اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية
البند الحقوقي الذي يجب تفعيله
في مقدمة هذه الحملة قلنا إن المعركة لم تعد معركة بيان احتجاجي أو موقف أخلاقي عابر، بل معركة تحويل القانون الأوروبي من نصوص معلقة إلى أدوات مساءلة فعلية. ومن هنا تبدأ الحلقة الأولى من نقطة الأساس، اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، وهي الاتفاقية الأم التي تقوم عليها شبكة واسعة من الامتيازات التي تتمتع بها إسرائيل داخل الفضاء الأوروبي.
هذه الاتفاقية ليست تفصيلاً فنياً في أرشيف العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي، بل هي الإطار القانوني الذي فتح الباب أمام علاقة سياسية واقتصادية وتجارية ومؤسسية متقدمة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ومن خلالها تشكلت منظومة تعاون تمتد إلى التجارة والجمارك والزراعة والحوار السياسي واللجان المشتركة وقواعد العلاقات الاقتصادية بين الطرفين. ولذلك، فإن الحديث عن مراجعة امتيازات إسرائيل داخل أوروبا لا يمكن أن يبدأ من الأطراف، بل يجب أن يبدأ من هذه الاتفاقية تحديداً، لأنها الأصل الذي تفرعت عنه معظم الامتيازات.
غير أن أهمية هذه الاتفاقية لا تكمن فقط في ما تمنحه من مزايا، بل في ما تشترطه من التزامات. فالمدخل الحقيقي إلى مساءلة إسرائيل أوروبياً يبدأ من المادة الثانية من اتفاقية الشراكة، وهي المادة التي يجب ألا تبقى نائمة في النصوص. هذه المادة تنص على أن العلاقة بين الطرفين تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، وأن ذلك يشكل عنصراً أساسياً في الاتفاقية. ومعنى هذا النص واضح وهو ان الشراكة ليست منحة مجانية، والامتيازات ليست منفصلة عن السلوك السياسي والقانوني للدولة المستفيدة منها. فإذا كان احترام حقوق الإنسان عنصراً أساسياً في الاتفاقية، فإن انتهاكه لا يمكن أن يمر بلا أثر.
هنا تكمن أهمية هذه الحملة. نحن لا نطالب أوروبا باختراع قانون جديد، ولا نطلب منها أن تتصرف خارج مؤسساتها، بل نطالبها فقط بأن تطبق ما كتبته بيدها، وأن تحوّل المادة الثانية من عبارة دبلوماسية إلى أداة مساءلة. ففي القانون، الكلمات ليست للزينة. وعندما تقول اتفاقية دولية إن احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية هو عنصر أساسي، فهذا يعني أن هذا الشرط يدخل في صميم الرضا القانوني والسياسي الذي قامت عليه العلاقة. أي أن الطرف الأوروبي لم يمنح إسرائيل امتيازات تجارية وسياسية وتنظيمية بمعزل عن هذا الالتزام، بل على أساسه.
ولهذا، عندما تستمر حكومة الاحتلال في اضطهاد الشعب الفلسطيني المحتل، وتقييد حريته، وتوسيع منظومة السيطرة عليه، وخرق قواعد القانون الدولي الإنساني، يصبح السؤال الأوروبي واجباً لا اختيارياً: هل لا تزال إسرائيل تحترم العنصر الأساسي الذي قامت عليه الاتفاقية؟ وإذا كان الجواب لا، فلا يكفي إصدار بيان قلق، ولا تكفي لغة الأسف، ولا يجوز أن تستمر الاجتماعات والامتيازات كأن شيئاً لم يحدث. يجب الانتقال إلى المراجعة الرسمية، ثم الإنذار، ثم اتخاذ تدابير مناسبة قد تشمل التعليق الجزئي أو تقييد بعض الامتيازات.
