فلاتر الوجوه... حبٌّ في الجمال.. أم إمعانٌ في التزوير

آهٍ على زمنٍ كان فيه الرجل إذا أراد الزواج يسأل عن الأصل والفصل، والدين والخُلق، والبيت والتربية. أمّا اليوم، فقد أضحينا أمام مرحلة جديدة من مراحل التطور البشري، أو بالأحرى “التدهور التقني العاطفي”، حيث صار بعض الشباب يقول لك بكل براءة: “أريد عروسًا طبيعية، وليست نسخة تجريبية من تطبيق تجميل”.

والحقيقة أنَّ الجملة، رغم قسوتها وسخريتها، تفتح بابًا واسعًا للكلام عن زمنٍ اختلطت فيه الوجوه بالفلاتر، والملامح بالإعلانات، والجمال بالعمليات. زمن صار فيه الإنسان يدخل إلى الصورة إنسانًا عاديًا، ويخرج منها كأنه عائد من مؤتمر دولي للفوتوشوب، أو من ورشة ترميم آثار مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لم تعد المشكلة في الكحل، ولا في أحمر الشفاه، ولا في تسريحة الشعر، ولا في لمسة تجميل بسيطة؛ فالجمال منذ خلق الله الأرض له زينته، كما أنَّ الناس تحب دائمًا أن تظهر بأبهى صورة. لكنَّ المشكلة حين يتحول الجمال من زينة إلى هندسة معمارية، ومن ترتيب إلى إعادة إعمار، ومن لمسة لطيفة إلى مشروع بنية تحتية كامل يحتاج إلى استشاري ومقاول ومخططات تنفيذية.

اليوم، قد يرى الشاب صورة فتاة على وسائل التواصل، فيظن أنه أمام جمالٍ طبيعي هادئ، فإذا بالصورة تحمل من التعديلات ما لو عُرضت على مهندس إنشائي لطلب تقرير سلامة. خدود منفوخة، وشفاه تحتاج إلى تصريح بناء، وحواجب مرفوعة وكأنها في حالة استنفار، ورموش تمتد كأنها مظلات موسمية، وشعر مستعار أو ممدد أو مزروع أو مستورد من قارة أخرى، وفلاتر تنعّم البشرة حتى يصبح الوجه بلا تاريخ ولا ذاكرة ولا مسامات. ثم يأتي المسكين ليرى الواقع، فيكتشف أن الصورة كانت “عرضًا تقديميًا”، لا المنتج النهائي.

لكن وللإنصاف، وقبل أن تقوم علينا محكمة الجمال العليا، فإنَّ القضية ليست قضية نساء فقط، فالرجال أيضًا دخلوا السوق بكل قوة؛ هذا يضع صورة قديمة قبل الكرش بعشر سنوات، وذاك يستخدم فلترًا يجعله يبدو كأنه خارج من مسلسل تركي، وثالث يصور نفسه من زاوية لو صُوّر منها برج مائل لظهر مستقيمًا، ورابع يكتب في خانة الاهتمامات: “رياضة وسفر وقراءة”، وهو آخر عهده بالرياضة حين كان يركض خلف بائع الكنافة قبل أن يغلق المحل.

إنَّ المصيبة اليوم أننا أصبحنا نعيش في سوقٍ كبير من التغليف. كل شيء مغلف: الوجوه، والمشاعر، والعلاقات، حتى الحزن صار له فلتر، والضحكة صارت تحتاج إلى تعديل. فالناس تضع أجمل صورة، وأجمل عبارة، وأجمل لحظة، ثم يظن المشاهد أن هذه هي الحياة. ثم يأتي الزواج المسكين، فيُطلب منه أن يكون صادقًا في زمنٍ كل شيء فيه قابل للتعديل. كيف نريد علاقة حقيقية بين شخصين لم يتصالحا أصلًا مع وجهيهما الحقيقيين؟ وكيف نطلب بيتًا قائمًا على الوضوح ونحن نبدأ الطريق بصورة قديمة، وفلتر جديد، وانطباع غير دقيق؟ كيف نبحث عن “نصيب” ونحن نرسل للحياة نسخةً تجريبية لا تشبهنا إلا بنسبة أربعين بالمئة، والباقي من إنتاج الذكاء الاصطناعي والصالون والإضاءة؟

إنّ المشكلة ليست في التجمّل، بل في التزوير. وليست في العناية، بل في الهوس. وليست في أن تحب المرأة أن تظهر جميلة، أو أن يحب الرجل أن يظهر مرتبًا، فهذا حقٌ طبيعي. إنّ المشكلة الجوهرية تكمن حين يصبح الإنسان مشروع تمويه، وحين يحتاج الطرف الآخر إلى لجنة كشف فني قبل الخطبة، وإلى خبير صور قبل الرؤية الشرعية، وإلى تطبيق إزالة فلاتر قبل اتخاذ القرار.

وسنصل قريبًا إلى مرحلة جديدة في عقود الزواج، يكتبون فيها بعد المهر والمؤخر:
“يشهد الطرفان أن الصور المتبادلة قبل الخطبة غير ملزمة قانونيًا، وأن كل فلتر استُخدم لأغراض تسويقية لا يُعتدّ به عند المعاينة الواقعية.”

ومع ذلك، ووسط كل هذه المسخرة، هناك حقيقة جادة، وهي أنَّ الناس لا تبحث في الزواج عن وجهٍ مثالي بقدر ما تبحث عن أمان، ولا تبحث عن صورة فاخرة، بل عن روحٍ صادقة، ولا تبحث عن شريك يشبه الإعلانات، بل عن إنسان إذا ضاقت الدنيا كان سندًا، وإذا كبرت الملامح بقي الود صغيرًا وطازجًا في القلب.

الجمال يذبل، والفلاتر تُحذف، والمكياج يُغسل، والعضلات تترهل، والصور القديمة تنكشف، لكن الأخلاق إذا كانت أصيلة بقيت، والصدق إذا دخل بيتًا جعله أوسع من مساحته، والرحمة إذا سكنت بين زوجين جعلت الوجه العادي أجمل من ألف وجهٍ معدل.

وفي النهاية، لا بأس أن يتجمّل الناس، فالجمال نعمة، والزينة ذوق، والعناية بالنفس احترام. لكنّ المصيبة أن يتحول الإنسان إلى نسخة لا تُشبهه، ثم يغضب حين لا يُحَبّ على حقيقته.
فالزواج لا يحتاج إلى ذكاء اصطناعي، بل إلى صدق طبيعي،
ولا يحتاج إلى فلاتر كثيرة، بل إلى قلوبٍ واضحة،
ولا يحتاج إلى وجهٍ بلا عيوب، بل إلى روحٍ لا تخدع.

أما من يبحث عن عروس، فنصيحتي له أن يبدأ بنفسه أولًا: لا تكن أنت أيضًا نسخة تجريبية من الرجولة، ولا صورةً معدّلة من المسؤولية، ولا رجلًا بفلتر أخلاق.

فالبيوت لا تُبنى بالفلاتر… بل تُبنى بالصدق، والستر، والرحمة، وخفة دمٍ تعرف متى تضحك، ومتى تقول: “خلص، طفي الفلتر وخلينا نحكي بجد.”

مجتمع
16 مشاهدة
0 تعليق
م. عطا عبوشي

بقلم

م. عطا عبوشي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

فلاتر الوجوه... حبٌّ في الجمال.. أم إمعانٌ في التزوير