عربي ودولي

الخميس 05 مارس 2026 10:03 مساءً - بتوقيت القدس

بين أمن الطاقة وحسابات القوى: لماذا تلتزم الصين الصمت تجاه الحرب على إيران؟

كشفت تقارير سياسية دولية عن مقاربة صينية حذرة تجاه التصعيد العسكري الواسع الذي تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ أواخر فبراير الماضي. ورغم الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بكين وطهران، إلا أن المؤشرات تؤكد عدم رغبة القيادة الصينية في الانخراط عسكرياً، مفضلة حماية تدفقات الطاقة التي تشكل عصب اقتصادها الوطني.

وتشير مصادر تحليلية إلى أن بكين تتابع بدقة تداعيات الغارات الجوية التي استهدفت مراكز القيادة الإيرانية، وأدت إلى استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي. ورغم الإدانات الدبلوماسية الخجولة، إلا أن الموقف الصيني الرسمي ركز على دعوة كافة الأطراف لضبط النفس، في إشارة واضحة للمساواة بين المعتدي والمعتدى عليه حفاظاً على توازنات المنطقة.

ويرى مراقبون أن أمن الطاقة الصيني يرتبط بشكل عضوي باستقرار الخليج، حيث استوردت بكين أكثر من 55% من احتياجاتها النفطية من المنطقة خلال عام 2025. وتخشى الصين أن يؤدي أي رد فعل عسكري عنيف من جانبها إلى إغلاق مضيق هرمز، مما قد يتسبب في أزمة طاقة عالمية لا تستطيع احتياطياتها الحالية تحملها لفترة طويلة.

وتعكس خيبة الأمل الصينية تجاه القدرات العسكرية الإيرانية تحولاً في الرؤية الاستراتيجية لبكين، حيث يرى خبراء صينيون أن قوة طهران الإقليمية جرى تضخيمها عبر سنوات من الحروب بالوكالة. وقد أظهرت الهجمات الأخيرة ثغرات أمنية واستخباراتية واسعة داخل بنية النظام الإيراني، مما أضعف ثقة بكين في قدرة حليفتها على الصمود الطويل.

وعلى الصعيد الاقتصادي، لم تترجم اتفاقية الـ 400 مليار دولار الموقعة بين البلدين إلى مشاريع ملموسة على الأرض بسبب العقوبات والمخاوف الإيرانية من النفوذ الصيني. وتجد بكين نفسها اليوم أمام واقع جديد، حيث يقل ناتج إيران المحلي عن ناتج إسرائيل رغم الفارق الشاسع في المساحة والسكان، مما يجعلها شريكاً اقتصادياً متعثراً.

وتلعب الحسابات مع واشنطن دوراً محورياً في صياغة الموقف الصيني الحالي، خاصة مع اقتراب موعد القمة المرتقبة بين الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب. وتسعى بكين لتجنب أي صدام مع الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط قد يعرقل فرص التوصل لاتفاق تجاري شامل ينهي سنوات من التنافس المرير بين القوتين العظميين.

وفي ظل استراتيجية الحرب طويلة الأمد التي أعلنتها طهران، تترقب الصين مدى قدرة القيادة الجديدة للحرس الثوري بقيادة أحمد وحيدي على إدارة الصراع. وإذا ما نجحت إيران في إلحاق أضرار حقيقية بالخصوم، فقد تضطر بكين لإعادة النظر في موقفها وتقديم دعم تقني ومعدات ذات استخدام مزدوج مشابهة لما قدمته لروسيا سابقاً.

وتشير التقارير إلى أن الأوساط السياسية في بكين باتت تتقبل فكرة تغيير النظام في طهران كسيناريو محتمل وغير كارثي، طالما أن القيادة القادمة ستضمن تدفق النفط. فالمهم بالنسبة للصين هو استقرار الأسواق العالمية، خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط بنسبة 6% نتيجة التعطل الجزئي للإمدادات في الأيام الأولى للمواجهة.

كما تبرز الانتقادات الصينية الصامتة لسوء الإدارة والفساد داخل أجهزة الدولة الإيرانية كعامل إضافي في اتخاذ موقف الحياد السلبي. ويرى محللون صينيون أن الاختراقات الإسرائيلية المتكررة واغتيال كبار القادة والعلماء يعكس حالة من عدم الثقة الداخلية داخل النظام الإيراني نفسه، مما يجعل الاستثمار السياسي فيه عالي المخاطر.

وبالنسبة لإسرائيل، فإن استمرار الحرب يكبدها خسائر اقتصادية فادحة تصل إلى 9.4 مليارات شيكل أسبوعياً، وهو ما تراقبه بكين كعامل ضغط قد ينهي الصراع سريعاً. وتأمل الصين أن تؤدي هذه الضغوط الاقتصادية على كافة الأطراف إلى تسوية تضمن بقاء الممرات الملاحية مفتوحة أمام ناقلاتها العملاقة المتجهة شرقاً.

وتشير التقديرات إلى أن بكين تمتلك احتياطياً نفطياً يكفيها لنحو 30% من وارداتها السنوية، وهو ما يمنحها هامش مناورة قصيراً قبل التدخل الفعلي. ومع ذلك، يظل إغلاق مضيق هرمز هو 'الخط الأحمر' الذي قد يدفع التنين الصيني للخروج عن صمته والتحرك لحماية مصالحه الحيوية في قلب الشرق الأوسط.

وفي حال انهيار النظام الإيراني بشكل سريع، تتوقع المصادر أن تسارع بكين لبناء جسور التواصل مع القوى الجديدة لضمان استمرارية الاتفاقيات النفطية. فالصين أثبتت في تجارب سابقة قدرتها على التكيف مع المتغيرات السياسية الحادة طالما بقيت مصالحها التجارية والجيوسياسية بعيدة عن الاستهداف المباشر.

إن التباين بين الأيديولوجية الثورية الإيرانية والحاجة الماسة للإصلاح الاقتصادي وضع طهران في مأزق تراه بكين نتاجاً لقرارات خاطئة. وترى التحليلات الصينية أن إصرار طهران على المواجهة دون امتلاك أدوات القوة الاقتصادية الكافية جعلها لقمة سائغة أمام التكنولوجيا العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المتفوقة.

ختاماً، يبقى الموقف الصيني رهناً بتطورات الميدان وقدرة إيران على الصمود في وجه حملة 'تغيير الخارطة' التي تقودها واشنطن. فبينما تنزف الميزانيات العسكرية في المنطقة مليارات الدولارات يومياً، تكتفي بكين بالمراقبة، منتظرة اللحظة المناسبة لتأمين حصتها من كعكة الطاقة في 'الشرق الأوسط الجديد'.

دلالات

شارك برأيك

بين أمن الطاقة وحسابات القوى: لماذا تلتزم الصين الصمت تجاه الحرب على إيران؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.