تتسبب استراتيجية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لفرض احتلال غير محدد الأمد على قطاع غزة بأزمة حادة ومتصاعدة داخل الجيش الإسرائيلي. ما بدأ كحملة لتفكيك حماس تحول إلى صراع دائم، وهو ما يُجهد الجيش الإسرائيلي ويدفعه إلى نقطة الانهيار. هذه الخطة، المدفوعة بأهداف سياسية، لا تفشل في تحقيق الأمن فحسب، بل تلحق أضرارا عميقة بمعنويات الجيش وجاهزيته العملياتية وأسسه التي يقوم عليها.
حرب بلا نهاية كانت للمرحلة الأولى من عملية الاحتلال أهداف واضحة، وإن كانت طموحة: تدمير قدرات حماس العسكرية والحكومية وتأمين إطلاق سراح الرهائن. لكن بعد قرابة عامين، أدى غياب خطة سياسية قابلة للتطبيق 'لليوم التالي' إلى إغراق الجيش الإسرائيلي في احتلال مكلف ودائم. لقد رفض نتنياهو مرارا مقترحات تتعلق بسلطة فلسطينية متجددة أو قوة دولية لحكم غزة، مصرا على فرض سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة.
هذه السياسة أجبرت الجيش على لعب دور غير مهيأ للاستمرار فيه: ضبط السيطرة مع سكان معادين يزيد عددهم عن مليوني نسمة وسط مشهد حضري مدمر. فالجنود لا يخوضون معارك حاسمة، بل ينخرطون في حلقة لا تنتهي من المداهمات وعمليات مكافحة التمرد والرد على هجمات حرب العصابات. وقد حوّل هذا الوضع غزة إلى مستنقع استراتيجي يستنزف الموارد العسكرية والأفراد دون وجود نصر واضح في الأفق.
إن النتيجة الأكثر مباشرة لهذه الحرب المفتوحة هي تآكل الروح المعنوية في صفوف الجيش. لقد تم استدعاء الجنود الإسرائيليين، وخاصة آلاف جنود الاحتياط الذين يشكلون العمود الفقري للجيش، وهم يعتقدون أنهم يقاتلون في حرب من أجل بقاء بلادهم. أما الآن، فيشعر الكثيرون منهم أنهم مجرد أدوات لتنفيذ سياسة تهدف إلى الاحتلال الدائم.
تصف تقارير من داخل الجيش الإسرائيلي وفي الصحافة الإسرائيلية حالة من الإرهاق المنتشر والاضطراب النفسي والشعور المتزايد بالعبثية. تشمل العوامل الرئيسية التي تساهم في هذا التدهور غياب المهمة الواضحة، حيث يكافح الجنود لفهم الهدف من وجودهم المستمر. لقد تحول الهدف من هزيمة عدو إلى السيطرة على أرض إلى أجل غير مسمى، وهي مهمة تبدو خطيرة وعديمة الجدوى في آن واحد.
كما أن الخطر المستمر يعني أن كل دورية وكل مبنى يحمل خطرا هائلا. إن التوالي البطيء ولكن المستمر للخسائر البشرية له تأثير مدمر على تماسك الوحدات العسكرية ومعنوياتها. الأعباء الأخلاقية الناتجة عن إدارة نقاط التفتيش، ومداهمات المنازل، والتعامل مع السكان المدنيين المعانين تفرض ضغوطا أخلاقية ونفسية ثقيلة على الجنود الشباب.
الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للقيادة العسكرية هو الزيادة الكبيرة في ظاهرة 'الرفض' بين جنود الاحتياط. فبعد أن كانت ظاهرة هامشية، أصبح رفض الخدمة فيما يُنظر إليه على أنه حرب سياسية للاحتلال أكثر شيوعا، مما يهدد العقد الاجتماعي الأساسي للجيش. هذا الرفض يعكس تآكل الثقة في الأهداف العسكرية والسياسية.
استراتيجية نتنياهو في غزة هي خطأ استراتيجي يضحي بالأمن القومي من أجل البقاء السياسي.
لقد ألحقت التعبئة المطولة لعشرات الآلاف من جنود الاحتياط أضرارا بالغة بالاقتصاد الإسرائيلي. فهؤلاء ليسوا مجرد جنود؛ إنهم أطباء ومهندسون ورواد أعمال في قطاع التكنولوجيا ومعلمون. وقد أدى غيابهم المطول إلى نقص حاد في العمالة، وتعطيل سلاسل التوريد، وإعاقة الابتكار في قطاع التكنولوجيا الحيوي في البلاد.
كما اضطرت الشركات الصغيرة إلى الإغلاق، وتكافح العائلات مع فقدان الدخل والخسائر العاطفية الناجمة عن الفراق. وقد خلق هذا صدوعا عميقة في المجتمع الإسرائيلي، حيث يتنامى الشعور بالعبء غير المتكافئ، حيث يأتي جزء كبير من جنود الاحتياط من الشريحة العلمانية من الطبقة الوسطى.
أدى التركيز المكثف على غزة إلى جعل إسرائيل ضعيفة استراتيجيا على جبهات أخرى. ويعاني الجيش الإسرائيلي من إرهاق عملياتي شديد، فالمعدات العسكرية تعاني من تآكل شديد، ومخزونات الذخيرة آخذة في النضوب. يكمن الخطر الأكبر على الحدود الشمالية مع حزب الله في لبنان، حيث إن قدرة الجيش الإسرائيلي على شن حرب شاملة في الشمال معرضة للخطر الشديد.
إن الأزمة التي يواجهها الجيش الإسرائيلي هي نتيجة مباشرة للصدام بين طموحات رئيس الوزراء السياسية والمنطق العسكري. وبحسب ما ورد، ضغطت هيئة الأركان العامة للجيش من أجل الوضوح الاستراتيجي وإيجاد حل سياسي لغزة ما بعد الحرب، مدركة أن الحل العسكري البحت مستحيل.
ومع ذلك، يعتمد ائتلاف نتنياهو الحاكم على سياسيين من اليمين المتطرف يدعون علنا إلى إعادة بناء المستوطنات الإسرائيلية في غزة والتهجير الدائم للفلسطينيين. وللحفاظ على سلطته، تبنى رئيس الوزراء رؤيتهم للسيطرة غير المحددة، متجاهلا التحذيرات الخطيرة من قيادته العسكرية.
في الختام، إن خطة احتلال غزة إلى أجل غير مسمى لا تجعل إسرائيل أكثر أمانا، بل إنها تفكك بشكل منهجي أهم أصولها الاستراتيجية: جيشها. تقود سياسة نتنياهو الجيش الإسرائيلي إلى مسار من الإرهاق والأزمات، مع تداعيات خطيرة على أمن الدولة في المستقبل.





شارك برأيك
كيف تشل استراتيجية نتنياهو لاحتلال غزة الجيش الإسرائيلي؟