حين غاب الحارس ... فقد الاحتلال خوفه

حين غاب الحارس ... فقد الاحتلال خوفه

في نابلس، المدينة التي كانت يوماً عنواناً للكرامة الوطنية وعاصمةً للمقاومة في شمال الضفة الغربية، تتكرر اليوم مشاهد لم يكن كثيرون يتخيلون رؤيتها قبل سنوات قليلة، جنود الاحتلال يتجولون في أزقة البلدة القديمة التي كانت فيما مضى ساحة اشتباك دائم، ويدخلون الأحياء التي كانوا يحسبون ألف حساب لدخولها، بعدما كانت البنادق الفلسطينية تجعل من كل اقتحام معركة ومن كل شارع كميناً محتملاً.
اليوم تبدو الصورة مختلفة وتتكرر مرارا ، جنود الاحتلال يسيرون في الأسواق وبين الناس، يعربدون ويعتدون على المارة، ويتصرفون كما لو أنهم أصحاب المكان، يجلسون في المقاهي في مشهد استفزازي مقصود، يأكلون الكنافة التي تشتهر بها المدينة، ويدخنون الأرجيلة في شوارعها القديمة، بينما يراقب الأهالي هذه المشاهد بمرارة وحسرة على واقع لم يكن ممكناً قبل سنوات.
لا يحنّ الناس إلى أيام المواجهة حباً بالحرب، بل لأنهم يتذكرون زمناً كان فيه للاحتلال ثمن، كان هناك من يدافع عن المدينة ويجعل الجنود يفكرون ملياً قبل الدخول إلى أحيائها، كانت المقاومة، بكل أشكالها، تشكل حالة ردع حقيقية تحفظ للناس شيئاً من الكرامة وتمنع الاحتلال من التصرف كقوة مطلقة لا تواجه أي تحدٍ.
ولهذا يتردد السؤال في الشارع : كيف وصلت الأمور إلى هنا؟ ومن المسؤول عن هذا التحول الخطير؟ صحيح أن الاحتلال هو العدو الأول والمسؤول المباشر عن كل ما يجري من قمع واستيطان وعدوان، لكن كثيرين يرون أن المسؤولية لا تقع عليه وحده، فهناك من هم من أبناء جلدتنا ممن شارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنهاء حالة المقاومة التي كانت تشكل سداً أمام تغول الاحتلال والمستوطنين.
ما يحدث في نابلس ليس حالة استثنائية، بل هو انعكاس لما تشهده الضفة الغربية بأكملها، فالمستوطنون باتوا يفرضون وقائع جديدة على الأرض، يسيطرون على الطرق والجبال والحقول، ويقيمون الحواجز ويغلقون المسارات ويعتدون على القرى والبلدات، أما الجنود الذين يفترض أنهم يمثلون سلطة الدولة المحتلة، فقد أصبحوا في كثير من الأحيان مجرد قوة حماية للمستوطنين، ينفذون رغباتهم ويوفرون لهم الغطاء الكامل للاستيلاء على الأرض وتهجير أصحابها.
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط تمدد الاستيطان أو ازدياد الاقتحامات، بل شعور الاحتلال بأنه لم يعد يواجه كلفة حقيقية لأفعاله، وان هناك من يساعده ، فحين يغيب الردع، يتمادى المحتل، وحين تتراجع المقاومة، يزداد الاستيطان، وحين يشعر المستوطن بأنه صاحب القرار، تتحول حياة الفلسطيني إلى سلسلة لا تنتهي من الإذلال اليومي.
نابلس اليوم ليست مجرد مدينة تشهد اقتحامات متكررة، بل مرآة تعكس حال الضفة الغربية كلها، وما يراه الناس من جنود يجلسون في المقاهي ويتجولون في الأسواق ليس مجرد استعراض قوة ، بل رسالة سياسية تقول إن الاحتلال يشعر بأنه انتصر في معركة السيطرة على الفضاء العام الفلسطيني، امام التواطؤ والضعف والتراجع، لكن المدن التي أنجبت المقاومين قادرة دائماً على استعادة روحها مهما طال الزمن ومهما بلغت قسوة الظروف.
قد نكون امام شهادة قاسية على حجم التحولات التي أصابت الواقع الفلسطيني، فهذه الشوارع نفسها كانت يوماً مسرحاً لرجال آمنوا أن الحرية تستحق التضحية، وأن المحتل لا يمكن أن يشعر بالأمان فوق أرض اغتصبها بالقوة، واليوم، بينما يتجول الجنود بثقة المستعمر ويعربد المستوطنون تحت حماية السلاح، يطرح التاريخ سؤاله المؤلم على الجميع: كيف وصلنا إلى هنا؟
لقد أثبتت التجارب أن الاحتلال لا يحترم إلا من يفرض عليه كلفة احتلاله، وأن الأرض التي يغيب عنها الردع تتحول إلى ساحة مفتوحة للهيمنة والاستيطان والإذلال، وما يراه الفلسطينيون اليوم في نابلس وجنين والخليل وطولكرم وسائر مدن الضفة ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مسار طويل انتهى إلى تفكيك عناصر القوة وترك الناس في مواجهة مشروع استعماري لا يشبع من الأرض ولا يتوقف عند حد.
لكن رغم كل ذلك، تبقى حقيقة واحدة راسخة لا يستطيع الاحتلال ولا مستوطنوه محوها: أن الشعوب قد تُهزم او تنهك في جولة، وقد تُثقلها الجراح، وقد تمر عليها سنوات من الانكسار، لكنها لا تموت، وستبقى نابلس، كما كانت دائماً، مدينة تحفظ ذاكرة المقاومين وتروي حكاياتهم للأجيال، لأن المدن التي أنجبت من دافعوا عنها بالدم لا يمكن أن تتصالح طويلاً مع مشهد المحتل وهو يضع قدماً على قدم فوق أرضها، وكأنها أصبحت بلا أصحاب.

35 مشاهدة
0 تعليق
اسماعيل جمعه الريماوي

بقلم

اسماعيل جمعه الريماوي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

حين غاب الحارس ... فقد الاحتلال خوفه