حين يكتشف اليمنيون أن التغيير لا يُستورد

في السياسة، كما في التاريخ، كثيرًا ما تبدو الأحداث أكبر من حقيقتها، وتبدو بعض الشخصيات أقوى مما هي عليه في الواقع. لكن الزمن يكشف دائمًا حقيقة بسيطة: لا أحد يستطيع أن يصنع وطنًا من الخارج، ولا أحد يستطيع أن يفرض مستقبلًا على شعب لا يؤمن به.

خلال السنوات الماضية، برز المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه أحد أبرز الفاعلين في المشهد اليمني، وارتبط اسمه بمشروع استعادة الدولة الجنوبية. وبغض النظر عن الموقف من هذا المشروع، فإن القضية الأهم ليست في الشعارات المرفوعة، بل في السؤال الذي يسبقها جميعًا: من أين يستمد أي مشروع سياسي شرعيته وقوته؟

لا يمكن إنكار أن القضية الجنوبية نشأت على أرضية من المظالم السياسية والإدارية والاقتصادية التي تراكمت عبر عقود، وأن كثيرًا من أبناء الجنوب حملوا شعورًا حقيقيًا بالتهميش والإقصاء. وهذه حقيقة لا يجوز إنكارها أو التقليل من شأنها. لكن الاعتراف بالمظالم شيء، والتسليم لأي قيادة تدّعي تمثيلها شيء آخر.

فالمشاريع السياسية لا تُقاس بعدالة الشعارات وحدها، بل بقدرتها على تمثيل الناس فعلًا، واحترام تنوعهم، وإقناعهم بأن المستقبل الذي تُبشر به هو مستقبلهم جميعًا، لا مستقبل نخبة أو فئة أو منطقة بعينها.

ومن هنا تبرز أهمية حضرموت في المشهد الراهن. فحضرموت ليست مجرد مساحة جغرافية ضمن خارطة الجنوب، بل مجتمع له خصوصيته التاريخية والثقافية والسياسية. وأي مشروع يدّعي تمثيل الجنوب بأكمله لا بد أن ينجح أولًا في إقناع مكونات الجنوب المختلفة بأنه يمثلها حقًا، لا أن يطلب منها التسليم له باعتباره أمرًا واقعًا.

إن أكبر خطأ تقع فيه الحركات السياسية هو اعتقادها أن القوة يمكن أن تحل محل القناعة. فالقوة قد تفرض أمرًا واقعًا لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تصنع قبولًا دائمًا. والتاريخ مليء بالمشاريع التي امتلكت المال والسلاح والدعم الخارجي، لكنها فشلت في النهاية لأنها لم تمتلك الناس.

ولعل الدرس الأهم في التجربة اليمنية خلال العقود الأخيرة هو أن الخارج، مهما بلغت قوته، لا يستطيع أن يمنح أي مشروع شرعية مستدامة. يستطيع أن يدعمه، وأن يحميه، وأن يوفر له أسباب البقاء لفترة من الزمن، لكنه لا يستطيع أن يزرع له الجذور في وجدان المجتمع.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس: من يدعم هذا الطرف أو ذاك؟ بل: هل يستطيع هذا الطرف أن يستمر إذا غاب عنه ذلك الدعم؟ وهل يملك من التأييد الشعبي ما يجعله واقفًا على قدميه وحده؟

إن القائد الذي يستمد قوته من شعبه يظل قادرًا على الاستمرار حتى في أصعب الظروف، لأن مصدر شرعيته موجود في الداخل. أما القائد الذي ترتبط قوته بعوامل خارجية أكثر من ارتباطها بمجتمعه، فإنه يبقى معرضًا للاهتزاز كلما تغيرت الحسابات الإقليمية أو تبدلت المصالح الدولية.

ولا يتعلق الأمر هنا بشخص بعينه، سواء كان عيدروس الزبيدي أو غيره، بل بقاعدة سياسية تكاد تكون ثابتة: كل مشروع يعتمد على الخارج أكثر مما يعتمد على الناس، يصبح رهينة للخارج أكثر مما يصبح ممثلًا للناس.

لهذا فإن الحديث عن الوحدة أو الانفصال يجب ألا يتحول إلى صراع شعارات. فالوحدة ليست مقدسة لمجرد أنها وحدة، والانفصال ليس صحيحًا لمجرد أنه انفصال. المعيار الحقيقي هو إرادة الناس، وقدرة أي مشروع على تحقيق العدالة والاستقرار والكرامة لمواطنيه.

وربما تكون المفارقة الكبرى في المشهد اليمني اليوم أن بعض التحركات التي تُطرح باعتبارها خطوات نحو الانفصال قد تدفع قطاعات من اليمنيين إلى إعادة التفكير في فكرة الوحدة نفسها، لا حبًا في تجارب الماضي، بل خوفًا من أن تتحول مشاريع التغيير إلى مشاريع هيمنة جديدة بأسماء مختلفة.

إن اليمن لا يحتاج إلى أوصياء جدد، ولا إلى مراكز قوة جديدة، بقدر ما يحتاج إلى عقد سياسي جديد يعترف بالتعدد، ويحترم الإرادة الشعبية، ويؤمن بأن الشعوب ليست أدوات في يد الساسة، بل هي مصدر الشرعية الوحيد.

وفي النهاية، قد يختلف اليمنيون حول شكل الدولة التي يريدونها، وقد يختلفون حول الوحدة والانفصال والفيدرالية وسواها من الخيارات. لكن ما ينبغي ألا يختلفوا عليه هو أن التغيير الحقيقي لا يأتي من وراء الحدود، ولا يُصنع في العواصم الأجنبية، بل يولد من الناس أنفسهم. وما لا يولد من الناس، يبقى غريبًا عنهم مهما بدا قويًا، ومهما امتلك من المال والسلاح والدعم.

137 مشاهدة
0 تعليق

بقلم

سعيد النظامي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

حين يكتشف اليمنيون أن التغيير لا يُستورد