الفشل الاستراتيجي وتداعياته على مستقبل الحكم في إسرائيل

الفشل الاستراتيجي وتداعياته على مستقبل الحكم في إسرائيل

يمكن النظر إلى الغضب المتصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي تجاه بنيامين نتنياهو بوصفه نتيجة مباشرة لتراكم الإخفاقات التي مُني بها المشروع الذي قاده منذ سنوات تحت شعار "الحسم" و"استعادة الردع"، فبعد الحرب على إيران التي لم تحقق أهدافها المعلنة، وبعد المواجهة مع حزب الله التي انتهت دون القضاء على قدراته أو فرض واقع سياسي جديد في لبنان، ثم بعد الحرب الطويلة على غزة التي فشلت في القضاء على المقاومة أو تحرير الأسرى بالقوة أو فرض التهجير الجماعي الذي كان يُنظر إليه كأحد الأهداف غير المعلنة للحرب، وجد نتنياهو نفسه أمام جمهور يشعر بأن التضحيات الهائلة التي قُدمت لم تترجم إلى انتصار واضح.
غير أن هذا الغضب لا ينبغي تفسيره باعتباره تحولاً أخلاقياً أو مراجعة للسياسات العدوانية، فجزء كبير من الانتقادات الموجهة لنتنياهو داخل الشارع الإسرائيلي لا ينطلق من رفض الحروب أو الاعتراض على المجازر التي ارتُكبت بحق الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين، بل من اعتقاد بأن هذه الحروب لم تكن كافية لتحقيق النصر الكامل، ولذلك فإن كثيراً من خصومه لا يطالبون بإنهاء الحروب بقدر ما يطالبون بقيادة أكثر قدرة على إدارتها وتحقيق نتائج أكثر قسوة وحسماً.
وفي عام انتخابي حساس، قد يتحول هذا الإحباط إلى عقاب سياسي يهدد مستقبل نتنياهو ويقوده إلى السقوط من المشهد الذي هيمن عليه لعقود، لكن المفارقة أن سقوطه المحتمل لا يعني بالضرورة صعود تيار سلام أو اعتدال، بل قد يفتح الباب أمام قوى أكثر تطرفاً تسعى إلى استعادة ما تعتبره "هيبة إسرائيل" عبر المزيد من التصعيد والحروب، فالمجتمع الإسرائيلي الذي انزاح بصورة متسارعة نحو اليمين القومي والديني خلال العقود الأخيرة لا يزال يحمل في قطاع واسع منه نزعات انتقامية وفاشية تغذيها عقيدة القوة وتبرر استخدام العنف المفرط ضد المدنيين .
ومن هنا فإن الأزمة الحقيقية لا تكمن في شخص نتنياهو وحده، بل في البيئة السياسية والفكرية التي أنتجته وأبقت عليه كل هذه السنوات، فالرجل قد يرحل تحت ضغط الفشل، لكن العقلية التي ترى في الحرب حلاً دائماً وفي القوة وسيلة وحيدة لفرض الإرادة ما زالت راسخة في بنية المجتمع والسياسة في إسرائيل، ولذلك قد يكون ما بعد نتنياهو أكثر خطورة من نتنياهو نفسه، إذا جاء البديل محملاً برغبة أكبر في الانتقام وأكثر استعداداً لإشعال المنطقة بحثاً عن نصر عجزت الحروب السابقة عن تحقيقه.
لا يبدو أن السؤال المطروح اليوم في إسرائيل هو لماذا فشلت هذه الحروب، بل لماذا لم تكن أكثر وحشية، فبينما تتساقط أوهام النصر الواحد تلو الآخر، لا تتجه قطاعات واسعة من المجتمع نحو مراجعة الذات، بل نحو البحث عن قائد جديد يعدها بدماء أكثر ونيران أكبر، ولهذا فإن أزمة نتنياهو ليست أزمة رجل خسر رهانه السياسي، بل أزمة مشروع كامل اصطدم بحدود القوة بعد أن اعتقد طويلاً أنها قادرة على كسر إرادة الشعوب وإعادة رسم الخرائط، وإذا كان نتنياهو قد أصبح عنواناً للفشل في نظر كثير من الإسرائيليين، فإن ما يقلق المنطقة حقاً هو أن البديل الذي ينتظرونه قد لا يكون أقل تطرفاً، بل أكثر تعطشاً للانتقام وأكثر استعداداً لدفع المنطقة نحو جولات جديدة من الخراب، في مجتمع لم يتعلم من الحروب سوى الرغبة في خوض حرب أخرى.
فعندما تفشل الحروب في تحقيق أهدافها، تتجه الأمم الحية إلى مراجعة خياراتها، أما حين تتحول الهزيمة إلى دافع للمطالبة بمزيد من العنف، فذلك مؤشر على أزمة أعمق من أزمة قيادة أو حكومة ، في إسرائيل اليوم يتراجع بريق نتنياهو، لكن الفكرة التي أوصلته إلى السلطة ما زالت حية؛ فكرة تؤمن بأن القوة تصنع الحق وأن الكثير من الدم يفتح الطريق إلى المستقبل، لذلك قد يغادر نتنياهو المشهد، لكن السؤال الأخطر سيبقى معلقاً: ماذا يحدث عندما يعاقب مجتمعٌ الفشل ليس لأنه بسبب إشعال الحروب، بل لأنها لم تحقق منها ما يكفي من دمار ودماء اكثر ؟

20 مشاهدة
0 تعليق
اسماعيل جمعه الريماوي

بقلم

اسماعيل جمعه الريماوي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

الفشل الاستراتيجي وتداعياته على مستقبل الحكم في إسرائيل