هل ما زلنا نمتلك رواية تقنع الجيل الجديد؟

هل ما زلنا نمتلك رواية تقنع الجيل الجديد؟

بقلم : د. عمر السلخي / إقليم سلفيت

بين ذاكرة النضال وأسئلة المستقبل
جيل جديد... وأسئلة مختلفة

لكل جيل أسئلته الخاصة، ولكل مرحلة أدواتها في الإقناع والتأثير ، وإذا كانت الأجيال السابقة قد عاشت النكبة والنكسة والانتفاضتين وشهدت التحولات الكبرى في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، فإن الجيل الجديد يعيش واقعًا مختلفًا تمامًا، يتشكل وعيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية والانفتاح على العالم.
هذا الجيل لا يكتفي بالشعارات، ولا يقتنع بالمسلمات لمجرد تكرارها، بل يبحث عن إجابات واضحة ومنطقية لأسئلة تتعلق بالمستقبل والهوية والحرية والعدالة والفرص.
وهنا يبرز السؤال: هل ما زلنا نمتلك رواية وطنية قادرة على إقناع هذا الجيل واستقطابه؟

الرواية الوطنية ليست تاريخًا فقط

لا شك أن التاريخ الوطني الفلسطيني مليء بمحطات البطولة والتضحية والصمود، وهو مصدر فخر لكل فلسطيني ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرواية الوطنية إلى حديث دائم عن الماضي دون ربطه بالحاضر والمستقبل.
فالشاب الذي يسمع عن التضحيات يريد أن يعرف أيضًا كيف ستنعكس هذه التضحيات على مستقبله، وكيف يمكن أن يساهم في مشروع وطني يمنحه الأمل والدور والفرصة.
الرواية الناجحة ليست تلك التي تروي ما حدث فقط، بل تلك التي تشرح إلى أين نتجه.

المنافسة على عقول الشباب

لم يعد الجيل الجديد يتلقى معلوماته من مصدر واحد. فهو يتابع مئات الصفحات والمنصات والمؤثرين، ويتعرض يوميًا لروايات وأفكار واتجاهات مختلفة ومتناقضة.
وفي عالم مفتوح كهذا، فإن الرواية الوطنية لم تعد تحتكر الفضاء العام كما كان الحال في السابق، بل أصبحت مطالبة بالمنافسة والإقناع والتجديد.
فإذا لم نقدم رواية قوية ومقنعة، فإن فراغ الوعي سيملؤه آخرون بأفكار قد تكون بعيدة عن المصلحة الوطنية أو حتى مناقضة لها.

من خطاب التعبئة إلى خطاب المشاركة

أحد التحديات الرئيسية أن كثيرًا من الخطابات السياسية ما زالت تخاطب الشباب باعتبارهم جمهورًا للتعبئة فقط، بينما يريد الشباب أن يكونوا شركاء في التفكير وصناعة القرار.
إن الجيل الجديد لا يبحث فقط عن من يتحدث إليه، بل عن من يستمع إليه أيضًا. ولذلك فإن بناء جسور الحوار أصبح أكثر أهمية من الاكتفاء بإصدار الرسائل والبيانات.

ماذا يريد الشباب أن يسمع؟

يريد الشباب أن يسمع عن الحرية، لكنه يريد أيضًا أن يسمع عن التعليم والعمل والابتكار والتنمية والعدالة الاجتماعية.
يريد أن يعرف كيف يمكن أن يبقى متمسكًا بهويته الوطنية دون أن يتخلى عن طموحه الشخصي.
ويريد أن يرى قيادات ومؤسسات تتحدث بلغة الواقع، وتعترف بالتحديات، وتقدم رؤى قابلة للتحقق بدل الاكتفاء بالتمنيات.

الحاجة إلى تجديد الأدوات لا المبادئ

الثوابت الوطنية لا تتغير، لكن أساليب عرضها وتقديمها يجب أن تتطور باستمرار. فالمشكلة ليست في عدالة القضية الفلسطينية، بل أحيانًا في طريقة تقديمها للأجيال الجديدة.
إن استخدام الأدوات الرقمية الحديثة، وإنتاج محتوى معرفي وإعلامي جذاب، وإشراك الشباب في صياغة الخطاب الوطني، كلها عناصر أصبحت ضرورية للحفاظ على حضور الرواية الفلسطينية في وعي الأجيال القادمة.

الرواية التي تقنع هي الرواية التي تمنح الأمل

لا يمكن لأي رواية أن تستمر إذا اقتصرت على وصف المعاناة فقط. فالشعوب لا تعيش على الألم وحده، بل على الأمل أيضًا.
لذلك فإن الرواية الوطنية التي تستطيع الوصول إلى الجيل الجديد هي تلك التي تجمع بين الذاكرة والمستقبل، وبين التمسك بالحقوق الوطنية وفتح آفاق جديدة أمام الشباب للمشاركة والإنجاز والتأثير.
ويبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت قضيتنا عادلة، فعدالتها لا تحتاج إلى إثبات، بل السؤال هو: هل نجحنا في تقديم هذه العدالة بلغة يفهمها الجيل الجديد ويؤمن بها ويتبناها؟
فالروايات لا تنتصر لأنها صحيحة فقط، بل لأنها قادرة على الوصول إلى الناس وإقناعهم وإشراكهم في صناعة المستقبل. وإذا أردنا أن يبقى المشروع الوطني حيًا ومتجددًا، فعلينا أن نمنح الجيل الجديد مكانًا في الرواية، لا أن نطلب منه الاكتفاء بالاستماع إليها.

9 مشاهدة
0 تعليق
د.م. عمر السلخي

بقلم

د.م. عمر السلخي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

هل ما زلنا نمتلك رواية تقنع الجيل الجديد؟