إلى التي غَزَلَتْ شمسَ حزيرانَ من خيوطِ قلبها، إلى أيقونةِ عمري، وسيدةِ نبضي، وملاذِ روحي، ووطني الأول والأخير… إلى أمي الغالية.
في مثل هذا اليوم، العاشر من حزيران، لم تكن ولادتكِ مجرد حدثٍ عابرٍ في رزنامة الأيام، ولا تاريخًا يمرّ كما تمرّ التواريخ على حافة الذاكرة؛ بل كانت ميلادًا للفرح، وانبثاقًا للنور، وافتتاحًا لفصلٍ من الرحمة في عالمٍ كان قبل حضوركِ أكثرَ وحشةً وأقلَّ دفئًا.
في مثل هذا اليوم، أشرقت امرأةٌ ليست كالنساء، وولدت روحٌ لا تشبه الأرواح، واتسع هذا الكون لقلبٍ صار فيما بعد بيتي، وستري، ودعائي، وطمأنينتي، وسرّ اتزاني في وجه عواصف الحياة.
أمي، كيف لأحرفي المحدودة أن تطال مقامكِ الممدود؟ وكيف لمدادي العاجز أن يرسم ملامح من صاغتني من دمها، وسقتني من روحها، وصقلتني بدعائها، وجعلتني سيد قلبها ووحيدها؟
كيف أكتب عنكِ واللغة، مهما بلغت من فصاحة، تقف عند بابكِ خجلى، كأنها طفلةٌ لا تحسن إلا الصمت أمام هيبة الحنان؟
ست الحبايب...أقف اليوم أمام يوم ميلادكِ لا ككاتبٍ يبحث عن عبارة، ولا كابنٍ يريد أن يقدّم تهنئةً عابرة، بل كقلبٍ يحاول أن يردّ بعضًا من دَينٍ لا يُردّ، وكروحٍ تعرف أن كل ما فيها من خيرٍ بدأ منكِ، وأن كل ما وصلتُ إليه كان بعد فضل الله ثم ببركة دعائكِ ورضاكِ ودموعكِ التي لم يرها أحد.
حين يسألني العالم عن نسبي، وعن جغرافيا انتمائي، وعن مسقط رأسي وملاذ روحي، وحين يقولون لي: ما وطنك الأول؟
فإنّني لا أشير إلى خارطة، ولا أفتش بين الحدود، ولا ألتفت إلى تضاريس الأرض وأسماء المدن والبلاد؛ بل أقف شامخًا بما يليق بالحب، وأقولها بملء القلب واليقين: رحم أمي هو وطني الأول وملاذيَ المقدس.
هناك، في ذلك الوطن الرحيم، بدأت حكايتي قبل أن أعرف الحروف، وسكنتُ قبل أن أعرف معنى السكن، وتشكّلت هويتي قبل أن تعرفني الأرض. هناك كنتُ أستمدّ الحياة من نبضاتكِ، وألتحف الطمأنينة في حماكِ، وأسمع أول موسيقى في الوجود: خفقان قلبكِ وهو يعلّمني أن الحياة تبدأ من الأم، وأن الأمان ليس مكانًا، بل هو حضن.
ومن ذلك الوطن الأول خرجتُ إلى الدنيا محمولًا بحبكِ، معافىً بدعائكِ، مكتوبًا في قلبكِ قبل أن أُكتب في سجلات البشر. ومنذ تلك اللحظة، وأنا أدرك أنني مهما كبرت، ومهما ابتعدت، ومهما عبرتُ من بلدانٍ ومدنٍ وطرقات، سأظلّ غريبًا في كل بقاع الأرض إلا بين يديكِ.
أمي، يا سرّ الخلق البديع، ويا فلسفة الحنان العميق، كلما نظرتُ إليكِ رأيتُ التضحية تتجسّد في امرأة، والرحمة تمشي على قدمين، والصبر يلبس ثوبًا من نور. أنتِ لستِ فقط من أنجبتني؛ أنتِ من منحتني المعنى قبل الاسم، والحنان قبل الكلام، والأمان قبل الوعي، والحب قبل أن أفهم ما هو الحب.
