في مثل هذا اليوم… أسد قلقيلية في ذمّة الله

لا أعرف تمامًا كيف تبدأ المقالات أحيانًا؛ أهي فكرة نبحث عنها، أم ذكرى تبحث عنا؟ كل ما في الأمر أنني كنت أتصفح بعض “جروبات” الفيسبوك، متنقلًا بين منشور وآخر، حين وقع نظري على عبارة ساخرة مكتوبة بخفة لاذعة: “حدث في مثل هذا اليوم… وفاة أسد قلقيلية”. ضحكت في البداية، ثم توقفت. لا أدري كيف انفصلت للحظات عن الواقع، وكيف سحبتني تلك الجملة الصغيرة من شاشة الهاتف إلى غياهب الماضي الجميل، إلى أيام الرحلات المدرسية، والحافلات الممتلئة بالصراخ، والدهشة التي كانت تكفيها رؤية أسد نائم خلف القفص. عندها راقت لي فكرة المقال؛ لا بوصفه رثاءً لطيفًا لأسد، بل رثاءً لزمنٍ كامل كان أبسط مما نحن عليه اليوم، وأقرب إلى القلب مما نعتقد.

في مثل هذا اليوم، أُسدل الستار على واحدة من أكثر الشخصيات حضورًا في الذاكرة الفلسطينية المحلية: أسد قلقيلية، أو كما كان يعرفه جيل الرحلات المدرسية: “الملك الذي لم يصطد شيئًا… لكنه اصطاد قلوبنا جميعًا”.

رحل الأسد الوحيد في حديقة حيوانات قلقيلية بعد حياة طويلة حافلة بالتأمل، والهيبة، والنوم، والتثاؤب، ومراقبة الزوار من خلف القضبان بنظرة فلسفية عميقة. لم يعرف أسد قلقيلية السافانا قط، وأجزم بأنّ آخر مرة رآها فيها كانت في أفلام ناشيونال جيوغرافيك.

كان رحمه الله أسدًا من نوع خاص؛ لا يركض خلف الغزلان، ولا يزأر في وجه الغابة، ولا يدخل معارك على مناطق النفوذ. كانت معاركه اليومية أكثر حضارية؛ كيس شيبس من طالب، قطعة بامبا من طفل، سندويشة فلافل مشكوك في مصدرها، ونظرة عتاب إلى المعلم الذي يقول للطلاب: “لا تطعموه!”.

لقد عرفته الأجيال جيلًا بعد جيل. أطفال الأمس الذين كانوا يقفون أمام قفصه مذهولين، صاروا اليوم آباءً وأمهات يأخذون أبناءهم إليه ويقولون بفخر: “شايفين هذا؟ إحنا شفناه وإحنا صغار… ولسه نايم بنفس الوضعية”. وكأن الزمن تغيّر، والمدارس تغيّرت، والحقائب تغيّرت، إلا أسد قلقيلية بقي ثابتًا في مكانه، يؤدي رسالته الوطنية الكبرى: النوم بوقار.

وفي سنواته الأخيرة، بدا واضحًا أنّ المرحوم اختار التقاعد المبكر من الحياة البرية، رغم أنه أساسًا لم يدخل الحياة البرية إلا بالاسم. كان ينام طويلًا، ويتحرك قليلًا، ويزأر نادرًا، وكأنه قرر أن الهيبة لا تحتاج إلى مجهود.

كان أسد قلقيلية مدرسة كاملة في الصبر؛ صبر على الحر، وعلى البرد، وعلى الزوار، وعلى الأطفال الذين ينادونه: “بِس بِس”، وعلى من يسأله بجدية: “ليش ما بتزأر؟” وكأن الزئير خدمة حكومية تُطلب عند الحاجة. ومع ذلك، بقي شامخًا، هادئًا، متسامحًا، يحمل في ملامحه وقار الملوك، وفي نظامه الغذائي ملامح البقالة الشعبية.

رحل الأسد، لكن صورته ستبقى في ذاكرة كل من زار الحديقة. سنذكره لا كحيوان مفترس، بل ككائن نبيل شاركنا الرحلات المدرسية، والضحكات، والساندويشات، والذكريات. كان جزءًا من طفولتنا، من الحافلات الصفراء، من دفتر الرحلات، من تلك الأيام التي كنا نعتقد فيها أن رؤية الأسد إنجاز عظيم، حتى لو كان الأسد نفسه غير مهتم بالموضوع إطلاقًا.

ومع كل هذه السخرية المحبّبة، لا بد أن نعترف أن حكاية أسد قلقيلية ليست حكاية أسدٍ رحل فحسب، بل حكاية زمنٍ كاملٍ كان يمشي على مهل. زمن الرحلات المدرسية التي تبدأ بسندويشة ملفوفة بورق، وتنتهي بصورة غير واضحة، وذكرى لا تموت. زمن لم تكن فيه الحياة تحتاج إلى فلتر، ولا كانت الضحكة تنتظر زر إعجاب، ولا كان الطفل يعرف معنى “المنصات” إلا منصة الباص التي يقفز منها فرحًا عند وصوله إلى الحديقة.

تسحبنا هذه الحكاية، رغم طرافتها، إلى نوستالجيا لا نعرف تمامًا أهي مفرحة أم موجعة؛ مفرحة لأنها تذكّرنا ببساطة كانت تكفينا، وموجعة لأن تلك البساطة صارت اليوم بعيدة كأنها من عمرٍ آخر. كنا نضحك من قلوبنا، ونندهش من أسدٍ نائم، ونعود إلى بيوتنا نحمل في رؤوسنا بطولة كاملة، رغم أن البطل لم يتحرك من مكانه إلا قليلًا. وربما كان في ذلك درسٌ صغير، أن الأشياء العظيمة لا تحتاج دائمًا إلى ضجيج، وأن أجمل الذكريات قد تولد من أبسط المشاهد.

ومع ذلك، لسنا هنا لنرثي الحاضر؛ فلكل مقامٍ مقال، ولكل زمانٍ دولته ورجاله ودهشته الخاصة. غير أن بعض الراحلين، حتى لو كانوا أسودًا متقاعدين من مهام الافتراس، يذكّروننا بأن الإنسان لا يفتقد المكان وحده، بل يفتقد النسخة الأصفى من نفسه حين كان يرى العالم بعينين أوسع، وقلبٍ أخف، وحقيبة مدرسية أثقل من همومه كلها.

رحم الله أسد قلقيلية، ملك القفص، وشيخ الرحلات، وصديق الطلاب، وأول أسد في التاريخ يُحتمل أنه عرف طعم الشيبس أكثر من طعم الغزال.

نم قرير العين أيها الملك الطيب… فقد زأرت في ذاكرتنا بما يكفي.

مجتمع
61 مشاهدة
0 تعليق
م. عطا عبوشي

بقلم

م. عطا عبوشي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

في مثل هذا اليوم… أسد قلقيلية في ذمّة الله