- ترك إرثاً عظيماً وأكبر وأقدم متحف بيتي تراثي في فلسطين
رحل إسحق الحروب، بعد أن أفني عمره في جمع القطع المتكسرة من الروح الفلسطينية ولصقها على جدران الغياب، كي تظل البلاد تحلم ولو من بعيد، ليغدو ليس اسما بل ترنيمة، تاركاً إرثاً عظيماً في الحفاظ على التراث مكوناً أكبر متحف في فلسطين.
ووصف الفنان التشكيلي يوسف كتلو، إسحق الحروب، بناسك الذاكرة الفلسطينية، مشيراً إلى أنه في زاوية منسية من زمن لا يقاس بالساعات، كان يمشي على أطراف الغيم، يحمل في جيبه قصاصة من قميص جدته المطرز، وفي قلبه صوت المجاديف التي كانت تشق نهر الجليل عندما كانت فلسطين ما زالت تصحو على أنفاسها الأولى.
وأضاف: لم يكن الحروب باحثاً فقط، بل كان حارساً سريالياً لذاكرةٍ تحاك بالخيط والدمع، فلم يكن يجمع التراث، بل يستحضر التراث فيه، موضحا انه كان إذا لمس ثوباً مطرزاً، يسمع زغاريد نساء القرى القديمة تتدفق من بين الثقوب، وإذا شم عبق الخبز في التنور، تدحرجت من عينيه مواويل حصيدة على إيقاع الدلعونا.
وأشار كتلو إلى أن إسحق كان يتجول بين البيوت المهجورة في القرى الممحوة يستنطق الجدران، يحادث الأبواب الصدئة، يشم المفاتيح ويعرف بأي يد كانت تحمل، وبأي قلب كانت تدار، وكان يعرف أن الزيتونة ليست شجرة، بل جدة عجوز تحرس الأحلام المدفونة في التراب.
وأوضح: في مكتبته الممتلئة بالصناديق والمرايا والظلال، كتب اسحاق بالحبر والمطر، وبالريح التي كانت تمر عبر شبابيك الخليل ونابلس وصفد، كتاباته لا تقرأ بل تستشعر، كأنك تمشي حافيا على بلاط بيت جدك، مضيفاً أنه لم يكن يحفظ التراث، بل ينقب عنه الاحلام، ويرى في المنام ثوبا مطرزا بلون البحر، فيصحو ليجده في سوق خان الزيت، بين طيات ثوب لم تلبسه امرأة منذ النكبة.
وصية الأرض
ورثى الفنان كتلو الحروب قائلاً: وداعاً يا حافظ الذاكرة يا جامع التراث، يا حارس الذاكرة، يا ابن دورا ودير سامت، حيث تنبت الذاكرة من تراب أثقلته الحكايات، وفي دورا الخليل حيث الحجر ينطق بفلسطين، مشيراً إلى أن إسحق الحروب ولد ليس كأي مولود، بل كوصية حملتها الأرض إلى السماء، وأن لا ينسى شيئاً، وأن لا تضيع خيوط المطرزات، ولا تنطفئ نار التنور، ولا تخرس أناشيد الجدات.
وتابع: كنت يا ابن دورا، ويا نبض دير سامت تنقب في تراب الوطن عن وجوه الذين مضوا، وتحيي أشياءهم الصغيرة، الطابون، المفتاح، البرقع، ووشم الذراع، وكان يمسك الزمن بيديه ويقول له: قف هنا، في هذه الذاكرة، لا تمض دون أن تسجل اسم هذه القرية، وتعيد للحكاية فمها الناطق، مؤكداً أن الحروب لم يكن باحثاً فقط، فقد كان رسولاً من الماضي الى المستقبل، يحمل في قلبه وجع المنسي ويعيد بعينه البصيرة للغائب.
