أيها الأحباء في المسيح،
نوجّه إليكم هذه الرسالة في زمن الصوم الأربعيني، زمن الصلاة والتوبة والرجوع إلى الله. نوجّهها ونحن نعلم أن هذه الأيام ليست سهلة على شعبنا. فقد اندلعت حرب جديدة تزيد من ثقل الواقع الذي نعيشه، وتثير في قلوبنا مشاعر القلق والخوف، وتدفعنا لنصرخ مع المرنم: إلى متى يا رب؟ إلى متى يستمر هذا الألم؟
إنها أيام صعبة ليس بسبب الحرب فقط، بل أيضًا بسبب التحديات الكثيرة التي نعيشها في حياتنا اليومية: الضغوط الاقتصادية، وصعوبة الحركة، والحواجز التي تعيق حياتنا، والهموم التي تثقل قلوب كثيرين من عائلاتنا. وفي وسط هذا الواقع القاسي، قد نشعر أحيانًا بالإرهاق أو بالحيرة، ونسأل أين نجد القوة لنواصل الطريق.
لكن زمن الصوم يأتي ليذكرنا بحقيقة إيماننا العميقة: أن الله هو ملجأنا وقوتنا في أوقات الضيق. فالصوم والصلاة ليسا مجرد طقوس دينية نقوم بها، بل هما طريق نعمة يمنحنا الله من خلاله قوة روحية تعيننا على الاحتمال والثبات. في هذا الزمن المقدس نتعلم من جديد أن نصغي إلى كلمة الله وأن نضع حياتنا بين يديه.
وفي الصوم نتطلع بشكل خاص إلى يسوع المسيح نفسه. فقبل أن يبدأ خدمته، دخل إلى البرية أربعين يومًا، صائمًا ومصليًا. وفي تلك الأيام واجه التجربة، لكنه ثبت وانتصر. لم يكن ثباته مجرد احتمال للألم، بل مقاومة حقيقية لمنطق الشر. فقد رفض الطريق الذي يبحث عن المجد من دون الصليب.. وفي تلك التجربة ذكّرنا يسوع بكلمة الله قائلاً: "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ" (متى ٤:٤).
لهذا، ندعوكم في هذا الزمن أن نتجه بقلوبنا إلى المسيح، مصدر تعزيتنا ورجائنا. فلنثبّت أنظارنا عليه، كما يدعونا الكتاب المقدس: "نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ" (عبرانيين ٢:١٢). وعندما تشتد الظروف من حولنا، نتعلم أن نثبت في الصلاة، وأن نجعل الرجاء حيًا في قلوبنا، كما يذكّرنا الرسول بولس قائلاً: "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ، صَابِرِينَ فِي الضِّيقِ، مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَةِ" (رومية ١٢:١٢).
كما ندعوكم أن تعيشوا هذا الزمن معًا ككنيسة حية. احرصوا على المشاركة في الصلوات وفي حياة الكنيسة، لأننا عندما نجتمع معًا أمام الله نصبح أقوى. في وحدتنا وصلاتنا المشتركة نجد التعزية والقوة لنواصل الطريق، ونشهد معًا لإيماننا وسط عالم مضطرب.
وفي هذا الزمن أيضًا نرفع صلاتنا من أجل نهاية هذه الحرب وكل الحروب. فنحن نعلم جيدًا أن الحروب ليست إرادة الله، وأن العنف لا يمكن أن يكون طريقًا للحياة. لقد علمتنا خبرة شعوبنا وآلام التاريخ أن الحروب لا تصنع سلامًا، وأنه لا يمكن أن يتحقّق السلام بالحرب والدمار والقصف.
لذلك نصلي ونناشد قادة العالم أن يوقفوا هذا الجنون، وأن يبتعدوا عن طرق الشر والعنف، وأن يبحثوا عن طريق آخر — طريق يقوم على العدالة والحق والكرامة لجميع البشر. فنحن نؤمن أن السلام الحقيقي لا يولد من القوة العسكرية، بل من العدالة والصدق واحترام إنسانية كل إنسان.
وفي خضم هذه التحديات، ندعوكم أن يثبت إيمانكم في هذه الأرض وأن يقودنا هذا الإيمان إلى الصمود والثبات. فدعوتنا هنا ليست مجرد البقاء، بل الشهادة الحيّة لإيماننا ورجائنا. وقد تبدو أحيانًا أن الحلول البشرية قد استنفدت وأن الطريق مسدود، لكننا نؤمن أن الله قادر أن يفتح طريقًا حيث لا نرى نحن طريقًا، كما يقول الرب في الكتاب المقدس: "هَأَنَذَا صَانِعٌ أَمْرًا جَدِيدًا. الآنَ يَنْبُتُ، أَلاَ تَعْرِفُونَهُ؟ أَجْعَلُ فِي الْبَرِّيَّةِ طَرِيقًا، فِي الْقَفْرِ أَنْهَارًا" (إشعياء ١٩:٤٣). لذلك فلنتمسّك برجاء الإيمان وبوعود الله، ولنستمر في العيش بإيمان وشجاعة في هذه الأرض، شاهدين لمحبة الله وعدله وسلامه.
أيها الأحباء،
ليكن زمن الصوم بالنسبة لنا زمن رجاء. ورغم كل الظلام الذي قد يحيط بنا، فلنثبت في الإيمان، ولنتمسك بالرجاء، ولنواصل الصلاة. وليمنحنا الله جميعًا قوة روحه لنعيش هذا الزمن بقلوب ثابتة، عاملين الخير، وشاهدين لمحبة الله في عالم يحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى.
وليبقَ رجاؤنا ثابتًا في الرب الذي يقود التاريخ، ويحوّل الألم إلى رجاء، ويصنع طريقًا للحياة حتى في أكثر الأماكن ظلمة.
البطريرك ميشيل صباح.
المطران عطا الله حنا.
المطران منيب يونان .
الاب منذر إسحاق.





شارك برأيك
رسالة رعوية في زمن الصوم الأربعيني