في ظل التصعيد المتسارع والعدوان الأمريكي– الإسرائيلي على إيران ولبنان وغزة، إلى جانب الضم والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، تصاعدت اتهامات لطهران بانتهاك سيادة بعض الدول العربية في إطار ردها على الهجمات الأخيرة. غير أن قراءة قانونية دقيقة تشير إلى أن الضربات استهدفت قواعد ومنشآت أجنبية، لا الدول العربية ذاتها، ما يضع المسألة في إطار اشتباك مباشر بين أطراف الصراع، لا في إطار اعتداء على السيادة العربية.
هذا الجدل يكشف الحاجة إلى مقاربة عربية– خليجية موحدة لمفهوم الردع، تقوم على حماية المصالح لا على الاصطفاف خلف أجندات خارجية تقف خلفها الاولويات المتحدة وإسرائيل. فالردع اليوم لا يُختزل في بعده العسكري، بل يشمل أدوات الدبلوماسية الفاعلة والضغط السياسي وإدارة التحالفات وأمن الطاقة، بما يضمن منع أي طرف، إقليمي أو دولي، من فرض إرادته بالقوة الغاشمة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وتبرز هنا إشكالية ازدواجية المعايير في تطبيق مبدأ "الدفاع المشروع عن النفس" وفق ميثاق الأمم المتحدة، خاصة في ظل ما يُناقش أمام محكمة العدل الدولية بشأن عدوان الإبادة على غزة. إن غياب موقف عربي واضح يستند إلى الشرعية الدولية يفتح المجال لتكريس منطق "الضربات الاستباقية" على حساب قواعد القانون الدولي، التي نفذتها إسراىيل والولايات المتحدة منذ بدء عدوانهما الجديد.
أمن الطاقة والممرات البحرية يمثل بعداً مركزياً في معادلة الردع. فمضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس ليست مجرد معابر جغرافية، بل شرايين الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب فيها سيرتد مباشرة على اقتصادات الخليج وأوروبا وآسيا. من هنا، يصبح الردع العربي المشترك ضرورة لحماية الاستقرار الاقتصادي ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات بين المشاريع الاخرى بالمنطقة خاصة في غياب مشروع عربي موحد.
غير أن هذه المعادلة ترتبط أيضاً بطبيعة الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة. فالقواعد الأمريكية التي أُنشئت تحت عنوان الحماية قد تتحول في لحظة التصعيد إلى نقاط جذب للاستهداف، ما يضع الدول المضيفة في قلب المواجهة لا على هامشها. وأي حرب واسعة لن تقتصر كلفتها على الميدان العسكري، بل ستنعكس على صادرات النفط والغاز وسلاسل الإمداد، الأمر الذي يستدعي مراجعة هادئة لمعادلة الاعتماد الأمني بما يحفظ القرار العربي المستقل لا حماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
فالمؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن التصعيد المتبادل يقترب من منطقة خطرة تضيق فيها فرص الاحتواء السياسي. وتبدو الاستراتيجية الإيرانية، وفق طبيعة رسائلها العسكرية، قائمة على مبدأ رفع الكلفة إلى أقصى حد، بحيث لا تبقى المواجهة عسكرية فقط، بل تتحول إلى ضغط اقتصادي يطال أسواق الطاقة والاستقرار المالي العالمي.
في المقابل، يبقى الغموض مسيطراً على تصور "اليوم التالي" لدى واشنطن وتل أبيب في وقت وتعالى فيه اصوات المعارضة الأمريكية للحرب والتي يمكن توسعها الى الشارع الامريكي بما رساله زمن الحرب الأمريكية ضد فيتنام، بينما يركز الطرف الإيراني على هدف واضح يتمثل في الصمود ومنع الهزيمة مهما ارتفعت الكلفة. أخطر ما في المشهد هو احتمال توريط الولايات المتحدة لأطراف إقليمية في مواجهة مباشرة، فيما تُدار المعركة استراتيجياً من بعيد، ما قد يحول الخليج إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد.
وإذا طال أمد الحرب أو اتسعت جغرافيتها، فإن ذلك قد يفتح نقاشاً غير مسبوق حول طبيعة التحالفات الإقليمية وحدود الاعتماد على استراتيجية الولايات المتحدة، وإمكانية تنويع الشراكات أو صياغة تفاهمات إقليمية جديدة. عندها لن يكون السؤال فقط من ينتصر عسكرياً، بل كيف سيتشكل النظام الإقليمي بعد هذه المواجهة، خاصة بعد ان كانت الصين قد لعبت دورا في المصالحة الايرانية السعودية في وقت سابق ووجود مصالح روسية.
غير أن أي مقاربة لا تضع القضية الفلسطينية في مركزها ستبقى ناقصة. حيث فلسطين ليست هامشاً في الصراع، بل جوهره السياسي والأخلاقي. وأي ردع عربي مشترك لا يترافق مع أفق سياسي حقيقي لإنهاء الأحتلال الإسرائيلي سيظل هشاً أمام أول اختبار.
المرحلة الراهنة لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، والردع العربي–الخليجي الموحد ليس شعاراً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية لحماية المصالح ومنع الاستنزاف وفرض معادلة تُلزم الجميع باحترام السيادة الوطنية، وتنتقل بالمنطقة من إدارة الأزمات إلى تسوية الصراعات.
فالشرق الأوسط اليوم يقف أمام مفترق طرق، إما استمرار دوامة التصعيد المفتوح التي تقودها استراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل، أو بلورة إرادة عربية قادرة على رسم توازن جديد يحمي المنطقة من الانزلاق إلى حرب بلا سقف وأستمرار اطماع السياسات الأمريكية في تغيير الأنظمة بشكل انتقاىي بما يخدم مصالحها وهيمنة أسرائيل بالمنطقة.
أقلام وأراء
الخميس 05 مارس 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
حماية المصالح العربية: الردع الموحد في زمن التوتر الإقليمي