عربي ودولي

الأحد 01 مارس 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

زلزال سياسي في طهران: كيف يواجه نظام 'ولاية الفقيه' اختبار الخلافة بعد غياب خامنئي؟

دخلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة من الغموض السياسي عقب الإعلان الرسمي عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في غارات جوية نُسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا التطور الدراماتيكي وضع نظام 'ولاية الفقيه' أمام تحدٍ لم يشهده منذ عقود، حيث بدأت التساؤلات تتوارد حول قدرة المؤسسات الحاكمة على ضبط المشهد الداخلي وتأمين انتقال سلس للسلطة.

ويقوم الهيكل السياسي في طهران على مبدأ 'ولاية الفقيه' الذي يمنح المرشد صلاحيات مطلقة تتجاوز كافة المؤسسات المنتخب، بما في ذلك رئاسة الجمهورية والبرلمان. ويشرف الزعيم الأعلى مباشرة على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، كما يمتلك الكلمة الفصل في رسم السياسات الخارجية والداخلية الكبرى للدولة، مما يجعل غيابه المفاجئ فراغاً كبيراً في قمة الهرم.

وفقاً للدستور الإيراني، تقع مسؤولية اختيار المرشد الجديد على عاتق 'مجلس الخبراء'، وهو هيئة مؤلفة من رجال دين يتم انتخابهم كل ثماني سنوات. ويمتلك هذا المجلس نظرياً صلاحية عزل المرشد أو مساءلته، إلا أن دوره التاريخي اقتصر على الدعم والمبايعة، وهو الآن أمام مهمة تاريخية لتحديد هوية الرجل الذي سيقود البلاد في هذه الظروف المعقدة.

وتشير التقارير إلى أن عملية اختيار الخليفة قد تشهد تجاذبات حادة بين التيارات المختلفة داخل النظام، خاصة في ظل عدم تسمية خامنئي لخليفة له بشكل علني قبل مقتله. وتبرز أسماء عدة في أروقة صنع القرار، من بينها مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، الذي يتمتع بنفوذ واسع خلف الكواليس، رغم الجدل المثار حول مبدأ التوريث في نظام ثوري.

إلى جانب الشخصيات الدينية، يبرز دور الحرس الثوري كلاعب حاسم لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية، حيث تحول من قوة عسكرية إلى إمبراطورية اقتصادية وسياسية ضخمة. ويتبع الحرس مباشرة لمنصب المرشد، وهو ما يجعله معنياً بشكل مباشر بهوية القائد الجديد لضمان الحفاظ على مصالحه الواسعة ونفوذه الإقليمي الذي يديره عبر فيلق القدس.

وتتوزع مراكز القوة في إيران بين هيئات دستورية معقدة، منها مجلس صيانة الدستور الذي يراقب القوانين ويحدد من يحق له الترشح للمناصب العليا. هذا المجلس يعمل كفلتر سياسي يضمن بقاء السلطة في يد التيار الذي يتماشى مع رؤية الفقيه، مما يقلص من احتمالات حدوث تغيير جذري في توجهات الدولة عبر الصناديق الانتخابية.

أما مجلس تشخيص مصلحة النظام، فيعمل كحكم في النزاعات التشريعية بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وهو ما يعكس تشابك الصلاحيات المصمم لحماية استقرار النظام. وتعيين رؤساء هذه الهيئات كان بيد خامنئي، مما يعني أن المؤسسات الحالية هي نتاج خالص لرؤيته التي صاغها على مدار 36 عاماً من الحكم.

وعلى الصعيد التنفيذي، يجد الرئيس مسعود بزشكيان نفسه في موقف لا يحسد عليه، حيث تظل صلاحياته محصورة في الإطار الذي يرسمه المرشد الأعلى. بزشكيان الذي وصل للسلطة في انتخابات شهدت مشاركة متوسطة، يواجه الآن ضغوطاً هائلة للتنسيق مع المؤسسة العسكرية ورجال الدين لضمان عدم انهيار الجبهة الداخلية تحت وطأة الصدمة.

وتشهد العاصمة طهران ومدن إيرانية أخرى حالة من الصدمة والترقب، حيث أفادت مصادر بخروج مظاهرات وتجمعات تعكس حجم الارتباك الشعبي والسياسي. هذا المناخ المتوتر يزيد من صعوبة المهمة أمام مجلس الخبراء، الذي يحتاج لإظهار التماسك والسرعة في اتخاذ القرار لتفادي أي انفلات أمني قد تستغله القوى المعارضة.

إن التداخل بين الاقتصاد والسياسة في بنية الحرس الثوري يجعل من عملية الانتقال مسألة أمن قومي، حيث يسيطر الحرس على قطاعات النفط والغاز والبنية التحتية. أي اهتزاز في قمة السلطة قد يؤثر مباشرة على استقرار هذه القطاعات، وهو ما يفسر الاستنفار الكبير الذي تشهده القواعد العسكرية التابعة للباسيج والحرس في مختلف المحافظات.

ويرى مراقبون أن غياب الكاريزما الرمزية التي كان يتمتع بها خامنئي قد يضعف من هيبة منصب المرشد في المستقبل القريب، بغض النظر عن هوية الشخص المختار. فالمكانة التي راكمها خامنئي منذ وفاة الخميني عام 1989 لا يمكن تعويضها بسهولة، مما قد يفتح الباب أمام قيادة جماعية أو نفوذ أكبر للمؤسسة العسكرية على حساب المؤسسة الدينية.

وفي ظل التصعيد العسكري المستمر مع إسرائيل والولايات المتحدة، يواجه النظام الإيراني ضغوطاً خارجية تهدف إلى استغلال لحظة الضعف الحالية لتحقيق مكاسب سياسية. هذه الضغوط قد تدفع صانع القرار الإيراني نحو خيار 'المرشد المتشدد' لضمان استمرار سياسة المواجهة، أو قد تفرض واقعاً يتطلب تهدئة مؤقتة لترتيب البيت الداخلي.

إن النظام القضائي في إيران، الذي يقوده رجال دين يعينهم المرشد، سيلعب أيضاً دوراً في شرعنة المرحلة الانتقالية وملاحقة أي أصوات قد تنادي بالتغيير الجذري. هذا الجهاز يعمل كذراع قانوني لحماية أركان 'ولاية الفقيه' وضمان بقاء الدولة ضمن المسار الأيديولوجي الذي وضعه المؤسسون الأوائل للثورة.

ختاماً، تقف إيران اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث ستحدد الأسابيع القادمة ما إذا كان النظام قادراً على إعادة إنتاج نفسه بعد غياب قطبه الأبرز. إن نجاح مجلس الخبراء في اختيار شخصية تحظى بإجماع مراكز القوى سيكون الاختبار الحقيقي لصلابة المؤسسات التي بناها خامنئي طوال عقود حكمه الطويلة.

دلالات

شارك برأيك

زلزال سياسي في طهران: كيف يواجه نظام 'ولاية الفقيه' اختبار الخلافة بعد غياب خامنئي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.