أقلام وأراء

الخميس 19 ديسمبر 2024 9:29 صباحًا - بتوقيت القدس

بين خطة الضم وتطبيق صفقة القرن هناك انقلاب هادئ

تساؤلات عديدة ظهرت لعامة الناس بعد التصريحات الإسرائيلية المتكررة حول نية وخطة ضم أراضي الضفة الغربية للحكم المدني في إسرائيل منها: ما مصير السكان؟ وما نوع الحكم بعد الضم؟ وهل سوف يتم منح السكان الإقامات الدائمة أو المؤقته؟ وغيرها من تساؤلات نحاول الإجابة عليها في هذا المقال:


إن ما يجري في أروقة السياسة الإسرائيلية، ومن تحت أعين الرادار إنما هي عملية متسارعة لتغيير جذري في الضفة الغربية في إطار بسط السيطرة على الضفة الغربية، مستغلين ما يحدث في المنطقة والشرق الأوسط عامة، وفي غزة تحديداً منذ شهر أكتوبر عام 2023.


خلال السنتين الأخيرتين، أي منذ أن تسلمت حكومة نتنياهو الخامسة والعشرين الحكم في إسرائيل، قامت هذه الحكومة بإنجاز سياسة متسارعة تهدف لضم الضفة الغربية (تنفيذ أحادي الجانب لخطة القرن) من خلال التأكيد على يهودية الدولة، وحلم الصهيونية الدينية، والعظمة اليهودية في الاستيطان في كل ذرة تراب من "أرض إسرائيل الكبرى"، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي نفس الوقت من ممارسة سياسة الضم والتوسع وتحقيق حلم صهيون ببسط السيطرة والسيادة الكاملة على الأرض المحتلة، هناك اضطهاد للحقوق الفلسطينية للسكان الذين يعيشون تحت تهديد إرهاب المستوطنين المدعومين من اليمين المتطرف، ووزراء متنفذين في حكومة نتنياهو الحالية، بل هم شركاء في التعدي على السكان والحريات في الضفة الغربية المحتلة.


عملية ضم الضفة الغربية هي عملية تحدث فعلاً على أرض الواقع من خلال وسائل وطرق متعددة نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر: التغييرات في البنية العسكرية (الحكم العسكري أو الإدارة المدنية) والتعديلات القضائية، وتخصيص الميزانيات، وتوسيع كبير للمستوطنات من خلال إقامة مكتب إدارة للاستيطان تابع للوزير سموتريتش في وزارة الحرب الاسرائيلية، ومن خلال اعتداءات المستوطنين المتكررة على السكان وممتلكاتهم، بدعم وحماية من الجيش، وتقاعس مباشر من الشرطة وبأوامر مكتوبة من وزير الأمن القومي بن غفير.


أحد أهم الوسائل التي اتبعتها الحكومة لتسريع عملية ضم الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية هي تحويل كامل صلاحيات في جميع مناحي الحياة المدنية في الضفة الغربية من سلطة الجيش لجهات ذات نفوذ سياسية.


عند تشكيل الحكومة الحالية، ومن ضمن الاتفاقات الائتلافية بين حزبي الليكود والصهيونية الدينية تم تعيين بتسلئيل سموتريتش وزيراً للمالية ووزيراً إضافياً في وزارة الحرب! وهذا يعني وزارة حرب داخل وزارة حرب أخرى، وتمت تسمية مكتب وزارة الحرب الجديد (مكتب إدارة الاستيطان)، وتم تعيين مدير للمكتب من المقربين من الوزير سموتريتش.


وعليه، فإن جميع الصلاحيات ذات الارتباط المتعلق في إدارة الحياة اليومية للفلسطينيين في مناطق الضفة الغربية المحتلة تم نقلها من الحاكم العسكري ليد الوزير سموتريتش، وتم تحويل مدير دائرة الاستيطان في وزارة الحرب للحاكم الفعلي للضفة الغربية، وعليه أصبحت لدى الأخير حرية العمل وإعطاء الأولويات الواضحة والصريحة والمعلنة لإنجاز مصالح الاستيطان.


ومن المهام التي تم تحويلها لمدير مكتب الاستيطان تتعلق بإدارة الأراضي في الضفة الغربية، والممتلكات والتخطيط والبناء وسلطة الآثار، وسلطة الطبيعة، وهيئة البيئة، ومكاتب إعادة تأهيل البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية وتحديداً مناطق  C.


من الجدير ذكره أيضاً أنه تم نقل جميع صلاحيات المستشار القانوني في شتى المجالات في الإدارة المدنية للمستشارين القانونيين التابعين لمدير مكتب الاستيطان، وهذا ما تسمى عملية "تمدين" كامل للسلطة العسكرية في الضفة الغربية، وإلحاقها بجهات سياسية بحتة تعمل على تنفيذ مخططات ورؤى توراتية دينية بحتة.


