عربي ودولي

الخميس 15 يناير 2026 2:07 مساءً - بتوقيت القدس

الولايات المتحدة تعيد انتشار قواتها في الشرق الأوسط وسط ترقّب ضربة محتملة ضد إيران

واشنطن - "القدس" دوت كوم – سعيد عريقات

في مؤشر جديد على تصاعد منسوب التوتر الإقليمي، شرعت الولايات المتحدة يوم الأربعاء في سحب جزء من قواتها المتمركزة في عدد من القواعد العسكرية في الشرق الأوسط، في خطوة تتزامن مع تقديرات استخبارية أوروبية تفيد بإمكانية شن هجوم أمريكي على إيران خلال الأربع والعشرين ساعة المقبلة. وأفاد مسؤولون أوروبيون لوكالة "رويترز" (مساء الأربعاء) أن التحركات العسكرية الجارية تعكس استعدادات ميدانية لاحتمال انزلاق الوضع إلى مواجهة مباشرة.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان مشهد ما قبل الحرب الأميركية–الإسرائيلية التي استمرت اثني عشر يومًا ضد إيران في حزيران 2025، حين أقدمت واشنطن آنذاك على إخلاء جزئي لقواتها من قواعد حساسة في المنطقة تحسبًا للرد الإيراني. ويبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تعتمد اليوم السيناريو ذاته، وإن في سياق أكثر تعقيدًا، نظرًا لتبدل موازين الردع واتساع رقعة الاستهداف المحتمل.
ومن بين أبرز القواعد التي يجري تقليص الوجود العسكري الأميركي فيها، قاعدة العديد الجوية في قطر، التي تُعد إحدى أهم ركائز الانتشار العسكري الأميركي في الخليج. وكانت هذه القاعدة قد تعرضت في يونيو الماضي لهجوم صاروخي إيراني مباشر، جاء ردًا على قصف أمريكي استهدف منشآت نووية داخل إيران. وقد سبقت طهران ذلك الهجوم بإبلاغ واشنطن عبر قنوات غير مباشرة، ما أتاح للقوات الأمريكية وقتًا كافيًا للإخلاء الجزئي والاستعداد لاعتراض الصواريخ.
غير أن التحذيرات الإيرانية الحالية توحي بأن أي مواجهة مقبلة ستكون مختلفة في قواعد الاشتباك. إذ يؤكد مسؤولون إيرانيون أن الرد على أي ضربة أمريكية جديدة سيشمل استهداف القواعد العسكرية والسفن الأمريكية المنتشرة في المنطقة، من دون تقديم إنذار مسبق هذه المرة، ما يرفع من احتمالات الخسائر ويعقّد حسابات الردع.
وفي هذا السياق، كتب علي شمخاني، مساعد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، على منصة "إكس" يوم الأربعاء، منتقدًا الخطاب الأميركي المتكرر حول "الضربات الوقائية". وقال: "إن رئيس أمريكا، الذي يكرر باستمرار الرواية العقيمة للاعتداء على المنشآت النووية الإيرانية، من الأفضل له أن يذكّر أيضًا بقصف قاعدة #العديد الأمريكية بالصواريخ الإيرانية". وأضاف شمخاني، الذي نجا من محاولة اغتيال إسرائيلية خلال حرب الأيام الاثني عشر، أن "استحضار تلك الواقعة كفيل بخلق فهم واقعي لإرادة إيران وقدرتها على الرد على أي عدوان".
في المقابل، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترمب متجاهلًا لهذه التحذيرات، إذ قال يوم الثلاثاء: "قالت إيران الشيء نفسه في المرة الأخيرة التي قمت فيها بقصفها". وفي اليوم ذاته، عقد ترامب اجتماعًا مغلقًا في البيت الأبيض مع كبار مستشاريه للأمن القومي والدفاع، خُصص لبحث السيناريوهات المحتملة للتعامل مع إيران.
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أمريكيين أن التقديرات الاستخبارية تشير إلى أن أي ضربة أميركية ستقابل على الأرجح برد صاروخي إيراني يستهدف قاعدة العديد، وربما قواعد أميركية أخرى في العراق وسوريا. وأكدت الصحيفة أن هذا التقييم كان محور نقاش موسّع داخل البيت الأبيض مساء الثلاثاء.
أما "واشنطن بوست"، فنقلت عن مسؤول أمريكي قوله إن إدارة ترامب "لا تمتلك ببساطة الأصول العسكرية الكافية في المنطقة لتنفيذ ضربة شاملة من دون التعرض لخطر الانتقام"، خصوصًا بعد سحب جزء من القدرات العسكرية لاستخدامها في عمليات أخرى، من بينها التحركات الأمريكية ضد فنزويلا. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بما لا يقل عن ثلاث مدمرات بحرية مزودة بصواريخ موجهة في مياه المنطقة، فضلًا عن قدرة القاذفات الإستراتيجية من طراز B-2، التي انطلقت سابقًا من قواعد داخل الأراضي الأمريكية لتنفيذ ضربات بعيدة المدى.
وتعكس التحركات الأميركية الأخيرة منطق "إدارة المخاطر" أكثر مما تعكس استعدادًا لحرب شاملة. فإخلاء القواعد لا يعني بالضرورة نية الهجوم، بل قد يكون رسالة ردع مزدوجة: تقليل الخسائر المحتملة، وإبقاء خيار الضربة قائمًا من دون التورط في تصعيد لا يمكن السيطرة عليه. غير أن هذا النهج يكشف في الوقت ذاته حدود القوة الأمريكية في بيئة إقليمية باتت أكثر عدائية، حيث لم تعد الهيمنة العسكرية وحدها كافية لفرض المعادلات.
في المقابل، تبدو إيران واثقة من قدرتها على رفع كلفة أي هجوم أميركي، مستندة إلى تجربة يونيو 2025 التي كسرت، ولو جزئيًا، صورة التفوق الأميركي المطلق. التهديد بعدم توجيه إنذار مسبق هذه المرة يشير إلى تحول استراتيجي في العقيدة الإيرانية، من الرد المحسوب إلى الرد الصادم. وبين هذا وذاك، يقف الإقليم على حافة تصعيد قد لا يريده أحد، لكنه قد يندلع بفعل سوء تقدير واحد.


دلالات

شارك برأيك

الولايات المتحدة تعيد انتشار قواتها في الشرق الأوسط وسط ترقّب ضربة محتملة ضد إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.