اليمن في مهب "لعبة الأمم" المتجددة: بين حسابات الخارج وحلم الدولة

في ستينيات القرن الماضي، صاغ ضابط الاستخبارات الأمريكي "مايلز كوبلاند" في كتابه الشهير لعبة الأمم معادلة قاسية تجاه اليمن، واصفاً إياه بـ"المستنقع الاستراتيجي" الذي يُستخدم كأداة لاستنزاف القوى الإقليمية، وخلص إلى أن اليمن لا يشكل أهمية محورية تدفع القوى العظمى للاكتراث الفعلي باستقراره الداخلي. واليوم، وبعد عقود من ذلك التحليل، وفي ظل واقع يمني ممزق منذ عام 2015، يتجدد السؤال المحوري: هل تغيرت نظرة السياسة الدولية لليمن؟ وهل يملك العالم الرغبة الحقيقية في إعادة بناء الدولة اليمنية، أم أن الجمود الراهن هو الامتداد الطبيعي لـ "لعبة الأمم"؟
من الإهمال إلى القلق: جغرافيا الخطر
تاريخياً، كان يُنظر إلى اليمن كساحة خلفية معزولة. لكن القرن الحادي والعشرين فرض واقعاً ديموغرافياً وجيوسياسياً مختلفاً؛ فالبلد الذي يقترب تعداد سكانه من 43 مليون نسمة، يمتلك أطول السواحل الإشرافية على مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، وهي الممرات التي تتدفق عبرها نحو 12% من حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية وطاقة العالم.
التحولات الأخيرة في البحر الأحمر أثبتت للعواصم الكبرى، من واشنطن إلى بكين، أن فوضى اليمن لم تعد شأناً محلياً، بل تحولت إلى "أهمية استراتيجية سلبية"؛ فالعالم لم يعد قادراً على إهمال اليمن لأن شللاً في مضايقه يعني أزمة اقتصادية تطال جيوب المستهلكين حول العالم، وتهديداً مباشراً لأمن منشآت الطاقة في الخليج، فضلاً عن مخاوف تحول الجغرافيا اليمنية المفتوحة إلى بيئة خصبة للتنظيمات العابرة للحدود.
إدارة المخاطر بدلاً من الحسم: لغز الجمود
يفرض المنطق السياسي والانساني فرضية واضحة: إذا كان اليمن يشكل خطراً على الأمن الدولي، فإن الحل الأسرع هو إعادة الدولة تحت أي مسمى (دولة واحدة، دولتان، جمهورية، أو حتى سلطة مركزية حازمة)، فوجود الدولة هو الضامن الوحيد لإعادة الأمن والسكينة للمواطن وتأمين البحار.
لكن السياسة الواقعية (Realpolitik) للقرن الحالي تعمل بمنطق مغاير تماماً، وهو منطق "إدارة المخاطر" (Risk Management) بدلاً من إنهائها. ترى القوى الدولية والإقليمية أن كلفة الحسم العسكري أو السياسي لإعادة بناء دولة مستقرة في اليمن باهظة جداً وتتطلب تدخلات برية ومئات المليارات لإعادة الإعمار، إلى جانب تعقيدات البنية القبلية المترسخة وأزمة الثقة العميقة بين الفصائل المحلية. لذلك، يُفضل المجتمع الدولي البديل الأرخص: إبقاء اليمن في حالة "اللاحرب واللاسلم"، مع الاكتفاء بـ "تقليم أظافر الفصائل" عبر ضربات جوية موضعية، وحصار مالي، وحماية مؤقتة للسفن، دون تحمل أعباء صناعة السلام الحقيقي.
تشظي المشاريع المحلية: تفتيت الهوية والواقع
في الداخل اليمني، يترجم هذا الجمود الدولي إلى تشظٍ حاد في المشاريع السياسية. فمن جهة، تصر جماعة الحوثي (أنصار الله) في الشمال على رفض صيغة الدولة الاتحادية (الأقاليم الستة) التي أقرتها مخرجات الحوار الوطني الشامل، وتطالب بدولة مركزية قوية أو صيغة إقليمين تضمن لها منافذ بحرية وثروات نفطية، مستندة إلى إيديولوجيا دينية (الولاية) تسعى لفرضها كأمر واقع.
وفي المقابل، شهد الجنوب تقلبات حادة؛ فالمجلس الانتقالي الجنوبي الذي حمل لسنوات لافتة "الاستقلال واستعادة دولة الجنوب"، واجه مؤخراً جداراً سميكاً من الضغوط الإقليمية والدولية. إن التوافقات الكبرى—تحديداً الرؤية السعودية الحازمة للحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية واستقرار مجلس القيادة الرئاسي—قادت نحو هيكلة وتفكيك النفوذ العسكري والسياسي الأحادي للانتقالي وضمه تحت مظلة لجنة عسكرية عليا. هذا التحول أكد أن الطموحات المحلية المحضة، حتى وإن كانت مدعومة من قوى إقليمية أخرى كالإمارات التي تبحث عن تأمين مصالحها البحرية واللوجستية، تظل محكومة بـ "فيتو" إقليمي ودولي صارم يرفض التشطير في الوقت الحالي لما يمثله من خطر تفجير حروب أهلية جنوبية-جنوبية (مع صعود مكونات ندّية كالمجلس الوطني الحضرمي وقوات درع الوطن).
الاستراتيجية الأمريكية والأمد الطويل
تأتي التحركات الأمريكية الأخيرة لتزيد من حالة "الجمود الحذر"؛ فعبر تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية وتكثيف الردع البحري، تسعى واشنطن لحصر وتجميد الصراع ضمن حدوده الحالية، معلنة دعمها اللفظي لـ "يمن موحد وفيدرالي". هذا التجميد يعني عملياً وضع ملفات اليمن على رف "الأمد الطويل"، بانتظار تبدل موازين القوى الدولية الكبرى—سواء عبر صياغة تسوية شاملة مع إيران، أو تغير بوصلة التنافس الأمريكي-الصيني، أو انتهاء حروب كسر العظم في أوروبا وروسيا.
خاتمة: كلفة الانتظار الباهظة
في المحصلة، يثبت الواقع المعاش صحة الاستنتاج المستوحى من لعبة الأمم: إن أهمية اليمن الاستراتيجية كافية لجعل العالم يتدخل لمنع انهياره الكامل أو تمدد خطره نحو الخارج، لكنها ليست كافية أبداً لدفعه للتضحية من أجل فرض استقرار داخلي حقيقي يعيد الدولة والسكينة لمواطنيها.
اليمن اليوم يعيش في مربع "التاريخ البطيء"، حيث تُطبخ الحلول على نار هادئة جداً قد تستغرق أعواماً وعقوداً، بينما يظل المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف، متحملاً لوحده كلفة هذا الانتظار الطويل من قوته، وخدماته، ومستقبل أبنائه، في بلد تتقاسمه الفصائل ويتحكم في مصيره الخوف الدولي.

سياسة آراء
137 مشاهدة
0 تعليق

بقلم

سعيد النظامي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

اليمن في مهب "لعبة الأمم" المتجددة: بين حسابات الخارج وحلم الدولة