في حرّ ظهيرةٍ صيفية خانقة في مدينة غزة، وقف صبي في طابورٍ لما بدا وكأنه مثلجات. كان قميصه مبللا بالعرق، ووجهه مغطى بالغبار، وشفاهه متشققة من الجفاف. وعندما جاء دوره، همس للبائع قائلا "أريد الفراولة، ليس العنب مجددا. العنب طعمه مثل المستشفى".
هذه القصة روتها الصحفية الفلسطينية لوجين حمدان، حيث تسلط الضوء على مأساة جديدة يعيشها أطفال غزة في ظل الحرب المستمرة والتجويع. الرجل الذي يبيع المثلجات، والذي يبدو مرهقا، يخرج قطعة مشوهة من المجمد، ويقدمها للصبي كأنها كنز.
عندما أخذ الصبي قضمة، نظر إليّ بعينين نصف مغمضتين وقال "طعمه مثل المرض، لكن إذا أغمضت عيني أستطيع أن أتخيله مانجو". لم يكن يعلم أن ما يتناوله هو شراب مضاد حيوي مجمد، يأتي بنكهات مختلفة، ويستخدم كبديل عن المثلجات.
الأم التي سمعت القصة، لم تستطع أن تتقبل فكرة أن الأطفال يتناولون مضادات حيوية كحلوى. قالت: "هذا ليس بقاء على قيد الحياة، هذا موت بطيء". وأكدت أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية يعزز مقاومة البكتيريا، مما يشكل خطرًا على صحة الأطفال.
آيس كريم يُباع في أسواق غزة ويحتوي على مضادات حيوية، حسب ما ذكره الناشط الفلسطيني محمود محسن عبر منصة فيسبوك.
هذا ليس بقاء على قيد الحياة، هذا موت بطيء.
في غزة، حيث دمرت الغارات الإسرائيلية المستشفيات، أصبح الحصول على الأدوية أمرًا شبه مستحيل. الأطفال الذين يتناولون هذه المثلجات قد يحتاجون غدًا إلى جرعة دواء لإنقاذ حياتهم، لكنهم لن يجدوا ما يحتاجونه.
الرجل الذي يبيع "آيس كريم المضادات" قال إنه لا يريد أن ينسى الأطفال طعم المثلجات. تذكرت محلات الآيس كريم التي كانت تعج بالحياة، والتي تحولت الآن إلى أنقاض. الأطفال اليوم يتعلمون من جديد نكهات مرتبطة بالمرض، ولكنها أصبحت رمزا لمتعة نادرة.
ليس هذا الابتكار الغذائي المرعب الوحيد في غزة، فهناك أطفال يأكلون الطحينة الممزوجة بمُحلٍ صناعي، وآخرون يجمعون الحمص اليابس ويطلبون من أمهاتهم تحميصه. كل هذا يحدث في ظل مجاعة شاملة وسوء تغذية يفتك بأهل غزة.





شارك برأيك
أطفال غزة يلعقون "المضادات الحيوية" المجمدة بحثًا عن طعم الآيس كريم