من المعلوم أن عملية نقل السلطات والصلاحيات في المناطق المحتلة من سلطة الجيش للسلطة المدنية السياسية تعنى عملية ضم واضحة، وهي تتعارض مع القانون الدولي الساري على المناطق المحتلة.

 

تعذيب وإرهاب المستوطنين:


لا يخفى على أحد أن هذه الطريقة القديمة الجديدة هي أهم عوامل وخطط الضم لأراضي الضفة الغربية. إن حجم الإرهاب اليهودي الذي يعاني منه السكان الفلسطينيون في الضفة الغربية هو كبير جداً، وهذا الأمر أصبح أكثر وضوحاً منذ تولي الحكومة الحالية مهامها، وأصبح أعضاء فتية التلال ممثلين في الحكومة من خلال أعضاء كنيست ووزراء ومستشارين قانونيين، بل أن بعض فتية التلال يشغل مناصب مهمة في الدوائر القانونية ومكتب إدارة الاستيطان.


لا شك، أنه بعد الحرب على غزة ازدادت وتيرة وحجم الاعتداءات على الفلسطينيين، وقد وصلت هذه الاعتداءات ذروتها في الأشهر الأولى للحرب. إن معظم اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين تحدث غالباً باستعمال السلاح الناري، وأحياناً ما تحظى هذه الاعتداءات بغطاء من الجيش أو من خلال لبس المستوطنين لباس الجيش خلال الاعتداءات، وكذلك تحظى هذه الاعتداءات بغض الطرف من قبل الشرطة عما يحدث وتقاعسها عن تلقي شكاوى الفلسطينيين، وإحباط محاولاتهم هذه تنفيذاً لأوامر مكتوبة من وزيرهم بن غفير الذي مارس في حياته العادية سياسة طمس الأدلة والبراهين على جرائمه.


سلسلة الاعتداءات من قبل عصابات المستوطنين على الفلسطينيين إنما هي سياسة ممنهجة، وتحديداً ضد سكان مناطق C التي يسعى الاحتلال للسيطرة عليها، وبسط سيادته على كل شبر فيها. اثبتت التجربة أن هذه السياسة هي الأسرع في تهجير الفلسطينيين وإخلاء المناطق محط الأطماع من السكان، وفي غياب أي دور للشرطة في حماية السكان يلجأ السكان مجبرين لترك أراضيهم علاوة على الأضرار الجسيمة التي تلحق بممتلكاتهم وموارد الحياة اليومية اللازمة لبقائهم، كالمراعي والمياة والمواشي والمزروعات.


وغالباً ما يعتدي المستوطنون على الأراضي الخاصة بالفلسطينيين في الضفة الغربية بوضع اليد عليها ووضع الأسيجة والأسوار الشائكة وبعض اللافتات عليها.


هذه الأعمال مدعومة من مجموعة كبيرة من محامين ومستشارين قانونيين في جمعيات متطرفة مثل جمعية "حننو" وجمعية "رجابيم" ممن يتسابقون على تقديم الاستشارات القانونية لهؤلاء المجرمين من أجل تمكينهم من الاستيلاء على الأراضي الخاصة بالفلسطينيين.


ازدادت كثيراً وتيرة الاعتداءات الاستيطانية على الأرض والنفس، بعد قرار يسرائيل كاتس وزير الحرب في حكومة نتنياهو إلغاء تطبيق السجن الإداري للمستوطنين، وهذا يعني إطلاق العنان لإرهاب المستوطنين الذين يحظون أصلا بدعم غير مسبوق من الجيش، بل أصبحوا بعد هذا القرار غير القانوني أكثر تجرؤاً على الجيش نفسه إذا ما حاول الأخير الحد من اعتداءاتهم.

 

منع حرية الحركة:


من الملاحظ أيضاً ومنذ الحرب على غزة نشرت قوات الجيش والشرطة الحواجز العسكرية وقطعت الطرق، وأغلقت المداخل والمخارج في معظم قرى الضفة الغربية، وحتى ضواحي القدس الشرقية، كما هو الحال في جبع وكفر عقب وحزما وعناتا ومخيم شعفاط وقلنديا ونحوها.


هدف هذه الحواجز تعطيل حركة الفلسطينيين على الطرقات الرئيسة، وشل حركة العمال، وهذا يعني تطويق بعض مناطق الضفة الغربية بالكامل، ومنع الدخول والخروج منها، إلا بمزاجية هذا الجندي أو ذاك!


 وهذا يعني إبقاء السكان تحت رحمة الإرهاب اليهودي للمستوطنين، دون تقديم أدنى أنواع الحماية للسكان، فمن يغلق الطرق الرئيسية، ويمنع تنقل الإسعافات والمرضى وإدخال الغذاء، ونقل المياه، لا تأمل منه إعطاءك بطاقة هوية، أو إقامة، أي كان نوعها خاصة، أن الحاكم الفعلي للضفة الغربية هو من فتية التلال، ومدير دائرة الاستيطان.

دلالات

شارك برأيك

بين خطة الضم وتطبيق صفقة القرن هناك انقلاب هادئ

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.