحتلال الإسرائيلي في ظل تصعيد ميداني مستمر على الجبهة الشمالية. وتكشف هذه الاتصالات المكثفة عن فجوة واسعة في الرؤى، حيث يصر الاحتلال على أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تتضمن ترتيبات أمنية جذرية تبدأ بملف سلاح حزب الله.
وأفادت مصادر إعلامية بأن القصف المتبادل استمر بكثافة طوال ليل الأربعاء وحتى صباح الخميس، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية وُصفت بالسرية. وتهدف هذه التحركات، التي تقودها الولايات المتحدة، إلى الوصول لصيغة تضمن وقفاً مستداماً لإطلاق النار يتجاوز مجرد التهدئة المؤقتة.
وشهدت العاصمة واشنطن اجتماعاً ضم السفيرين اللبناني والإسرائيلي يوم الثلاثاء الماضي، في خطوة مهدت الطريق لانتظار مقترح أمريكي جديد. ومن المتوقع أن يقدم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطة تهدف لدفع الطرفين نحو اتفاق سياسي وأمني شامل ينهي حالة الصراع القائمة.
وفي تطور لافت، أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى أن قادة من الجانبين سيتحدثون اليوم لأول مرة منذ عقود. ووصف ترامب هذا التواصل بأنه 'تطور رائع'، مما يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في تحقيق خرق دبلوماسي سريع في هذا الملف المعقد.
وتثير هذه الاتصالات اهتماماً إقليمياً واسعاً نظراً لندرة التواصل بين دولتين لا تجمعهما علاقات رسمية وتعيشان حالة عداء مستمرة. وتتساءل الأوساط السياسية عما إذا كانت هذه الخطوات تمثل بداية حقيقية لإنهاء الحرب أم أنها مجرد جولة جديدة في مسار تفاوضي طويل.
وتتمسك إسرائيل بمطلب رئيسي يتمثل في إبعاد حزب الله عن الحدود ونزع سلاحه لضمان أمن سكان الشمال. في المقابل، يرى الجانب اللبناني أن الأولوية القصوى يجب أن تمنح لوقف إطلاق النار الفوري وحماية السيادة الوطنية وتجنب الانهيار الداخلي الشامل.
وتبرز ملفات الحدود كأحد العوائق الفنية، حيث توجد نحو 13 نقطة نزاع على طول الخط الأزرق الفاصل بين الجانبين. ورغم أن هذه النقاط تُصنف كخلافات جغرافية بسيطة، إلا أن رمزيتها السياسية تجعل من الصعب التنازل عنها دون اتفاق إطاري متكامل.
قادة إسرائيل ولبنان سيتحدثون اليوم لأول مرة منذ عقود في تطور رائع للمسار الدبلوماسي.
ويبقى ملف مزارع شبعا العقدة الأكثر تعقيداً في المفاوضات الحدودية نظراً لارتباطه بمواقف إقليمية تشمل الجانب السوري. وتعتبر إسرائيل هذه المنطقة أرضاً سورية محتلة منذ عام 1967، بينما يصر لبنان على لبنانيتها، مما يحولها إلى ملف إقليمي يتجاوز الصراع الثنائي.
وتتضمن المقترحات الأمنية المطروحة إنشاء مناطق متدرجة في الجنوب اللبناني تبدأ بمنطقة منزوعة السلاح تماماً حتى نهر الليطاني. وتهدف هذه الخطط إلى تعزيز وجود الجيش اللبناني وقوات الرقابة الدولية لضمان عدم عودة المظاهر المسلحة إلى المناطق الحدودية الحساسة.
ومع ذلك، تشير تقارير إلى أن العقبة الكبرى تظل متمثلة في نفوذ حزب الله العسكري والسياسي داخل الدولة اللبنانية. ويمتلك الحزب القدرة على التأثير في مسار أي اتفاق أو تعطيله بالكامل، سواء عبر العمليات الميدانية أو من خلال ثقله في المؤسسات الدستورية.
وذكرت مصادر صحفية أن المحادثات الجارية تعكس غياباً عميقاً للثقة بين الأطراف المتصارعة، حيث يتعامل كل طرف بتصور مختلف للأزمة. فبينما تسعى إسرائيل لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي، يركز لبنان على وقف نزيف الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
ويعكس استمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع المسار السياسي هشاشة التفاهمات الأولية التي تم التوصل إليها حتى الآن. ويؤكد مراقبون أن غياب الالتزام الواضح بوقف شامل للقتال يجعل من الصعب بناء أرضية صلبة لأي اتفاق سياسي طويل الأمد.
ويظل حزب الله هو الفاعل الأهم في معادلة الحرب والسلام، حيث لا يمكن تجاوز دوره كلاعب سياسي داخلي وقوة عسكرية كبرى. ويرى محللون أن أي اتفاق لا يتضمن ترتيبات واضحة ومقبولة بشأن سلاح الحزب سيظل غير قابل للتطبيق الفعلي على أرض الواقع.
وفي الختام، يبقى المسار الدبلوماسي معلقاً بانتظار ما ستسفر عنه الضغوط الأمريكية واللقاءات المرتقبة بين القادة. وتترقب المنطقة بحذر نتائج هذه التحركات، وسط مخاوف من أن يؤدي فشل المفاوضات إلى موجة جديدة وأكثر عنفاً من التصعيد العسكري.





شارك برأيك
تعقيدات أمنية وسياسية تعرقل مسار التفاهم بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي