يعتبر الخبراء خطةٌ البيت الأبيض المتداولة لتطوير "ريفييرا غزة" كسلسلة من المدن الكبرى عالية التقنية، محاولة "جنونية" للتغطية على التطهير العرقي واسع النطاق لسكان الأراضي الفلسطينية.
ونشرت صحيفة واشنطن بوست يوم الأحد نشرة مسربة للخطة، والتي تتضمن التهجير القسري لسكان غزة البالغ عددهم مليوني نسمة، ووضع القطاع تحت وصاية أميركية لعقد على الأقل.
وأطلق على هذه الخطة اسم "صندوق إعادة بناء غزة والتسريع الاقتصادي والتحول" - أو "الصندوق العظيم" - وقد وُضعت هذه الخطة، بحسب التقارير، من قِبل بعض الإسرائيليين أنفسهم الذين أنشأوا وأطلقوا مؤسسة غزة الإنسانية ( GHF) المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، بتخطيط مالي من مجموعة بوسطن الاستشارية ومن إدارة ترمب التي زودت المؤسسة ب30 مليون دولار. والأمر الأكثر إثارة للجدل هو أن الخطة المكونة من 38 صفحة تقترح ما تسميه "النقل المؤقت لجميع سكان غزة، الذين يزيد عددهم عن مليوني نسمة"، وهو اقتراح من شأنه أن يرقى إلى مستوى التطهير العرقي، وربما إلى إبادة جماعية.
وبحسب الخطة، سيتم تشجيع الفلسطينيين على المغادرة "طواعية" إلى بلد آخر أو إلى مناطق محظورة وآمنة خلال إعادة الإعمار. وسيُقدم الصندوق ألاستئماني "رمزًا رقميًا" لأصحاب الأراضي مقابل حقوق إعادة تطوير ممتلكاتهم، لاستخدامها في تمويل حياة جديدة في مكان آخر.
وسيتم إيواء الباقين في عقارات بمساحة صغيرة جدًا تبلغ 323 قدمًا مربعًا - وهي مساحة ضئيلة حتى بمعايير العديد من منازل غير مخيمات اللاجئين في غزة.
ولم يتضح ما إذا كانت الخطة تعكس السياسة الأميركية. لكن يبدو أن نشرة الاكتتاب تعكس طموح دونالد ترمب المعلن سابقًا "لتطهير" غزة وإعادة تطويرها. من بين منتقدي النشرة المسربة، فيليب غرانت، المدير التنفيذي لمنظمة "ترايل إنترناشونال"، وهي منظمة حقوق إنسان مقرها سويسرا، والذي وصف الخطة بأنها "مخطط لترحيل جماعي، يُسوّق على أنه تنمية".
وقال غرانت "هذا مخطط لترحيل جماعي، يُسوّق على أنه تنمية. والنتيجة؟ حالة نموذجية لجرائم دولية على نطاق لا يمكن تصوره: نقل قسري للسكان، وهندسة ديموغرافية، وعقاب جماعي".
يشار إلى أن "ترايل إنترناشنال " هي واحدة من خمس عشرة منظمة سبق أن حذرت من أن المقاولين من القطاع الخاص العاملين في غزة بالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية يُخاطرون "بالمساعدة والتحريض أو التواطؤ في جرائم بموجب القانون الدولي، بما في ذلك جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية"، وأنهم قد يُحاسبون بموجب عدة ولايات قضائية.
وقال غرانت "قد يواجه المتورطون في تخطيط وتنفيذ مثل هذه الخطة - بمن فيهم الجهات الفاعلة في الشركات - مسؤولية قانونية لعقود قادمة". حتى في وسائل الإعلام الإسرائيلية، أثار الاقتراح استغرابًا، حيث وصفه مقال في صحيفة هآرتس ذات الميول اليسارية بأنه "مخطط ترامبي للثراء السريع يعتمد على جرائم الحرب والذكاء الاصطناعي والسياحة".
يبدو أن نشرة الاكتتاب هي ضرب من الخيال ، وقد وُضعت من قبل أشخاص ليس لديهم معرفة عملية بغزة أو سياسات الشرق الأوسط أو التحديات المحتملة في محاولة إعادة بناء القطاع كمركز سياحي وتكنولوجي بمليارات الدولارات من شأنه أن ينافس إسرائيل حتمًا.