ولا تقف اتفاقية الشراكة عند المادة الثانية فقط، فهي تتضمن أيضاً آلية تسمح باتخاذ تدابير مناسبة إذا أخل أحد الطرفين بالتزاماته. وهنا تظهر أهمية المادة 79، لأنها تفتح الطريق القانوني أمام الاتحاد الأوروبي للانتقال من التوصيف إلى الفعل. فإذا ثبت أن إسرائيل أخلت بالالتزامات الجوهرية المرتبطة بحقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يطرح المسألة داخل الإطار المؤسسي للاتفاقية، وأن يطلب التشاور، وأن يوجه إنذاراً سياسياً وقانونياً، ثم أن يعتمد تدابير مناسبة إذا لم يتغير السلوك.
والتدابير المناسبة لا تعني بالضرورة الإلغاء الكامل منذ اليوم الأول. فالقوة الحقيقية في هذه الحملة تقوم على التدرج. يمكن أن تبدأ الإجراءات بتعليق اجتماعات سياسية، أو تجميد بعض أشكال التعاون، أو وقف امتيازات قطاعية، أو تقييد مشاركة مؤسسات معينة في برامج أوروبية، أو تشديد قواعد المنشأ، أو وقف أي ميزة مرتبطة بالمستوطنات. عندها يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يقول لحكومة الاحتلال بوضوح ان أمامكم التزامات واضحة، وإذا استمرت الانتهاكات، فإن الامتيازات ستتراجع مرحلة بعد مرحلة.
لكن لكي تكون الحملة جدية، يجب ألا نكتفي بالهتاف العام. يجب أن نعرف أين يذهب الضغط ومن يملك القرار. فالقرار داخل الاتحاد الأوروبي لا يصدر من البرلمان وحده، ولا من المفوضية وحدها، ولا من دولة واحدة بمفردها. هناك مسار مؤسسي معقد يجب التعامل معه بذكاء. المفوضية الأوروبية والممثل الأعلى للسياسة الخارجية يستطيعان الدفع باتجاه المراجعة وتقديم مقترحات. مجلس الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل حكومات الدول الأعضاء، يملك الدور الحاسم في كثير من قرارات الاتفاقيات الدولية. أما البرلمان الأوروبي، فرغم أنه لا يستطيع وحده تعليق الاتفاقية، إلا أنه يملك قوة سياسية ورقابية كبيرة، فهو يستطيع أن يصدر قرارات، ويوجه أسئلة، ويعقد جلسات استماع، ويضغط على المفوضية والمجلس، ويرفض أو يعطل مسارات مستقبلية تحتاج إلى موافقته.
أما الإطار الإجرائي العام فهو المادة 218 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، وهي المادة التي تنظم كيفية تفاوض الاتحاد على الاتفاقيات الدولية، وإبرامها، وتحديد مواقفه داخل الهيئات المشتركة، والتعامل مع تطبيقها وتعليقها. وهذا يعني أن الضغط يجب أن يكون موجهاً إلى أربع جهات في الوقت نفسه وهم المفوضية، ومجلس الاتحاد، والبرلمان الأوروبي، والحكومات الوطنية التي تصوت داخل المجلس.
صحيح أن كثيراً من القرارات التنفيذية المتعلقة بالتعليق أو التقييد تمر عبر المجلس أو المفوضية، لكن هذا لا يقلل من أهمية البرلمان الأوروبي. بالعكس، البرلمان هو ساحة المواجهة السياسية والعلنية. داخله يمكن تحويل الملف من قضية مؤجلة إلى فضيحة سياسية، وداخله يمكن مطالبة كل نائب أوروبي بأن يعلن موقفه , هل يؤيد تفعيل المادة الثانية، أم يحمي الامتيازات القائمة؟ هل طالب بالمراجعة؟ هل دعم التعليق؟ هل سأل المفوضية عن تمويل المؤسسات الإسرائيلية؟ هل ضغط لتجميد التعاون الأمني؟ هل دافع عن منع منتجات المستوطنات من الاستفادة من الامتيازات الأوروبية؟ أم اكتفى بالصمت؟
الصمت هنا ليس حياداً. الصمت يعني ترك الاتفاقية تعمل كأن شيئاً لم يحدث.
