كشفت تقارير صحفية دولية عن أزمة اقتصادية ولوجستية تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها في منطقة الشرق الأوسط، ناتجة عن الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيرة الإيرانية رخيصة التكلفة. وأوضحت المصادر أن هذه الطائرات باتت تشكل تحدياً دقيقاً للقواعد الأمريكية، حيث تضطر الأنظمة الدفاعية لاستخدام صواريخ باهظة الثمن لإسقاط أهداف لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران أطلقت ما يزيد عن 2000 طائرة مسيرة انتحارية في وقت قياسي منذ تصاعد العمليات العسكرية السبت الماضي. ورغم امتلاك واشنطن لأنظمة دفاع جوي متطورة كلفت مليارات الدولارات، إلا أن بعض هذه المسيرات نجح في اختراق الأجواء والوصول إلى أهدافها بدقة عالية.
وفي هذا السياق، أكد آرثر إريكسون، وهو مسؤول في شركة تصنيع مسيرات أمريكية أن المعادلة الحالية تصب في مصلحة طهران بشكل واضح. وأوضح إريكسون أن عملية إسقاط المسيرة الواحدة تكلف أضعاف تكلفة إنتاجها، مشيراً إلى أن نسبة التكلفة لكل اعتراض قد تصل في بعض الأحيان إلى 70 مقابل 1 لصالح الجانب الإيراني.
وتبرز طائرة "شاهد 136" كأحد أبرز الأدوات في هذه المواجهة، وهي طائرة مثلثية الشكل يبلغ طولها نحو 3.35 متر وتتميز بصوتها المرتفع المشابه لجزازة العشب. وتعتمد هذه المسيرة على إلكترونيات تجارية متاحة، مما يجعل تكلفة إنتاجها تتراوح بين 20 ألف و50 ألف دولار فقط، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بالأسلحة التقليدية.
وتتميز هذه المسيرات بقدرتها على الانطلاق من منصات بسيطة خلف الشاحنات، مما يجعل تتبعها واكتشافها قبل الإطلاق أمراً في غاية الصعوبة. كما يصل مداها العملياتي إلى نحو 1930 كيلومتراً، وهو ما يمنحها القدرة على ضرب أهداف استراتيجية في مختلف أنحاء المنطقة انطلاقاً من الأراضي الإيرانية.
في المقابل، يمثل نظام "باتريوت" الأمريكي المعيار الذهبي للدفاع الجوي، لكنه يواجه معضلة اقتصادية كبرى حيث تكلف الصاروخ الواحد أكثر من 3 ملايين دولار. وبالإضافة إلى التكلفة المادية، تعاني واشنطن من محدودية الإنتاج، حيث لم تتسلم سوى 620 صاروخاً من طراز PAC-3 خلال عام 2025 رغم الجهود المبذولة لزيادة وتيرة التصنيع.
وتحاول وزارة الدفاع الأمريكية البحث عن بدائل أقل كلفة، مثل نظام "Raytheon Coyote" الذي تبلغ تكلفة اعتراضه حوالي 126 ألف دولار. ورغم أن هذا النظام أرخص من الباتريوت، إلا أنه لا يزال يكلف أضعاف قيمة طائرة "شاهد"، مما يبقي الخلل في الميزانية الدفاعية قائماً ومستنزفاً للموارد.
إنها لعبة أموال؛ نسبة التكلفة لكل اعتراض قد تصل إلى 70 مقابل 1 لصالح إيران.
وأقرت مصادر رسمية بوجود عجز أمريكي في إنتاج طائرات مسيرة رخيصة وقابلة للاستهلاك السريع لمواجهة النموذج الإيراني. وقد دفع هذا الواقع البنتاغون إلى إطلاق عقود ضخمة بقيمة 1.1 مليار دولار لتطوير مسيرات انتحارية منخفضة التكلفة خلال العامين المقبلين بمشاركة عشرات الشركات المتخصصة.
ومن المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة لجأت إلى تطوير نسخة معدلة تحاكي تصميم "شاهد" الإيرانية وأطلقت عليها اسم "لوكاس". ويعكس هذا التوجه اعترافاً ضمنياً بفعالية الابتكار الإيراني في تجاوز العقوبات الدولية وبناء سلاح ردع فعال بتكاليف زهيدة مقارنة بالصناعات العسكرية الغربية.
ولا تقتصر المشكلة على الجانب المالي فحسب، بل تمتد لتشمل أزمة حادة في سلاسل التوريد والمخزون الاستراتيجي للصواريخ الاعتراضية. فالمصانع الأمريكية لا تستطيع مجاراة السرعة التي تنتج بها إيران مسيراتها، مما يخلق فجوة لوجستية قد تظهر آثارها بوضوح في حال اندلاع صراع واسع النطاق وطويل الأمد.
وأشار تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن المشتريات السنوية الأمريكية من الصواريخ الدفاعية تُقاس بالمئات، بينما يتطلب الميدان آلاف الصواريخ لمواجهة أسراب المسيرات. هذا التباين يضع المخططين العسكريين في واشنطن أمام خيارات صعبة تتعلق بكيفية توزيع الذخائر المحدودة على الجبهات المختلفة.
من جانبه، اعترف وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن الإدارة الأمريكية اضطرت لدفع كافة الأنظمة الدفاعية المتاحة إلى الجبهات الأمامية دون النظر إلى التكلفة المادية. ويعكس هذا التصريح حجم الضغط الذي تشكله المسيرات على الميزانية الدفاعية، والاضطرار للتعامل مع التهديد الفوري بغض النظر عن الحسابات الرياضية الخاسرة.
وفي محاولة لطمأنة الرأي العام، صرح الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأن الذخائر الدقيقة المتوفرة حالياً كافية لأداء المهمة. ومع ذلك، رفض كين الإفصاح عن الأرقام الدقيقة للمخزون، وهو ما يراه مراقبون مؤشراً على حساسية الموقف والقلق من استنزاف القدرات الدفاعية في مواجهات استنزافية.
وخلصت المصادر إلى أن تجربة أوكرانيا قدمت بعض الحلول البدائية مثل استخدام شباك الصيد وبنادق الرش لإسقاط المسيرات منخفضة الارتفاع. لكن هذه الحلول تظل محدودة الفعالية في بيئات معقدة كالشرق الأوسط، مما يترك التساؤل مفتوحاً حول استدامة الدفاع الجوي التقليدي في عصر الحروب الرخيصة والمؤثرة.





شارك برأيك
معادلة الاستنزاف: كيف تتحدى المسيرات الإيرانية الرخيصة الترسانة الأمريكية؟