يُصوَّر المخطط، الذي لا يتطلب أي تمويل أميركي، والمقصود أن يموله مستثمرون بما يصل إلى 100 مليار دولار، على مدينة ساحلية صاخبة يقسمها مجرى مائي ويحدها ما يصل إلى ثماني مدن عملاقة عالية التقنية مخططة بالذكاء الاصطناعي، على غرار مشروع نيوم السعودي المتعثر.
كما تتصور الخطة إنشاء منطقة صناعية على طراز تخيلات "إيلون ماسك" تقع على أنقاض منطقة إيريز الصناعية، التي بُنيت باستثمارات إسرائيلية لاستغلال العمالة الرخيصة في الأراضي الفلسطينية، ثم أغلقتها ودمرتها القوات الإسرائيلية.
ويبدو أن فحص الخريطة يشير إلى أن الخطة ستشمل أيضًا مصادرة جزء كبير من الأراضي الزراعية في غزة، والتي غالبًا ما تقع في محيط غزة بالقرب من الحدود مع إسرائيل، لصالح منطقة أمنية عازلة إسرائيلية.
ومع ذلك، فإن النص الصغير مُدين للغاية، إذ لا يُميز من حيث السيادة بين غزة وإسرائيل ومصر، مما يُشير إلى عدم مراعاة حق الفلسطينيين في تقرير المصير. وبموجب الخطة، ستحتفظ إسرائيل بـ"حقوق شاملة" مُحددة بشكل غامض على غزة "لتلبية احتياجاتها الأمنية". ولن تكون هناك دولة فلسطينية، بل "نظام سياسي فلسطيني" ينضم إلى اتفاقيات أبراهام التي أبرمها ترامب. ويبدو أن اللغة المستخدمة في نشرة الإصدار، ووصف العديد من الميزات، تهدف إلى استغلال غرور ترمب وماسك وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي سُميت الحلقة الأمنية المحيطة بغزة باسمه.
ووفقًا لمجموعة بوسطن الاستشارية، التي نقلتها صحيفة واشنطن بوست، لم تتم الموافقة على العمل على الوثيقة، وتم فصل اثنين من كبار الشركاء الذين قادوا التخطيط المالي.
وأكد إتش إيه هيلير، وهو زميل بارز في المعهد الملكي (البريطاني) للخدمات المتحدة، على هذا الانتقاد، حيث أشار إلى أن تفاصيل الخطة سخيفة للغاية لدرجة أنه لا ينبغي أخذ الاقتراح على محمل الجد.
وأضاف "إنه أمر جنوني. المهم هو ما تشير إليه الخطة، وهذه ليست فكرة جديدة، ويناسب إصرار إسرائيل على عدم وجود سيادة فلسطينية أو تقرير مصير في غزة" .
وأوضحت إدارة ترمب منذ 4 شباط [عندما ظهرت تفاصيل خطط إقامة ريفييرا ترامب في غزة لأول مرة] أنها موافقة على فكرة التطهير العرقي في غزة.
وحذر هيلير من أن " فكرة أن الأمر يتعلق بـ"الرحيل الطوعي" عندما لا يكون أمام الفلسطينيين في غزة خيار سوى الموت جوعًا أو عبر إطلاق النار عليهم".
من جهتها صرحت كاثرين غالاغر، المحامية البارزة في مركز الحقوق الدستورية في نيويورك، بأن "أي شركة تتحالف مع إسرائيل - وعلى ما يبدو ترامب - في خطة لنقل الفلسطينيين قسرًا من منازلهم في غزة تُعرّض نفسها لمسؤولية قانونية جسيمة في الداخل وبموجب الولاية القضائية العالمية".
ورفع مركز الحقوق الدستورية مؤخرًا دعوى قضائية ضد إدارة ترمب بشأن سجلات تمويلها لمؤسسة غزة الإنسانية ( GHF)، المؤسسة التي تُشرف على توزيع المساعدات في غزة، والتي قُتل في مواقعها مئات أكثر من 2000 مواطن فلسطيني على الأقل أثناء وقوفهم في طوابير للحصول على الطعام.
وقد تم تسريب النشرة بعد أيام من عقد ترمب اجتماعًا في البيت الأبيض لمناقشة التخطيط لليوم التالي لغزة، حضره رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي ساهم بآرائه حول مستقبل غزة لإدارة ترامب وصهره، جاريد كوشنر.
ورفض المسؤول الكبير في حماس، باسم نعيم، الخطة المسربة، قائلاً: "غزة ليست للبيع. غزة جزء من الوطن الفلسطيني الكبير".





شارك برأيك
خطة "ريفييرا غزة" المسربة، محاولة "جنونية" للتغطية على التطهير العرقي