لم أكن أنوي الكتابة اليوم عن هذا الموضوع، ولا كنت أبحث عن غضبٍ جديد أضيفه إلى غضب الناس، ولا عن سخطٍ آخر أعلّقه فوق سخطهم، ولا عن مصيبةٍ جديدة أفتح بها باب الكلام في زمنٍ تكاد فيه المصائب تتزاحم على الأرواح كما تتزاحم الأخبار العاجلة على الشاشات. فالناس في فلسطين منهكون بما يكفي؛ لا رواتب تُطمئن، ولا أمنٌ يستقر في القلوب، ولا غدٌ واضح الملامح، ولا حاضرٌ يرحم التعب، ولا مستقبلٌ يخلو من خوف المجهول. كل شيء حول الناس يدفعهم إلى القلق، وكأنّه يختبر ما تبقى فيهم من قدرة على الاحتمال.
لكنّني، وأنا أتصفح بعض الصفحات على الفيسبوك، وقعَتْ أمامي منشورات متكررة تحذّر من الابتزاز الإلكتروني، وتنبه الناس من مبتزّين، وحسابات مزيفة، وصور مفبركة، ورسائل مشبوهة، وقصص موجعة لأشخاصٍ انتحلوا أسماء غيرهم، واستدرجوا ضحاياهم كما تُستدرج الفريسة إلى الفخ. حاولت في البداية أن أمرّ كما نمرّ على كثيرٍ من الأخبار الثقيلة، لكن شيئًا ما أوقفني. تابعت أكثر من موقف، وقرأت أكثر من منشور، وتأملت الطريقة التي يفكر بها هؤلاء، ثم تداركت للحظة أن الصمت هنا ليس حيادًا، وأنّ تأجيل الكلام عن هذا الملف بحجة كثرة الهموم قد يكون ترفًا خطيرًا؛ فبعض القضايا لا تنتظر مزاج الكاتب، ولا رفاهية الوقت، ولا هدوء اللحظة، بل تفرض نفسها لأنها تمسّ صميم المجتمع، وتهدد البيوت من الداخل، وتطعن ما تبقى للناس من سترٍ وكرامةٍ وأمان.
عندها أدركت أنني يجب أن أكتب. بل أكثر من ذلك، أدركت أن هذا الموضوع، وفي لحظتنا هذه، ليس مهمًا فحسب، بل هو أهم من كثيرٍ من الموضوعات التي نظنها مهمة؛ لأن الجوع يُحتمل إذا بقيت الكرامة، والخوف يُقاوَم إذا بقي البيت آمنًا، وضيق الحال يهون إذا بقي الناس سندًا لبعضهم، أما حين يتحول الإنسان إلى فريسةٍ لأخيه، وحين يصبح الستر سلعة، والخصوصية سلاحًا، والثقة مصيدة، فنحن لا نكون أمام مشكلة عابرة، بل أمام انهيارٍ أخلاقي يجب أن يُواجه قبل أن يتحول إلى وباء.
وأقولها آسفًا، نحن أمام نمطٍ من الإجرام المنظّم، وأمام انحطاط أخلاقي متعمّد، وأمام خيانة اجتماعية ووطنية مكتملة الأركان. فالذي يبتز الناس بأعراضهم، وسمعتهم، وخصوصياتهم، ليس مجرد مجرم عادي؛ إنه يطعن المجتمع في أضعف مواضعه، ويهزّ الثقة بين الناس، ويفتح أبواب الخوف داخل البيوت، ويحوّل الهاتف الذي كان وسيلة تواصل، إلى سكّينٍ معلّق فوق رقاب الأبرياء.