وتساءل كتلو: بعد هذا الرحيل من سيروي الآن حكايات البيوت المهدومة، من سيقرأ النقوش على مغازل الصوف، من سيعرف الفرق بين زغرودة الخليل وزغرودة صفد، نم مطمئنا في ترابك فقد تركت للذاكرة مفاتيحها وللتاريخ رجاله وللخليل حارسا لا ينسى، وسلام على دير سامت يوم انجبتك وسلام على دورا وهي تبكيك بزيت الزيتون وزهر اللوز.
حافظ التراث
وقال الشاعر رشاد العرب: إن فلسطين تودع علماً من أعلامها، فهو صاحب أكبر وأقدم متحف بيتي تراثي في فلسطين، رجل العلم والوطن والتراث، من كتب التاريخ فصار منهاجاً يدرس، الرجل الذي حافظ على كل شيء فكان مدرسة وطنية عظيمة، مؤكداً أن أبا إياد جامع التراث موسوعة العلوم والتاريخ.
وأوضح أن الحروب من مواليد قرية دير سامت عام 1941م، وخريج كلية العلوم والرياضيات، مدرس متقاعد، دأب على جمع التراث الفلسطيني منذ العام 1958م، دار فلسطين بيتا بيتا، وجمع كل ما يمكن جمعه وكانت المؤسسات تتسابق لتقيم له المعارض، لتنتهي رحلتها في متحف قلعة السلطان مراد الأثرية، في قصر المؤتمرات في قرية أرطاس في محافظة بيت لحم، مشيرا انه كان حين يسأله عن المال كاد يضربه قائلا:" كل مال الدنيا بسواش قطعة من إلي هان"، حيث بدأت قصته بإبريق فخاري دفنه خوفا من كسره، ليتذكره بعد سنوات حين أراد جيرانه بناء سور بينهم، فأخرجه وبدأت القصة.
وأشار العرب إلى أن أبا إياد الحروب كان رجلاً رائعاً، بسيط جدا بلهجته الفلسطينية وسماره المشوب بعرق جبينه المختلط بغبار ما تبقى من تراث، بعزفه الفلسطيني الموسيقي على اليرغول، ومواويله التراثية على الربابة، جهد دام لأكثر من 60 عاماً، صانته وزارة السياحة وقصر المؤتمرات في متحف وطني يليق بعمره وتاريخه الطويل، مشيراً إلى أنه مهما كتب فلن يوفيه حقه، قائلاً: أنت دخلت التاريخ ووضعت ذكرك في الخالدين، أنت تحافظ على الهوية وتقاوم وتقول: هنا فلسطين".
متحف متنقل
ونعى الإعلامي سالم أبو صالح الحروب، مشيراً إلى أنه كان صاحب أكبر وأهم متحف تراثي متنقل وطافت كنوزه التراثية كل أرجاء الوطن، وقال: عزاؤنا أن هذه سنة الحياة، وأنه سيبقى في ذاكرة الأجيال التي نقلها هذا الإرث العظيم.
وبين محمد العكيمي أن إسحق الحروب صاحب الأصالة في الانتماء والعطاء والإرث التاريخي الذي تبناه محافظاً ومناضلاً بصورة الفدائي الجميل، حاملاً سلاح المحافظة على التراث الوطني، جاب الوطن بكل أرجائه، باحثاً عن كل ما له علاقة بالوطن، فكان متحفاً متجولاً ليعلم الناس الأصالة والانتماء، مشيراً إلى أن الحروب يودع بأمر الله وقضائه الدنيا تاركاً للأجيال رسالة الوطن الصادقة، فهو حق وحقيقة تاريخ لا ينسى، وخلود ذكراه العطرة للشرفاء شرف وللوطن مداد قلم في سفر التاريخ.
منوعات
الأحد 29 يونيو 2025 3:01 مساءً - بتوقيت القدس
إسحق الحروب.. حارس سرياليّ لذاكرةٍ تُحاك بالخيط والدمع
رام الله - "القدس" دوت كوم -جهاد القواسمي





شارك برأيك
إسحق الحروب.. حارس سرياليّ لذاكرةٍ تُحاك بالخيط والدمع