كشفت أوساط أمنية واستراتيجية في دولة الاحتلال عن تزايد الاهتمام بمشروع الممر الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، كخيار استراتيجي لمواجهة التحديات الناجمة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات العسكرية والحصار البحري الذي يشهده الخليج العربي، مما يهدد تدفقات الطاقة العالمية.
أفادت مصادر متخصصة في الأمن القومي بأن مضيق هرمز بات مغلقاً بشكل فعلي منذ أواخر فبراير 2026، تزامناً مع انطلاق عمليات جوية واسعة استهدفت مواقع إيرانية. وقد أدى هذا الوضع إلى شلل كبير في حركة ناقلات النفط والغاز، وسط تقارير تشير إلى احتجاز مئات السفن داخل مياه الخليج نتيجة المخاطر الأمنية العالية.
يمثل مضيق هرمز شرياناً لا غنى عنه للاقتصاد العالمي، حيث يتدفق عبره نحو ربع تجارة النفط البحرية وخمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال. ومع انتشار الألغام البحرية وتهديدات الطائرات المسيرة، أصبحت الملاحة في هذا الممر الحيوي مقامرة غير محسومة النتائج، مما دفع القوى الدولية للبحث عن مسارات بديلة.
في هذا السياق، برز مشروع الممر الاقتصادي الدولي (IMEC) كمنصة استراتيجية تهدف لتعزيز سلاسل التوريد بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية. ورغم أن المشروع يعتمد على مزيج من النقل البحري والسكك الحديدية، إلا أنه يواجه تحديات تقنية وجغرافية تحول دون كونه بديلاً كاملاً لنقل الطاقة الأحفورية بكميات ضخمة.
أوضحت خبيرة الاستراتيجية البحرية، إيلونا دروزدوف أن هناك فرقاً جوهرياً بين وظيفة مضيق هرمز ومشروع الممر الجديد، حيث يخدم الأول أسواق الطاقة في شرق آسيا بشكل أساسي. في المقابل، يركز ممر (IMEC) على ربط الهند بالأسواق الأوروبية، مما يجعله مكملاً للطرق البحرية وليس بديلاً شاملاً لها.
يهدف المشروع في جوهره إلى خلق 'فائض استراتيجي' في نظام التجارة العالمي، خاصة بعد تضرر الطرق الشمالية والجنوبية بسبب النزاعات الدولية. فالحرب في أوكرانيا عطلت المسارات الروسية، بينما أدت الهجمات في البحر الأحمر إلى زعزعة الاستقرار في قناة السويس وباب المندب، مما جعل الحاجة لمسار جديد أمراً ملحاً.
ترى الدوائر الإسرائيلية أن تفعيل هذا الممر يمثل فرصة تاريخية لتعزيز مكانة ميناء حيفا كبوابة رئيسية على البحر المتوسط. ومن شأن هذا التحول أن يربط الاقتصادات الخليجية والهندية بالعمق الأوروبي، مما يمنح الاحتلال دوراً محورياً في خارطة التجارة الدولية الجديدة.
مضيق هرمز يظل شرياناً حيوياً للطاقة لا يمكن للممرات البرية مضاهاة قدرته على نقل الكميات الضخمة من النفط والغاز.
رغم الطموحات الكبيرة، لا يزال المشروع يصطدم بعقبات جيوسياسية معقدة، أبرزها تعثر مسار التطبيع الكامل مع بعض القوى الإقليمية المؤثرة مثل السعودية. كما أن البنية التحتية للمشروع، خاصة في أجزائها البرية، لا تزال في مراحل التخطيط ولم تدخل حيز التنفيذ الكامل بسبب الاضطرابات الأمنية.
تشير التحليلات إلى أن الوضع الأمني المتدهور في المنطقة أدى إلى تجميد أجزاء حيوية من المشروع، لا سيما الربط السككي الذي يمر عبر الأردن. ومع ذلك، يرى مؤيدو المشروع أن المخاطر الأمنية باتت سمة ملازمة لجميع طرق التجارة العالمية، مما يستوجب توزيع هذه المخاطر بدلاً من تجنبها.
تؤكد المصادر أن استبعاد إيران من هذه المبادرات الإقليمية يعود إلى انعدام الثقة الدولي وسلسلة العقوبات المفروضة عليها بسبب سلوكها في الممرات المائية. ويعكس هذا التوجه رغبة دول المنطقة في تقليل الاعتماد على ممرات تقع تحت نفوذ جهة واحدة يمكنها تهديد استقرار الاقتصاد العالمي في أي لحظة.
إن بناء ممرات بديلة يعبر عن اتجاه إقليمي نحو 'المرونة الشاملة' وتقليل الهشاشة في مواجهة الأزمات المفاجئة. وبالرغم من أن ممر (IMEC) لن يحل كافة مشكلات سوق الطاقة، إلا أنه يوفر منصة هامة للتنويع الاقتصادي وتوسيع صادرات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر في المستقبل.
تعتبر إسرائيل أن تسريع العمل في هذا الممر يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية بعيدة المدى، حيث يقلل من قدرة الخصوم على ممارسة ضغوط اقتصادية عبر إغلاق المضائق. ويُنظر إلى المشروع كأداة لدمج اقتصاد الاحتلال بشكل أعمق في النسيج الإقليمي والدولي عبر شراكات تجارية عابرة للقارات.
في نهاية المطاف، يظل التحدي الأكبر هو تحويل هذه الرؤية الاستراتيجية إلى واقع ملموس في ظل بيئة إقليمية مشتعلة. فبينما تستمر الجهود الأمريكية لإزالة الألغام وتأمين الملاحة في هرمز، تظل العيون شاخصة نحو الممرات البرية والبحرية البديلة كصمام أمان لمستقبل التجارة بين الشرق والغرب.
يبقى ميناء حيفا هو الرهان الإسرائيلي الأكبر في هذه المعادلة، حيث تسعى تل أبيب لتحويله إلى مركز لوجستي عالمي يربط الهند بالبحر المتوسط. هذا الطموح يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً لا يبدو متاحاً في الأفق القريب، لكنه يظل هدفاً ثابتاً في أجندة التخطيط الاستراتيجي لدولة الاحتلال.





شارك برأيك
ممر الهند-أوروبا البديل: طموحات إسرائيلية لتجاوز حصار مضيق هرمز