السلطة الوطنية الفلسطينية بين الانسلاخ عن المشروع التحرري وإعادة بناء المسار الوطني

مقدّمةٌ
تمرّ القضية الفلسطينيةُ في هذه المرحلةِ بظروفٍ بالغةِ الدقةِ، تتسمُ بتآكلِ المشروعِ الوطنيِّ وتراجعِ ثقةِ الشعبِ بمؤسساتهِ التمثيليةِ، على ضوءِ انسدادِ أفقِ التسويةِ السياسيةِ وفشلِ المسارِ التفاوضيِّ. وقد أفضى الانفصالُ عن الواقعِ، والتعاطي مع القضايا الوطنيةِ بروحٍ دبلوماسيةٍ متجاوزةٍ للحقائقِ الميدانيةِ، إلى أزمةِ اعترافٍ خطيرةٍ سلبت المشروعَ الوطنيَّ الفلسطينيَّ كثيرًا من حيويتِه وفاعليتِه.

التحولاتُ السياسيةُ في أعقابِ اتفاقِ أوسلو
رغم الخطأِ الاستراتيجيِّ الذي وقعت فيه إسرائيلُ حين اعترفت بمنظمةِ التحريرِ الفلسطينيةِ، إلا أنها بادرت سريعًا إلى تقليصِ آثارِ هذا الاعترافِ، عبرَ الضغطِ لاستبدالِ الوفدِ الفلسطينيِّ الأولِ بقيادةِ الدكتورِ حيدرِ عبدِ الشافي بوفدٍ آخرَ أكثرَ ليونةً. ونتيجةً لذلك، تحول الاعترافُ من كيانٍ وطنيٍّ جامعٍ إلى سلطةٍ إداريةٍ أمنيةٍ محدودةِ الوظائفِ، منزوعةِ الصلاحياتِ السياديةِ.

هذا التحولُ لم يكن مجردَ مسألةٍ شكليةٍ، بل استهدف جوهرَ المشروعِ الوطنيِّ الفلسطينيِّ، حيثُ جرى قصرُ دورِ السلطةِ الفلسطينيةِ على إدارةِ الشؤونِ اليوميةِ للسكانِ، في ظلِّ بقاءِ السيطرةِ الفعليةِ بيدِ الاحتلالِ الإسرائيليِّ، اقتصاديًا وأمنيًا وجغرافيًا.

أزمةُ الإصلاحِ وفقدانُ الثقةِ الشعبيةِ
في ظلِّ هذا الواقعِ، جاءت الإصلاحاتُ الإداريةُ والسياسيةُ المطلوبةُ متأخرةً، واستجابةً لضغوطِ الدولِ المانحةِ أكثر من تعبيرِها عن إرادةِ الشعبِ الفلسطينيِّ. ومن الأمثلةِ البارزةِ على ذلك، استحداثُ منصبِ نائبِ رئيسِ الوزراءِ دون استفتاءٍ شعبيٍّ، ودون تعديلٍ دستوريٍّ حقيقيٍّ ضمنَ منظمةِ التحريرِ الفلسطينيةِ، التي شهدت تراجعًا في تمثيلِها الشعبيِّ وتآكلًا في مشروعِها التحرريِّ.

وقد انعكسَ هذا التآكلُ في فقدانِ الثقةِ بمؤسساتِ المنظمةِ والسلطةِ معًا، مما أضعفَ القدرةَ على مواجهةِ التحدياتِ المتزايدةِ.

الواقعُ على الأرضِ: نهايةُ اتفاقِ أوسلو
في السنواتِ الأخيرةِ، انتهجت إسرائيلُ سياسةً ميدانيةً واضحةً تقومُ على تجاوزِ اتفاقِ إعلانِ المبادئِ (أوسلو)، عبرَ تنفيذِ عملياتِ الضمِّ التدريجيِّ للمناطقِ المصنفةِ (ج)، وتكثيفِ الهدمِ في مناطقِ (ب) و(أ). وهو ما يمثل انسلاخًا عمليًا عن الاتفاقاتِ السياسيةِ التي وُقعت، بما فيها اتفاقيةُ واشنطن عامَ ١٩٩٤، ويكشفُ عن تبني إسرائيلَ لنهجِ فرضِ الأمرِ الواقعِ بالقوةِ بدلًا من الالتزامِ بالحلولِ التفاوضيةِ.

رؤيةٌ لإعادةِ بناءِ المشروعِ الوطنيِّ
أمام هذا المشهدِ، تبرزُ ضرورةُ إعادةِ صياغةِ المشروعِ الوطنيِّ الفلسطينيِّ وفقَ رؤيةٍ شاملةٍ تقومُ على الأسسِ التاليةِ:

١. إعادةُ تعريفِ السلطةِ الوطنيةِ: بتحويلِ دورِها من إدارةٍ محليةٍ خاضعةٍ إلى رافعةٍ وطنيةٍ للمشروعِ التحرريِّ.

٢. استعادةُ دورِ منظمةِ التحريرِ الفلسطينيةِ: عبرَ إصلاحٍ ديمقراطيٍّ شاملٍ يُعيدُ الشرعيةَ لمؤسساتِها ويجدّدُ ثقةَ الشعبِ بها.

٣. الخروجُ من دائرةِ التسويةِ العقيمةِ: عبرَ بناءِ استراتيجيةِ مقاومةٍ شاملةٍ تجمعُ بينَ العملِ الشعبيِّ والدبلوماسيِّ والقانونيِّ، انطلاقًا من الحقوقِ الثابتةِ للشعبِ الفلسطينيِّ.

٤. تحقيقُ الاستقلالِ الاقتصاديِّ: من خلالِ تحريرِ القرارِ الاقتصاديِّ الوطنيِّ من الارتهانِ للمساعداتِ المشروطةِ أو الابتزازِ الماليِّ.

٥. اعتمادُ مشروعِ مقاومةٍ شعبيةٍ شاملةٍ: باعتبارهِ خيارًا استراتيجيًا لا بديلَ عنهُ في مواجهةِ الاحتلالِ والاستيطانِ.

خاتمةٌ
تؤكدُ التجربةُ الفلسطينيةُ أن التحررَ لا يُنتزعُ إلا بإرادةٍ شعبيةٍ واعيةٍ، وأنّ الرهانَ على الحلولِ المفروضةِ قد ثبت فشلُهُ. وعليهِ، فإن إعادةَ بناءِ المشروعِ الوطنيِّ الفلسطينيِّ، عبرَ إصلاحِ الأدواتِ التمثيليةِ، واستعادةِ جوهرِ المقاومةِ، وفكِّ التبعيةِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ، أصبحت ضرورةً وجوديةً لضمانِ بقاءِ القضيةِ حيّةً، وتمكينِ الشعبِ الفلسطينيِّ من تحقيقِ تطلعاتِه الوطنيةِ.

826 مشاهدة
0 تعليق
د. محمد محمود ياسين

بقلم

د. محمد محمود ياسين

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

السلطة الوطنية الفلسطينية بين الانسلاخ عن المشروع التحرري وإعادة بناء المسار الوطني