ويا للعار، حين يكون هذا الفعل صادرًا من بعض من ينتسبون إلى شعبٍ علّم الدنيا معنى الصبر والصمود والرباط. أي عقلٍ مريض هذا الذي يرى في صورة إنسانٍ محترم فرصة للمال؟ وأي قلبٍ ميت هذا الذي يختار أن يربح من خوف أم، أو دمعة فتاة، أو قلق أب، أو سمعة رجل؟ وأي خيانةٍ أشد من أن يتحول الإنسان إلى جلادٍ لأهله وناسه ومجتمعه، بينما العدوّ مسرورًا يشهد انهيارنا من الداخل؟
فهل هذه هي أخلاق الشعب الفلسطيني المناضل، والمقاوم، والمرابط؟ هل هذه هي أخلاق من تربّى على الكرامة؟ هل هذه هي أخلاق شعبٍ دفع من دمه وتاريخه وبيوته ثمن البقاء؟ هل يليق بنا أن نهزم أنفسنا من الداخل بهذه القذارة؟ كيف نرفع رؤوسنا أمام العالم ونحن نعجز عن حماية بعضنا من مبتزٍ جبان؟ كيف نحدّث أبناءنا عن الرجولة، والشرف، والوطن، والحرية، ثم يخرج بيننا من يطعن الناس في سترهم وأعراضهم وسمعتهم؟ أي وطنٍ نبنيه إذا كان بعض أبنائه يحترفون هدم النفوس؟ وأي مقاومةٍ تبقى حين تصبح جبهة المجتمع الداخلية مخترقة بالخوف والتهديد والفضيحة؟
وهل هناك ما هو أخطر من أن يُطعن الإنسان في سمعته وكرامته وأمانه وهو داخل بيته، وبين أهله، ومن خلال هاتفٍ كان يظنه وسيلة حياة لا أداة تهديد؟ ما الذي حدث لنا حتى صار بعضنا لا يرى في وجوه الناس إلا فرصًا للنهب؟ ما الذي انكسر في الروح حتى يصبح خوف الآخرين مشروعًا تجاريًا؟ ما الذي مات في الضمير حتى يمدّ إنسانٌ يده إلى سمعة إنسانٍ آخر، لا لينقذه، بل ليخنقه؟
كيف ينام من يأخذ صورة رجلٍ محترم، أو صاحب عمل، أو إنسان له مكانة بين الناس، ثم يعبث بها بالذكاء الاصطناعي، ويركب بجانبها صورًا مفبركة، ويفتح بها حساباتٍ مزيفة، ثم يساوم صاحبها على المال مقابل الحذف والصمت؟ أي قلبٍ هذا الذي لا يرتجف وهو يهدد إنسانًا في سمعته؟ أي يدٍ هذه التي لا تُشلّ وهي تفبرك صورةً قد تهدم بيتًا، أو تكسر عائلة، أو تقتل إنسانًا وهو ما زال حيًا؟ أيُّ مالٍ هذا الذي يُؤخذ من دمعة مظلوم، ومن رعب بريء، ومن ارتباك إنسانٍ وجد نفسه فجأة أمام فضيحة لم يصنعها؟
هل يظن المبتز أنه حين يأخذ المال قد انتصر؟ ألا يعلم أنه في اللحظة التي مدّ فيها يده إلى ستر الناس، خسر نفسه قبل أن يخسرها أمام القانون؟ ألا يدري أن المال الحرام لا يدخل بيتًا إلا أدخل معه لعنةً لا تنام؟
أيُّ انحطاطٍ أشد من أن يضع المبتز صورة إنسانٍ على رقم واتساب، ثم يتواصل مع أقاربه وأصحابه وكأنه هو، طالبًا رصيدًا أو مالًا، مستغلًا الثقة والقرابة والعاطفة؟ أهكذا صارت المحبة بين الناس بابًا للسرقة؟ أهكذا صار الاطمئنان على قريبٍ أو صديقٍ فخًا منصوبًا؟ أهكذا تُسرق الثقة من بين العائلات باسم الحاجة وباسم الاستعجال وباسم “حوّل لي بسرعة”؟
ثم ماذا نقول عن الأسلوب الأشد قذارةً، حين يستعين المبتز بأشخاصٍ مقربين منه لاستدراج ضحايا، وتصويرهم في مواقف خاصة، ثم تحويل لحظة ضعفٍ، أو خصوصيةٍ، أو ثقةٍ إلى حبل تهديد؟ ثمّ ماذا عن الذي يفتح الباب، ويسهّل اللقاء، ويشارك في التصوير، وينقل التهديد، ومن يصمت وهو يعلم، أليس شريكًا في الوحل نفسه؟ ألا يصبح كل من يشارك في هذا الفعل جزءًا من العصابة، حتى لو لم يكتب الرسالة الأخيرة، ولم يطلب المال بيده ولسانه؟
كيف نتحدث عن مقاومة العدو ونحن لا نقاوم جرذًا رقميًا يختبئ خلف حسابٍ مزيف؟ كيف نغضب من العملاء والمتعاونين مع العدو، ثم نتهاون مع من يفتك بالمجتمع من داخله؟ أليس من يزرع الرعب في البيوت خائنًا؟ أليس من يبتز الناس بأعراضهم وسمعتهم أخطر من كثيرٍ ممّن نلعنهم اليوم على المنابر؟ أليس العدوّ الخارجي أقل خطرًا أحيانًا من خائنٍ داخلي يعرف مفاتيح المجتمع، ويدخل من أبواب الثقة، ويضرب في موضع الستر؟