أنا ابنك، ووحيدك، ومعجزتك الصغيرة التي كبرت بفضلك. أنا نتاج سهركِ، وثمرة دموعكِ في جوف الليل، وصدى ضحكاتكِ التي تطرد عن كاهلي هموم الحياة. أنا بعض دعائكِ حين يصعد إلى السماء، وبعض خوفكِ حين يطول الغياب، وبعض فرحكِ حين ترينني بخير، وبعضُ دعائكِ الذي ظلّ جناحًا خفيًّا فوق أيامي، يحميني في البعد، ويعيد إلى روحي طمأنينة القرب مهما امتدّت أو بعدت المسافات.
دندونتي الغالية... كل شيءٍ في حياتي له بداية، إلا حبكِ. حبك الذي سبقني إلى الوجود، وكان ينتظرني قبل أن أولد، وظلّ يمشي معي في كل مرحلةٍ من عمري. أنتِ لستِ يومًا في الذاكرة، بل أنتِ الذاكرة كلّها. لستِ فصلًا في العمر، بل أنتِ العمر حين يصير رحمة. لستِ مناسبةً أحتفل بها، بل نعمةٌ أحمد الله عليها في السرّ والعلن. ولستِ شخصًا في حياتي، بل أنتِ الحياة حين تلبس ثوب الحنان.
كل عامٍ وأنتِ لأيامي ربيعها، ولأحلامي منارتها، ولقلبي نبضه الذي لا يهدأ. كل عامٍ وأنتِ تاج العمر، وسيدة القلب، ودفء الروح، وأول الأوطان وآخر الملاذات. كل عامٍ وأنتِ الدعاء الذي لا يغادر لساني، والنعمة التي لا تشبهها نعمة، والوطن الذي لا أهاجر منه أبدًا.
في يوم ميلادكِ، لا أملك أن أهديكِ ما يليق بكِ؛ فكل الهدايا تصغر أمام يدٍ سهرت، وقلب ارتعش، وعين بكت، وروح أعطت دون أن تنتظر. أهديكِ قلب ابنكِ الوحيد الذي يعرف فضلكِ، وأهديكِ لسانًا لا يملّ الدعاء لكِ، وروحًا ترى في رضاكِ بركة العمر وسرّ السكينة.
اللهم يا واسع الرحمة، يا لطيفًا بعباده، يا من جعلتَ الجنة تحت أقدام الأمهات، احفظ أمي بعينك التي لا تنام، وألبسها ثوب الصحة والعافية، وبارك في عمرها، واملأ قلبها طمأنينةً لا تزول، وفرحًا لا ينقطع، وراحةً لا يعقبها تعب. اللهم اجعل أيامها نورًا، وصباحاتها بشرى، ولياليها سكينة، وارزقها من الخير فوق ما تتمنى، واصرف عنها كل وجعٍ وهمٍّ وحزن.
يا رب، كما كانت لي وطنًا قبل الوطن، وسكنًا قبل السكن، وحنانًا قبل أن أعرف معنى الحنان، فكن لها عونًا وسترًا وحفظًا ورحمة. اللهم اجعلني بارًّا بها ما حييت، واجعل رضاها بابًا من أبواب رضاك، ولا تحرمني دعاءها، ولا تحرمها فرحًا تراه فيّ، ولا تجعل في قلبها حزنًا عليّ ولا مني.
وإذا ما عجز النثر عن مداكِ يا أمي، فإن الشعر يجثو تحت قدميكِ مرتلًا:
أحنُّ إلى الكأس التي شربتْ بها...وأهوى لمثواها الترابَ وما ضمّا
أمي، يا قيثارة الوجود، ويا ترتيلة الحزيران الأبدي، كل عامٍ وأنتِ بخيرٍ لا يشبه خير الناس، وبفرحٍ لا يقاس بموازين الأرض، وبعمرٍ مديدٍ تظلّلين فيه قلبي كما تظلّل الغيمة أرضًا عطشى.
كل عامٍ وأنتِ أمي، وهذا وحده يكفيني فخرًا ونعمةً ووطنًا.





شارك برأيك
في يوم ميلادكِ يا ست الحبايب...