لذلك، يجب أن يصبح المطلب الأول في هذه المرحلة واضحاً ومحدداً وهو فتح مراجعة رسمية وشاملة لمدى احترام إسرائيل للمادة الثانية من اتفاقية الشراكة. لكن المراجعة لا يجوز أن تتحول إلى مقبرة سياسية للملف. يجب أن تكون مرتبطة بجدول زمني ونتائج عملية. فإذا ثبت وجود إخلال، يجب أن ينتقل الاتحاد الأوروبي إلى مرحلة ثانية، هي الإنذار السياسي والقانوني. وإذا استمرت الانتهاكات، يجب اعتماد تدابير مناسبة. وإذا لم تنجح التدابير الجزئية، يجب الانتقال إلى تعليق أوسع أو عدم تجديد أو إلغاء.
هذا هو السلم الذي نقترحه وهو مراجعة رسمية للمادة الثانية، ثم جلسة مساءلة داخل البرلمان الأوروبي، ثم إحالة الملف إلى مجلس الشراكة الأوروبي الإسرائيلي، ثم إنذار سياسي وقانوني واضح، ثم تعليق اجتماعات التعاون السياسي، ثم تعليق بعض الامتيازات القطاعية، ثم تشديد قواعد المنشأ والجمارك، ثم تقييد التمويل العلمي والتعاون الأمني، ثم مراجعة الإعفاء من التأشيرة على أساس المعاملة بالمثل، وصولاً إلى تعليق أوسع أو إنهاء إذا استمرت الانتهاكات.
وعلى كل نائب في البرلمان الأوروبي أن يسمع هذه الرسالة بوضوح حيث اننا لا نطلب منك موقفاً رمزياً، بل نطلب منك أن تستخدم صلاحياتك الرقابية والسياسية للدفاع عن القانون الأوروبي نفسه. إذا كانت المادة الثانية بلا أثر، فإن كل خطاب الاتحاد الأوروبي عن حقوق الإنسان يصبح بلا معنى. وإذا بقيت اتفاقية الشراكة تعمل بصورة طبيعية بينما تستمر الانتهاكات، فإن المشكلة لا تكون في النصوص، بل في الإرادة السياسية التي ترفض تفعيلها. والمطلوب من النائب الأوروبي أن يدعم مراجعة الاتفاقية، وأن يطالب المفوضية بتقرير علني، وأن يسأل المجلس عن التدابير الممكنة، وأن يضغط من أجل تعليق الامتيازات، وأن يربط أي تعاون مستقبلي باحترام الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني المحتل.
أما الناخب الأوروبي، فيجب أن يعرف أن هذه ليست قضية خارجية بعيدة. الاتفاقيات تعمل باسمه، والأسواق تفتح باسمه، والأموال تصرف من ميزانيات عامة باسمه، والقرارات تتخذ عبر مؤسسات تمثله. لذلك يحق له أن يسأل مرشحه ونائبه وحكومته, هل تقبلون أن تستمر امتيازات إسرائيل الأوروبية بلا مساءلة؟ هل تقبلون أن تتحول المادة الثانية إلى جملة مهملة؟ هل تقبلون أن تستخدم أموالكم وأسواقكم وجامعاتكم في علاقة غير مشروطة مع حكومة احتلال؟ هل ستصوتون للمراجعة والتعليق، أم ستصمتون؟
اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية هي نقطة البداية، والمادة الثانية هي مفتاح الضغط، والمادة 79 هي طريق التدابير، والمادة 218 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي هي المسار الإجرائي داخل مؤسسات الاتحاد. من هنا يجب أن تبدأ الحملة، لا من الغضب وحده، بل من تحويل الغضب إلى مطلب قانوني، ولا من الإدانة وحدها، بل من تحويل الإدانة إلى تصويت وضغط ومراجعة وتعليق.
الرسالة واضحة, إذا كانت الشراكة مشروطة بحقوق الإنسان، فإن استمرار الانتهاكات يجب أن يعلّق الامتيازات. وإذا كانت أوروبا تريد أن تحافظ على صدقية قانونها، فعليها أن تثبت أن المادة الثانية ليست حبراً على ورق.
لا امتيازات بلا مساءلة.
لا شراكة بلا حقوق.
لا اتفاقية فوق القانون.
يتبع ...





شارك برأيك
اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية