أقلام وأراء

الإثنين 06 أبريل 2026 2:57 مساءً - بتوقيت القدس

سيكولوجية 'الرئيس المدلل': قراءة في صعود ترامب وظاهرة الزعيم الأوحد

ينقل البروفيسور الأمريكي جيفري ساكس رؤية طبية ونفسية قاتمة حول شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث يشير إلى استنتاجات أطباء نفسيين تؤكد معاناته من اضطراب نفسي حاد. وتصف هذه التقارير ترامب بأنه شخصية اندفاعية مصابة بجنون العظمة والارتياب، مما يجعله غير قادر على اتخاذ قرارات عقلانية، وهو ما قد يدفع بالولايات المتحدة نحو مواجهات كارثية.

لا تبدو فضائح ترامب وسلوكياته غريبة بالنظر إلى نشأته الأولى وخلفيته المهنية، فهو رئيس قادم من عوالم المراهنات والقمار وحلبات المصارعة ومسابقات الجمال. هذا المسار المهني البعيد عن أروقة السياسة التقليدية جعل منه شخصية إعلامية بامتياز، تقتحم المشهد السياسي بأدوات غريبة عن الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها دولياً.

يعتبر المقال أن ترامب يمثل نموذجاً لـ 'السيكوباتي' الذي لا يتورع عن استخدام لغة سوقية في خطاباته، كما حدث مؤخراً عبر منصته 'تروث سوشال'. هذا السلوك يعكس صورة الرئيس المدلل الذي يرى نفسه مخلصاً لأمريكا، بينما يحيط نفسه بهالة من القداسة الدينية والاجتماعية التي تصل أحياناً إلى حد ممارسة طقوس ترويجية غريبة.

في المقارنة بين عهدي بايدن وترامب، يظهر انقسام حاد في المجتمع الأمريكي حول الهوية والقيم، حيث سعى بايدن لتبني سياسات اجتماعية وجينية مثيرة للجدل. هذا التوجه دفع فئات واسعة من 'البيض المؤسسين' للشعور بالتهديد، مما جعلهم يفضلون رئيساً يسعى لتغيير الخرائط الجغرافية والسياسية بدلاً من العبث بالهوية الوراثية والاجتماعية.

يشبه الكاتب حالة ترامب في أمريكا بحالة 'الذكر الوحيد' الذي يأتي بعد طول انتظار في الموروث الشعبي، حيث يحظى بدلال مفرط يمنعه من النضج السياسي. هذا النمط من القيادة يعتمد على الاستعراض الدائم للقوة والتباهي أمام الخصوم والحلفاء على حد سواء، مما يحول السياسة الدولية إلى ساحة للمراهقات الفكرية.

لا تقتصر هذه الظاهرة على الولايات المتحدة فحسب، بل تمتد لتشمل قادة دوليين آخرين مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يوصف بالرجل القوي القادم من رحم المعاناة. بوتين الذي أعاد أمجاد القياصرة ووحد الأمة الروسية، يجد نفسه اليوم عالقاً في وحل الأزمة الأوكرانية، في مفارقة تعكس حدود القوة الفردية أمام تعقيدات الواقع.

إن صناعة 'الرئيس الطفل' أو المدلل تتم بشكل ممنهج عبر وسائل الإعلام التي تضخم من صورة الزعيم وتظهره كمنقذ وحيد للأمة بعد عصور من الضعف. هذا الاستنساخ للقيادات 'الفحول' يأتي دائماً كرد فعل على فترات حكم توصف باللين أو التردد، كما حدث في الانتقال من عهد يلتسين إلى بوتين في روسيا.

في المشهد المصري، يسلط المقال الضوء على التحول من حكم يتسم بالورع الديني إلى حكم عسكري يوصف بالشدة، حيث يرى الكاتب أن الإعلام ساهم في صناعة صورة 'الذكر' للحاكم الجديد. هذا الحاكم الذي يتوعّد خصومه بلغة ناعمة أحياناً، يظهر في مواقف أخرى مستجدياً الدعم من القوى الدولية الكبرى، وتحديداً من الإدارة الأمريكية.

تتجلى هذه التبعية في الخطاب الموجه لترامب، حيث يُنظر إليه كقوة وحيدة قادرة على وقف الحروب في غزة وإيران وتأمين الاحتياجات الأساسية للدول الحليفة. هذا التناقض بين صورة القوي داخلياً والتابع خارجياً يعكس أزمة القيادة في المنطقة العربية التي تبحث دائماً عن 'أب' في واشنطن.

أما في الشمال السوري، فتظهر تجربة 'مملكة روج آفا' بقيادة مظلوم عبدي كنموذج آخر للقيادة التي تبرز كحالة فريدة في تاريخ المنطقة الكردية. ورغم الجذور الحزبية الوافدة، إلا أن السيطرة على مساحات شاسعة وثروات كبيرة جعلت من هذه القيادة 'ابناً وحيداً' يحظى بدعم دولي استثنائي في ظل ظروف إقليمية معقدة.

إن ظاهرة 'الذكر المنتظر' في السياسة تؤدي غالباً إلى بقاء القادة في حالة من الطفولة السياسية، حيث تسيطر عليهم سكرة السلطة التي تفوق في تأثيرها أي غياب للوعي. هذا الاستغراق في الذات يجعل من الصعب على هؤلاء القادة إدراك حجم المخاطر التي يحيطون بها شعوبهم ودولهم في ظل امتلاكهم لأسلحة دمار شامل.

لقد تحولت الولايات المتحدة، التي كانت تُعرف بمؤسساتها الراسخة، إلى دولة يختزل قرارها فرد واحد يتسم بالبذاءة والاندفاع في مواقفه الدولية. هذا التحول يضع العالم أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل الديمقراطية في ظل صعود الشخصيات الشعبوية التي تعتمد على دغدغة العواطف بدلاً من البرامج السياسية الرصينة.

في المقابل، يطرح المقال رؤية حول دول أخرى تُتهم بالثيوقراطية لكنها تمتلك مؤسسات وشورى، في إشارة إلى التباين بين الصورة الذهنية والواقع السياسي. هذا التناقض يوضح أن القوة الحقيقية للدول تكمن في استقرار مؤسساتها وليس في كاريزما الزعيم 'الذكر' الذي قد يقود بلاده إلى الهاوية.

ختاماً، يحذر الكاتب من الانجرار وراء صناعة الزعامات الوهمية التي تتغذى على الفراغ السياسي والاجتماعي، معتبراً أن العالم يعيش عصر 'الرؤساء الأطفال'. إن استمرار هذا النهج في الحكم يهدد بانهيار المنظومة الدولية، حيث تصبح مصائر الشعوب رهينة لأمزجة شخصية واضطرابات نفسية لقادة لا يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

دلالات

شارك برأيك

سيكولوجية 'الرئيس المدلل': قراءة في صعود ترامب وظاهرة الزعيم الأوحد

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.