كشفت مصادر استخباراتية عن تحركات إيرانية سرية جرت في أعقاب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الواسع، حيث حاول مسؤولون في طهران فتح قنوات اتصال غير مباشرة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA). ووفقاً لتقارير صحفية، فإن هذه المحاولات هدفت إلى استطلاع شروط محتملة لوقف القصف الجوي المكثف الذي يستهدف مفاصل الدولة الإيرانية، رغم النفي الرسمي من القيادة الإيرانية المتبقية لأي رغبة في الحوار مع واشنطن.
وأفادت مصادر مطلعة بأن العرض الإيراني تم تمريره عبر جهاز استخبارات تابع لدولة ثالثة، مما يثير تساؤلات حول قدرة المسؤولين الحاليين في طهران على إبرام اتفاقات ملزمة في ظل حالة الفوضى الناتجة عن الاستهداف الممنهج للقيادات. وتأتي هذه التحركات في وقت تعيش فيه الحكومة الإيرانية ضغوطاً غير مسبوقة بعد فقدان رموز تاريخية في الغارات الأولى للعملية العسكرية التي انطلقت في فبراير الماضي.
من جانبه، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفاً متصلباً تجاه هذه المبادرات، حيث صرح عبر منصات التواصل الاجتماعي بأن الوقت قد فات لإجراء محادثات ديبلوماسية. وأعرب ترامب في حديثه للصحفيين عن اعتقاده بأن معظم القادة الذين كانت واشنطن تستهدفهم قد قضوا بالفعل، مشيراً إلى أن الهيكل القيادي في طهران يتآكل بسرعة تحت وطأة الضربات المستمرة.
وفي سياق متصل، تمارس الحكومة الإسرائيلية ضغوطاً مكثفة على إدارة ترامب لتجاهل أي عروض تفاوضية إيرانية، حيث يطالب المسؤولون في تل أبيب بمواصلة الحملة العسكرية لعدة أسابيع إضافية. وتهدف الاستراتيجية الإسرائيلية إلى إلحاق ضرر دائم بالقدرات العسكرية الإيرانية، وصولاً إلى مرحلة الانهيار الكامل للنظام السياسي القائم، وهو ما تراه واشنطن خياراً يحتاج لتقييم دقيق.
ويبدو أن ترامب بدأ يتراجع عن فكرة دعم ثورة شعبية شاملة في إيران، مفضلاً بدلاً من ذلك بروز شخصيات 'براغماتية' من داخل الهيكل السياسي الحالي، وتحديداً من الحرس الثوري. ويطمح البيت الأبيض إلى التوصل لاتفاق يضمن تفكيك البرامج الصاروخية والنووية الإيرانية بالكامل، ووقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، مقابل السماح لبعض القادة بالبقاء في مناصبهم.
وأشار ترامب صراحة إلى أن نموذجه المفضل للتعامل مع طهران هو 'سيناريو فنزويلا'، حيث يتم الضغط عسكرياً واقتصادياً لإجبار القيادة الجديدة على منح الولايات المتحدة سيطرة واسعة على الموارد، لا سيما النفط. ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس رغبة واشنطن في تحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية سريعة دون الانخراط في عملية بناء دولة معقدة وطويلة الأمد.
وعلى الصعيد الميداني، أكدت تقارير سابقة استشهاد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والقائد محمد باكبور، مما دفع الحرس الثوري لتفعيل استراتيجية القيادة اللامركزية تحت إشراف أحمد وحيدي. هذه الاستراتيجية تهدف إلى ضمان استمرار العمليات العسكرية والردود المضادة حتى في حال انقطاع التواصل مع المركز، مما يعقد الحسابات الأمريكية الإسرائيلية حول 'نقطة الحسم'.
أعتقد أن ما فعلناه في فنزويلا هو السيناريو الأمثل، حيث يمكن اختيار القادة.
وتواجه الإدارة الأمريكية ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب التكلفة الباهظة للعمليات العسكرية، والتي تقدر بنحو مليار دولار يومياً، فضلاً عن الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط العالمية بنسبة 6%. هذا النزيف المالي يثير قلق حلفاء ترامب الجمهوريين، الذين يخشون من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد قد تؤثر على الاستقرار الداخلي في الولايات المتحدة.
وفي الجانب الإسرائيلي، بلغت خسائر الاقتصاد نحو 9.4 مليارات شيكل أسبوعياً، مما دفع بعض الدوائر الاقتصادية للمطالبة بخفض مستوى الإنذار لتقليص الأضرار. ورغم هذه الخسائر، تصر القيادة العسكرية الإسرائيلية على أن الفرصة الحالية لتغيير وجه الشرق الأوسط لن تتكرر، ويجب استغلالها حتى النهاية بغض النظر عن التكاليف الآنية.
وتشير تقييمات استخباراتية أعدتها (CIA) إلى صعوبة التنبؤ بنوع القيادة التي ستبرز في إيران بعد انتهاء العمليات العسكرية، حيث تظل جميع السيناريوهات مفتوحة على احتمالات الفوضى. ويحذر خبراء من أن انهيار الحكومة المركزية قد يؤدي إلى حروب أهلية في المناطق التي تقطنها أقليات عرقية، مما يحول إيران إلى نسخة مكبرة من النماذج السورية أو الليبية.
ورغم دعوات ترامب السابقة للشعب الإيراني لتولي زمام أموره، إلا أنه أبدى تشككاً في قدرة أي ثورة شعبية على إنتاج نظام ديمقراطي موالٍ للغرب في ظل ظروف الحرب. وقال ترامب إن السيناريو الأسوأ هو استبدال النظام الحالي بآخر يحمل نفس العداء لواشنطن، مؤكداً ضرورة وجود 'شخص قوي' يعيد الاستقرار ويحمي المصالح المشتركة.
وعند سؤاله عن إمكانية دعم رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، لم يبدِ ترامب حماساً كبيراً، مفضلاً البحث عن شخصية تتمتع بشعبية ونفوذ حقيقي على الأرض داخل المؤسسات القائمة. ويعكس هذا التوجه براغماتية ترامب التي تبحث عن 'رجل قوي' يمكنه ضبط إيقاع الدولة الإيرانية المنهكة وضمان تدفق إمدادات الطاقة العالمية دون تهديد.
وتظل المعضلة الكبرى أمام واشنطن هي إيجاد وسيط يتمتع بالشرعية الكافية لإقناع الداخل الإيراني بأي التزامات تجاه الولايات المتحدة، خاصة في ظل الخطاب المتشدد الذي يتبناه الحرس الثوري حالياً. ويصف ترامب القادة الحاليين بـ 'المرضى عقلياً'، مما يغلق الباب عملياً أمام أي تسوية ديبلوماسية مع الوجوه المعروفة في النظام القديم.
ختاماً، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الأسابيع القادمة من المواجهة العسكرية، في ظل إصرار إسرائيلي على الحسم، وتردد أمريكي بين إنهاء المهمة أو البحث عن مخرج سياسي. ومع استمرار نزيف الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار الطاقة، يبقى خيار 'سيناريو فنزويلا' هو الورقة الأكثر ترجيحاً في أجندة ترامب للتعامل مع الملف الإيراني المتفجر.





شارك برأيك
كواليس محاولات إيرانية للتفاوض مع واشنطن.. وترامب يلوح بـ 'سيناريو فنزويلا'