الاتفاق الذي تخشاه إسرائيل ....حيث لا يُسمع صوتها في واشنطن

الاتفاق الذي تخشاه إسرائيل ....حيث لا يُسمع صوتها في واشنطن

تتجه الأنظار نحو الاتفاق الإطاري المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران ، في خطوة قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاوض بين الطرفين بعد أشهر من التوتر والتصعيد العسكري والسياسي، غير أن الضجة الحقيقية التي تثيرها هذه التفاهمات لا تكمن في بنودها المعلنة فقط، بل في حجم القلق والغضب الذي تثيره داخل إسرائيل، التي ترى نفسها للمرة الأولى منذ سنوات خارج دائرة التأثير المباشر على مسار التفاوض الأمريكي مع إيران.
فبحسب ما رشح من تفاصيل، لا يتضمن الاتفاق التزامات إيرانية فورية بتفكيك البرنامج النووي أو التخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب، كما لا يشمل قيوداً واضحة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وهي الملفات التي طالما اعتبرتها إسرائيل خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها، بل إن الاتفاق يركز في مرحلته الأولى على تمديد وقف إطلاق النار، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتهيئة الأجواء لمفاوضات لاحقة تمتد لستين يوماً بشأن الملفات الأكثر تعقيداً.
هذا الواقع دفع مسؤولين إسرائيليين إلى التعبير عن مخاوفهم بصورة غير مسبوقة، فوفق التسريبات، يعتقد كثيرون داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية أن الاتفاق المطروح أسوأ من الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عام 2015، ففي ذلك الاتفاق، رغم اعتراضات إسرائيل الحادة، كانت هناك على الأقل قيود واضحة ومحددة على البرنامج النووي الإيراني وآليات رقابة دولية مفصلة، أما اليوم، فإن ما يجري الحديث عنه لا يتجاوز مذكرة تفاهم مؤقتة تؤجل القضايا الأساسية إلى مفاوضات لاحقة دون أي ضمانات حقيقية.
والأخطر من ذلك بالنسبة لإسرائيل أن الاتفاق يمنح إيران وقتاً إضافياً للاحتفاظ بأوراق قوتها الاستراتيجية، فطهران لا تزال تمتلك مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب، ولا توجد أي آلية واضحة للتعامل مع هذه الكميات ضمن الاتفاق الحالي، كما أن البرنامج الصاروخي الإيراني، الذي تعتبره إسرائيل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، يبدو مستبعداً من التفاهمات الأولية بصورة شبه كاملة.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة معنية اليوم بأولويات مختلفة عن تلك التي ترفعها إسرائيل، فالإدارة الأمريكية تركز على منع انفجار إقليمي واسع، وضمان استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وخفض أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، بينما تأتي الهواجس الإسرائيلية في مرتبة متأخرة مقارنة بهذه الاعتبارات الاقتصادية والاستراتيجية.
ولذلك يشعر الإسرائيليون بأن نفوذهم التقليدي على القرار الأمريكي لم يعد كما كان. فالتصريحات المنقولة عن مسؤولين إسرائيليين تكشف حالة من الإحباط غير المسبوق، إذ يعترف بعضهم صراحة بأن "صوت إسرائيل لا يُسمع" في هذه المفاوضات، وأن تل أبيب لا تمتلك أدوات حقيقية للتأثير على صياغة الاتفاق أو تعديل مساره ، ويذهب آخرون إلى اعتبار أن الاتفاق المقترح يمس بصورة مباشرة بالمصالح الإسرائيلية ويمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية والدولية.
ومن هنا يمكن فهم التحركات الإسرائيلية المتسارعة خلال الأسابيع الأخيرة، فإسرائيل لا تخفي رغبتها في عرقلة أي تفاهم أمريكي إيراني لا يحقق شروطها الأمنية الكاملة، وقد اعتادت في السابق استخدام وسائل متعددة لإفشال مسارات التفاوض، سواء عبر الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة أو من خلال العمليات الأمنية والعسكرية التي تستهدف رفع مستوى التوتر ودفع الأطراف نحو التصعيد ، كما حدث في قصفها للضاحية الجنوبية لبيروت ، مما اثار رد فعل امريكي قوي ، ولذلك لا يستبعد مراقبون أن تشهد المرحلة المقبلة محاولات إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة لتخريب الاتفاق أو تعطيل مسار المفاوضات إذا شعرت بأن نتائجه النهائية ستكرس واقعاً استراتيجياً جديداً لا يخدم مصالحها.
لكن المفارقة أن قدرة إسرائيل على المناورة تبدو اليوم أضعف مما كانت عليه في الماضي، فالولايات المتحدة ليست في وارد الانخراط في حرب جديدة بالشرق الأوسط، كما أن المجتمع الدولي يفضل احتواء الأزمة مع إيران عبر التفاوض بدلاً من المواجهة العسكرية المفتوحة، وهذا ما يجعل الخيارات الإسرائيلية أكثر محدودية وأقل تأثيراً.
في النهاية، لا يبدو الاتفاق المرتقب اتفاق سلام أو تسوية نهائية بقدر ما يمثل هدنة سياسية مؤقتة بين خصمين يدركان كلفة المواجهة الشاملة، غير أن ما يلفت الانتباه هو أن إسرائيل، التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها اللاعب الأكثر تأثيراً في الملف الإيراني، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد تُصاغ فيه التفاهمات الكبرى دون أن تكون قادرة على فرض شروطها أو حتى إسماع صوتها بالقدر الذي اعتادت عليه سابقا.
ولذلك فإن القلق الإسرائيلي لا ينبع فقط من مضمون الاتفاق، بل من حقيقة أكثر إيلاماً بالنسبة لتل أبيب: أن واشنطن باتت تدير مصالحها مع إيران وفق حساباتها الخاصة، لا وفق الرؤية الإسرائيلية التي حكمت هذا الملف لعقود.

77 مشاهدة
0 تعليق
اسماعيل جمعه الريماوي

بقلم

اسماعيل جمعه الريماوي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

الاتفاق الذي تخشاه إسرائيل ....حيث لا يُسمع صوتها في واشنطن