اقتصاد

السّبت 07 مارس 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

طبول الحرب في الشرق الأوسط: كيف تعيد أسواق النفط تسعير المخاطر الإيرانية؟

تتصدر التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط واجهة الأحداث العالمية، ليعود النفط مجدداً كأبرز المؤشرات الحساسة للتطورات السياسية. ومع اتساع رقعة الصراع المرتبط بإيران، بدأت الأسواق الدولية عملية إعادة تسعير شاملة للمخاطر، حيث لا تعتمد الأسعار الحالية على الواقع القائم فحسب، بل تضع في الحسبان كافة الاحتمالات المستقبلية القاتمة.

تكمن الخطورة الحقيقية في الموقع الاستراتيجي الذي تشغله إيران، وليس فقط في حجم إنتاجها الذي يقدر بنحو 3.2 مليون برميل يومياً. الأنظار تتجه بقلق نحو مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يتدفق عبره ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً، بالإضافة إلى خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، مما يجعله شريان الحياة الرئيسي للطاقة العالمية.

أفادت مصادر تحليلية بأن أي تهديد فعلي للملاحة في هذا الممر يخلق ما يسمى بـ 'علاوة المخاطر الجيوسياسية'. هذه الزيادة السعرية لا تعكس بالضرورة نقصاً مادياً في المعروض، بل تعبر عن حالة التوجس من انقطاع مفاجئ قد يربك حسابات الدول المستهلكة والشركات الكبرى على حد سواء.

يلعب تحالف 'أوبك+' دوراً محورياً في هذه المعادلة المعقدة، حيث يسيطر على أكثر من نصف الصادرات النفطية العالمية. ولا تقتصر أهمية إيران على كونها عضواً في هذا التكتل، بل في كيفية تأثير الصراع على وحدة مواقف المنتجين الآخرين وقدرتهم على التحرك السريع لاحتواء أي صدمة سعرية مفاجئة قد تخرج عن السيطرة.

من الناحية الفنية، تمتلك بعض الدول الخليجية طاقة إنتاجية احتياطية تتراوح بين 3 إلى 4 ملايين برميل يومياً، وهي كمية قادرة على سد فجوة كبيرة. ومع ذلك، فإن تفعيل هذه القدرة يتطلب توافقاً سياسياً وبيئة أمنية مستقرة تضمن وصول الشحنات إلى الأسواق العالمية دون تعرض الناقلات لمخاطر عسكرية.

تشير المعطيات الحالية إلى أن إجمالي الإمدادات العالمية لا يزال مستقراً حول مستويات 103 ملايين برميل يومياً، دون تسجيل انقطاعات واسعة. ورغم ذلك، يشهد خام برنت تقلبات حادة تعكس توتراً استباقياً، حيث يسعر المتداولون الاحتمالات قبل وقوعها، وهو سلوك تقليدي للأسواق في أوقات الأزمات الكبرى.

تضع المؤسسات المالية سيناريوهات متباينة لمستقبل الأسعار، يبدأ أولها باستمرار التدفقات مع بقاء الأسعار بين 85 و100 دولار للبرميل نتيجة علاوة المخاطر. هذا السيناريو يفترض بقاء الصراع تحت سقف معين دون المساس المباشر بالبنية التحتية النفطية أو إغلاق الممرات المائية الدولية.

أما في حال تطور المواجهة لتشمل استهداف المنشآت أو ناقلات النفط، فإن الأسعار قد تقفز لتتراوح بين 105 و120 دولاراً. هذا الارتفاع سيكون مدفوعاً بصدمة نفسية واضطراب مؤقت في سلاسل التوريد، لكنه يظل ضمن نطاق يمكن احتواؤه إذا تدخلت القوى الكبرى لتأمين الملاحة.

السيناريو الأكثر قسوة يتمثل في انقطاع طويل الأمد للإمدادات عبر مضيق هرمز، وهو ما قد يدفع البرميل لتجاوز حاجز 130 دولاراً. في هذه الحالة، ستواجه الأسواق صدمة عرض حقيقية لا يمكن تعويضها بسهولة، مما قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية تعيد للأذهان أزمات السبعينيات.

على الجانب الآخر، يبرز وضع الاقتصاد العالمي ككابح لجماح الارتفاعات الجنونية، حيث يعاني من نمو هش لا يتجاوز 3%. تباطؤ الطلب الصيني، الذي كان المحرك الرئيسي للسوق لسنوات، يقلل من قدرة الأسعار على البقاء في مستويات مرتفعة لفترات طويلة دون أن تتسبب في ركود اقتصادي.

تؤكد تقارير دولية أن نمو الطلب العالمي على النفط هذا العام فقد الكثير من زخمه، حيث يدور حول مليون برميل يومياً فقط. هذا الضعف الهيكلي في الطلب يعني أن أي قفزة سعرية حادة ستؤدي تلقائياً إلى آلية تصحيح ذاتي، حيث ستجبر الأسعار المرتفعة المستهلكين على تقليص استهلاكهم.

يرى مراقبون أن إغلاق مضيق هرمز ليس قراراً سهلاً لأي طرف، بما في ذلك طهران، نظراً للتبعات الاقتصادية الكارثية على الجميع. كما أن القوى الدولية الكبرى لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تهديد يمس أمن الطاقة العالمي، مما يجعل فرضية التعطيل الشامل والمستمر مستبعدة إلى حد ما.

إن السوق النفطي يعيش حالياً حالة من 'التأمين النفسي'، حيث تضاف مبالغ إضافية للسعر كحماية ضد التوقعات الأسوأ. هذه العلاوة غالباً ما تتلاشى بسرعة بمجرد ظهور بوادر تهدئة أو تأكد الأسواق من عدم تأثر التدفقات المادية للخام من منطقة الخليج العربي.

في الختام، يظل النفط المرآة الأصدق للسياسة الدولية، والأسعار الحالية هي انعكاس مباشر للقلق الجيوسياسي أكثر من كونها تعبيراً عن عجز في الكميات. ما سيحدد الاتجاه النهائي ليس دوي المدافع فحسب، بل مدى قدرة الإمدادات على الصمود في وجه العواصف العسكرية المتلاحقة.

دلالات

شارك برأيك

طبول الحرب في الشرق الأوسط: كيف تعيد أسواق النفط تسعير المخاطر الإيرانية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.