واشنطن – سعيد عريقات
شهدت موسكو في الثاني من كانون الأول 2025 لقاءً غير مسبوق أعاد واشنطن إلى قلب مسار التفاوض حول الحرب الروسية–الأوكرانية. فقد اجتمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بكل من ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وجاريد كوشنر كبير مستشاري البيت الأبيض، في اجتماع امتد لخمس ساعات وتناول مسودة خطة أميركية للسلام تضم ثمانية وعشرين بنداً. ورغم التعتيم على تفاصيلها، فإن تسريبات متقاطعة تؤكد أنها تتضمن ترتيبات أمنية ووقفاً تدريجياً لإطلاق النار، مقابل مقاربة مرنة لرفع بعض العقوبات في مراحل لاحقة.
أهمية الزيارة لا تكمن فقط في كونها أول اتصال مباشر بهذا المستوى منذ عودة إدارة ترمب إلى مسار التفاوض، بل أيضاً لأنها جاءت في لحظة حساسة تدخل فيها الحرب عامها الرابع دون بوادر حسم عسكري. فبينما تسعى واشنطن لاختبار مدى استعداد موسكو للتقدّم باتجاه تسوية سياسية، يبدو الكرملين منفتحاً على النقاش ولكن وفق حدود واضحة. فمن وجهة نظر بوتين بحسب الخبراء، لا مجال للتفاوض حول ما يسميه "الحقائق القائمة على الأرض"، أي المناطق التي تسيطر عليها روسيا حالياً. وقد قدّم الرئيس الروسي موقفاً يتسم بالازدواجية المقصودة: خطاب مرن يبقي الباب مفتوحاً للمحادثات، وجوهر صلب يمنع تقديم أي تنازلات قد تُقرأ داخلياً كعلامة ضعف.
وبحسب المراقبين، تحول الاجتماع أيضاً إلى منصة لبوتين لتوجيه رسائل سياسية إلى العواصم الأوروبية، متهماً بعضها بالسعي لإفشال المسار التفاوضي، ومؤكداً استعداد روسيا "للمضي في القتال" إذا فُرضت عليها مواجهة أوسع. هذا التصعيد الكلامي تزامن مع محاولة أميركية لتسويق اللقاء باعتباره خطوة أولى نحو مسار تفاوضي طويل الأمد، رغم شكوك واسعة في كييف وعدد من العواصم الأوروبية التي تخشى أن تقود أي تسوية مبكرة إلى تثبيت المكاسب الروسية على الأرض.
في الميدان، تُظهر الخارطة العسكرية واقعاً معقداً: روسيا تسيطر (في مطلع كانون الأول 2025 ) على نحو 19% من الأراضي الأوكرانية، وفق تقديرات دولية، وحققت مكاسب بطيئة ولكن ثابتة في محيط باخموت وبوكرُوفسك. أما كييف فتصر على أن الوضع "تحت السيطرة"، غير أن المحصلة تؤكد أن الجبهة مستقرة وأن الطرفين غير قادرين على تحقيق اختراق إستراتيجي حاسم. هذا الجمود يعزز فكرة أن أي اختراق سياسي لن يتحقق إلا إذا انقلبت المعادلة الميدانية، وهو أمر لا يبدو قريباً في ظل استمرار نقص الذخائر الأوكرانية وتردد الغرب في رفع مستوى الدعم العسكري.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن اعتمدت في هذا التحرك أسلوب "القناة الثنائية الرفيعة" مع موسكو، أي بناء تفاهم أوّلي محدود بعيداً عن الأطر الغربية الموسعة، ثم محاولة تمريره لاحقاً على الأوروبيين وعلى كييف. غير أن هذا النهج يحمل مخاطر سياسية، أبرزها شعور العواصم الأوروبية بأن مصالحها الأمنية يجري تجاوزها. ومع تزايد الفجوة بين واشنطن وبروكسل حول كيفية إنهاء الحرب، يصبح أي اتفاق محتمل عرضة للاهتزاز، لأن تطبيقه عملياً يتطلب وحدة الموقف الغربي، لا انقسامه.
وتبقى قضية الأراضي أكثر العقد استعصاءً. حيث تتمسك روسيا بالمناطق التي ضمّتها ولا تُظهر أي نية للتراجع عنها، بينما لا تستطيع الحكومة الأوكرانية قبول تسوية تُقنّن اقتطاع أجزاء من البلاد. وحتى لو تم التوصل إلى وقف إطلاق نار، ستظل هذه المسألة قنبلة موقوتة تحمل إمكانية تفجير أي اتفاق في مراحله الأولى. ويرتبط بهذا التحدي ملف العقوبات، إذ تنتظر موسكو رفعاً تدريجياً لها مقابل التزامات محدودة، في حين يريد الغرب استخدامها كأداة ضمان طويلة الأمد. كما تبدو مسألة إعادة الإعمار، وتمويلها، وشروطها، جزءاً لا يتجزأ من أي ترتيبات سلام مستقبلية.
على الجانب الأميركي، تتقاطع الاعتبارات الخارجية مع ضغوط داخلية متصاعدة. فإدارة ترمب تحرص على الظهور بمظهر من يسعى لوقف نزيف الحرب دون فرض حلول على كييف، لكنها في الواقع تعمل على إعادة تشكيل المقاربة الأميركية للحرب بهدف تقليص الانخراط المباشر. ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه الانتقادات داخل الكونغرس، خصوصاً من التيار المتشدد في مجلسي الشيوخ والنواب ومن دوائر الأمن القومي، بمن فيهم مستشار ترمب للأمن القومي، ووزير خارجيته، ماركو روبيو، التي رأت في المسودة الأولى للخطة الأميركية "تساهلاً مع موسكو" . فقد كان ترمب قد طرح في منتصف تشرين الثاني الماضي خطة أولية منحت أوكرانيا مهلة حتى 27 تشرين الثاني، للرد على ترتيبات أمنية تتضمن وقف إطلاق نار متدرجاً وضمانات متبادلة. إلا أن الضغوط الداخلية أجبرت البيت الأبيض على التراجع عنها وصياغة خطة جديدة من 28 بنداً أكثر ميلاً لمطالب كييف وتشددًا تجاه روسيا.
وبين معادلات الميدان المعقدة، والانقسام الغربي المتزايد، والحسابات الداخلية لكل من بوتين وزيلينسكي وترمب، تبدو مبادرة السلام الأميركية خطوة ضرورية ولكنها محفوفة بالعقبات. فالحرب دخلت مرحلة استنزاف طويلة، والتفاوض عاد، لكن الطريق نحو تسوية حقيقية لا يزال مليئاً بالألغام السياسية والعسكرية على حد سواء.





شارك برأيك
واشنطن تعيد فتح القناة الرفيعة مع موسكو في محاولة صعبة لصياغة سلام مُعلّق