وأنتم أيها الشباب والبنات، ألا يستحق هذا الزمن قليلًا من الحذر؟ ألا تستحق خصوصياتكم أن تُحرس كما تُحرس البيوت؟ ألا يستحق القلب أن يتريث قبل أن يثق؟ ألا تستحق الصورة أن تفكر بها قبل أن تُرسلها؟ ألا تستحق المحادثة أن تُغلق حين تبدأ رائحتها تشبه الفخ؟ لماذا نمنح الغرباء مفاتيح حياتنا ثم نستغرب حين يدخلون؟ لماذا نصدق حسابًا لا نعرف صاحبه؟ لماذا نطمئن لصورةٍ يمكن أن تكون مسروقة، واسمٍ يمكن أن يكون مستعارًا، وكلامٍ قد يكون طُعمًا؟
ثمّ أيها الأهالي، لماذا نخيف أبناءنا وبناتنا من الاعتراف حتى يصبح صمتهم سلاحًا إضافيًا في يد المبتز؟ أليست الأسرة ملاذًا قبل أن تكون محكمة؟ أليس البيت حضنًا قبل أن يكون منصة لوم؟ ألا يفهم الآباء والأمهات أن المبتز يراهن أولًا على خوف الضحية من أهلها؟ فهل نربي أبناءنا على الحذر فقط، أم نربيهم أيضًا على الثقة بأنهم إذا أخطأوا، أو خُدعوا، أو وقعوا في فخ، فهناك بيتٌ يحميهم قبل أن يحاسبهم؟
ثمّ أين المجتمع؟ لماذا نتحول أحيانًا إلى جمهور فضّاح؟ لماذا يرسل البعض الصورة قبل أن يسأل عن حقيقتها؟ لماذا تنتقل المقاطع الخاصة بين الهواتف أسرع من انتقال الرحمة بين القلوب؟ أليس من يشارك مادة ابتزازية شريكًا في الجريمة؟ أليس من يضحك على ضحية مبتزٍّ مبتزًا آخر بلا أجر؟ أليس من يعلّق بتلميحٍ قذر، أو ينشر، أو يعيد الإرسال، أو يقول “شوفوا”، قد مدّ يد المجرم بسلاحٍ جديد؟ كيف نحارب الابتزاز ونحن نمنحه جمهورًا؟ كيف نحمي الستر ونحن نستهلك الفضيحة؟ كيف نبني مجتمعًا كريمًا ونحن نطعن كرامة بعضنا بنقرة إصبع؟
ثمّ أين الجهات المختصة؟ هل تملك هذه الجرائم رفاهية الانتظار؟ هل يحتمل الضحية أن ينتظر طويلًا بينما المبتز يضغط عليه كل ساعة؟ ألا يحتاج هذا الخطر إلى قنوات إبلاغ آمنة وسريعة وسرية؟ ألا يحتاج إلى وحدات تقنية متخصصة، وملاحقة حقيقية للحسابات المزيفة، وتجفيف منابع الابتزاز، وتعاون مع المنصات، وحماية قانونية ونفسية للضحايا؟
ثمّ أليست هذه الجريمة إفسادًا في الأرض؟ أليس ترويع الآمنين فسادًا؟ أليس أكل أموال الناس بالباطل فسادًا؟ أليس انتهاك الحرمات فسادًا؟ أليس نشر الخوف بين البيوت فسادًا؟ أليس تحويل الستر إلى تجارة فسادًا؟ أليس قتل الطمأنينة نوعًا من القتل، وإن لم تُرق فيه قطرة دم؟
كم ضحيةً كانت تحتاج يدًا واحدة تمتد إليها، فوجدت ألف إصبعٍ تشير إليها؟ ما قيمة الحديث عن الشرف إن لم نحمِ المهددين في شرفهم؟ هل سنصحو فقط حين يصبح الضحية قريبًا منا؟ هل سنظل نقول “الله يستر” دون أن نفعل شيئًا يحمي هذا الستر؟
متى نقول للمدارس والجامعات: علّموا الوعي الرقمي كما تعلمون القراءة والكتابة؟ متى نقول للساسة: هذا ملف أمنٍ وكرامة، لا ملف علاقات عامة؟ متى نقول للأجهزة المختصة: اضربوا بيد القانون قبل أن يضرب الخوف جذوره في البيوت؟
أليس الجواب واضحًا؟ أليس الواجب واضحًا؟ أليس الخطر واضحًا؟ فلماذا لا نبدأ الآن؟
هذه الأسئلة لا أكتبها للتنظير، ولا أوجهها إلى جهةٍ واحدة بعينها؛ بل أضعها أمامنا جميعًا كمرآةٍ قاسية لا تجامل أحدًا. هي أسئلة لنا أولًا، قبل أن تكون على غيرنا؛ لضمائرنا، ولبيوتنا، ولطريقة تربيتنا، ولثقافتنا، ولعاداتنا. وهي موجهة إلى المبتزين، وإلى العائلات، وإلى الشباب والبنات، وإلى المجتمع، وإلى الساسة وأصحاب المنابر، وإلى الجهات المختصة، كلٌّ بقدر مسؤوليته، وكلٌّ بما يناسب موقعه ودوره. فهذه الجريمة لا يصنعها المبتز وحده، ولا يوقفها القانون وحده، ولا ينجو منها المجتمع بالصمت وحده؛ إنها امتحانٌ عام، ومن حق كل سؤالٍ فيها أن يجد جوابًا، لا في الكلام فقط، بل في الموقف والفعل والمحاسبة.





شارك برأيك
الابتزاز الإلكتروني… حين يصبح الخائن أخطر من العدو