تتصاعد التوترات في مضيق هرمز لتضع الصين في موقع استراتيجي فريد يتيح لها توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي على الساحة الدولية. وأفادت تقارير صحفية دولية بأن بكين تراقب تحركات الولايات المتحدة وإيران عن كثب، محولةً الأزمة من صراع عسكري محتمل إلى فرصة جيوسياسية لتعزيز مكانتها العالمية.
يرى مراقبون أن التاريخ يعيد نفسه، حيث تشبه الأزمة الحالية في مضيق هرمز أزمة السويس في خمسينيات القرن الماضي، والتي كانت نقطة التحول في أفول الإمبراطورية البريطانية. فكما فقدت بريطانيا تفوقها العسكري والمالي آنذاك، يرى البعض أن الهيمنة الأمريكية قد تواجه اختباراً حقيقياً أمام الصعود الصيني المتنامي.
وعلى الرغم من أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يدرك أن الحرب قد تزعزع استقرار أسواق التصدير، إلا أنه يرى فيها وسيلة لتقويض التفوق الغربي. فالصين تسعى لإظهار نفسها كقوة عظمى متزنة ومسؤولة، تدعو لوقف إطلاق النار وتنتقد ما تصفه بالهيمنة الأمريكية، مما يعزز مصداقيتها لدى الدول النامية.
اقتصادياً، يساهم التهديد المستمر لإمدادات النفط التقليدية في تسريع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية، وهو قطاع تهيمن عليه الصين بشكل شبه كامل. وقد انعكس ذلك بوضوح في الأسواق المالية، حيث قفزت أسهم شركات السيارات الكهربائية الصينية مثل 'بي واي دي' بنسبة 18%، مقابل تراجع حاد لمنافساتها الغربية.
تمتلك بكين ورقة ضغط استراتيجية تتمثل في سيطرتها على نحو 80% من إنتاج وتكرير معدن التنجستن، وهو عنصر حيوي لا غنى عنه في تصنيع الصواريخ والأسلحة المتطورة. وفرضت الصين قيوداً مشددة على تصدير هذا المعدن، مما يضع الصناعات العسكرية الأمريكية والأوروبية في مأزق حقيقي أمام النقص المتزايد في المواد الخام.
ميدانياً، بدأت الولايات المتحدة بنقل قطع عسكرية وأصول استراتيجية من منطقة الشرق الأقصى باتجاه الخليج العربي لمواجهة التهديدات الإيرانية. هذا التحرك العسكري يمنح الصين مساحة أكبر للتحرك في محيطها الإقليمي، ويخفف من الضغوط التي كانت تمارسها القوات الأمريكية على حدودها الشرقية وبحر الصين الجنوبي.
تؤكد مصادر أكاديمية صينية أن أي تراجع في الوجود العسكري الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ يصب مباشرة في مصلحة بكين. ويرى الخبراء أن انشغال واشنطن بأزمات الشرق الأوسط يمنح الصين فرصة ذهبية لفرض واقع جديد في المناطق التي تعتبرها ضمن مجالها الحيوي التقليدي.
أي تراجع في الوجود الأمريكي بمنطقة آسيا والمحيط الهادي سيصب حتمًا في مصلحة طرف ما، ويمكننا أن نتخيل جيدًا من هو ذلك الطرف.
تتميز الصين بقدرة عالية على امتصاص صدمات انقطاع الطاقة بفضل احتياطياتها الضخمة من النفط الخام التي تم تعزيزها خلال السنوات الثلاث الماضية. وتشير التقديرات إلى أن هذه الاحتياطيات، رغم سريتها، كافية لتغطية استهلاك البلاد لمدة ستة أشهر، مما يحمي اقتصادها من تقلبات الأسعار الحادة.
تعتمد بكين أيضاً على تنويع مصادر إمداداتها عبر زيادة الواردات من روسيا وإيران، مستغلة العقوبات الغربية المفروضة على البلدين. هذا التحالف الطاقي يعزز من استقلالية الصين الاستراتيجية ويجعلها الطرف الوحيد القادر على ممارسة ضغوط حقيقية على طهران لضمان أمن الملاحة عند الضرورة.
الهدف الأسمى للصين يكمن في كسر هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة الدولية للمواد الخام والسلع الأساسية. وتسعى بكين لفرض التعامل باليوان الصيني في صفقات النفط والغاز، وهو نهج بدأته بالفعل مع روسيا والبرازيل والأرجنتين، وتطمح لتعميمه ليشمل دول الخليج في أي تسوية مستقبلية.
إن نجاح الصين في فرض عملتها المحلية كبديل للدولار في قطاع الطاقة سيمثل ضربة قاصمة للنظام المالي العالمي الذي تقوده واشنطن. وإذا تمكنت بكين من لعب دور الوسيط في أزمة هرمز، فإنها ستشترط بلا شك تحويل التعاملات التجارية إلى اليوان، مما يسرع من وتيرة تراجع العملة الأمريكية.
بالمقارنة مع بريطانيا عام 1956، تمتلك الولايات المتحدة اليوم تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً هائلاً، بالإضافة إلى هيمنة سنداتها المالية على الأسواق الدولية. ومع ذلك، فإن التحدي الصيني لا يعتمد على المواجهة العسكرية المباشرة، بل على الاستنزاف الاقتصادي والسيطرة على سلاسل التوريد الحيوية.
يبقى السؤال حول ما إذا كانت أزمة هرمز ستؤدي إلى صعود الصين كقوة جيوسياسية عظمى وحيدة معلقاً بنتائج الصراع الحالية. لكن المؤشرات الراهنة تؤكد أن بكين هي الطرف الأكثر استعداداً لاستثمار هذه الاضطرابات لتحقيق مكاسب طويلة الأمد على حساب النفوذ الغربي التقليدي.
في الختام، يبدو أن 'حرب الخليج الثالثة' قد تكون بالنسبة لإدارة ترامب هي اللحظة التي تعيد صياغة موازين القوى العالمية. فالصين لا تكتفي بالمراقبة، بل تعمل على بناء نظام موازي يضمن لها السيادة الاقتصادية والسياسية، مستغلة كل ثغرة يتركها التراجع أو الانشغال الأمريكي في المنطقة.





شارك برأيك
الصين المستفيد الأكبر من أزمة مضيق هرمز: 7 أسباب تعزز نفوذ بكين العالمي