هناك لحظات في التاريخ لا تفضح قوة الطغاة بقدر ما تفضح عجز الذين يدّعون التحضر.
ولحظة تباهي يتمار بن غفير بعرض مشاهد إذلال واعتقال متضامنين أوروبيين لم تكن فضيحة تخص حكومة الاحتلال وحدها، بل كانت صفعة مدوية على وجه أوروبا كلها، قارتها ومؤسساتها وبرلماناتها وحكوماتها وجيوشها وإعلامها وكل خطاباتها الطويلة عن الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والقانون الدولي.
ما حدث لم يكن مجرد اعتقال ناشطين,بل كان إعلانًا صريحًا بأن دولة الاحتلال لم تعد ترى في أوروبا سوى كيان مرتبك، فاقد الإرادة، مستعد لابتلاع الإهانة تلو الإهانة دون أن يجرؤ على الرد.
وحين يجلس وزير متطرف متهم مع حكومته بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ليتباهى علنًا بمشاهد الإذلال والقمع، وهو يعلم مسبقًا أن العواصم الأوروبية لن تفعل شيئًا، فهذه ليست ثقة بالنفس، بل احتقار كامل لأوروبا نفسها.
لقد اختُطف متضامنون أوروبيون، وأُهينوا، وعوملوا كمجرمين لأنهم حملوا ضميرًا إنسانيًا حيًا، بينما وقفت حكوماتهم تتفرج كما لو أن الأمر لا يعنيها.
أي انحدار هذا؟
أي سقوط أخلاقي يجعل أوروبا عاجزة حتى عن حماية كرامة مواطنيها؟
أوروبا التي ملأت الدنيا حديثًا عن حقوق الإنسان، والتي حاصرت دولًا وفرضت عقوبات وخاضت حروبًا باسم “القيم الإنسانية”، وقفت اليوم عاجزة أمام إهانة مواطنيها على الهواء مباشرة.
ليس لأن القوة تنقصها، بل لأن الإرادة ماتت فيها.
لأن الحقيقة المؤلمة هي أن كثيرًا من الحكومات الأوروبية لم تعد تدافع عن المبادئ، بل عن مصالحها السياسية وخوفها المزمن من الاصطدام بإسرائيل وحلفائها.
لكن المشهد الأكثر قسوة لم يكن في السجون ولا في القيود ولا في صور الإذلال، بل في المقارنة التي ستبقى وصمة عار في ذاكرة هذا الجيل, فتى لم يبلغ التاسعة عشرة من عمره، اسمه لامين يمال، امتلك من الشجاعة الأخلاقية أكثر مما امتلكته قارة كاملة.
بينما كانت الحكومات الأوروبية تختبئ خلف بيانات دبلوماسية باردة، كان هذا الفتى يرفع علم فلسطين دون خوف، دون حسابات سياسية، دون ارتعاش أمام حملات التخوين والضغط والابتزاز الإعلامي.
شاب صغير، في بداية حياته، أدرك ما عجزت عن إدراكه حكومات وبرلمانات ورؤساء ووزراء خارجية وقادة أحزاب في أوروبا كلها.
أن الصمت أمام الظلم ليس حيادًا، بل مشاركة فيه.
تخيلوا حجم الانهيار الأخلاقي حين يصبح لاعب كرة قدم مراهق أكثر شجاعة من قارة تدّعي أنها مهد الديمقراطية.
تخيلوا الفضيحة الحضارية حين يحتاج الأوروبيون إلى درس في الكرامة من فتى في التاسعة عشرة، بينما قادتهم ينحنون أمام كل مشهد إذلال خوفًا على مصالحهم السياسية.
لقد رفع لامين يامال العلم الذي خافت حكومات أوروبا من مجرد النظر إليه.
هو لم يملك جيوشًا ولا أساطيل ولا مقاعد دائمة في مجلس الأمن، لكنه امتلك شيئًا فقدته أوروبا منذ زمن طويل وهو الضمير.
وفي المقابل، ماذا فعلت الحكومات الأوروبية؟
راقبت مواطنيها وهم يُهانون,راقبت القانون الدولي وهو يُسحق,راقبت صور الاعتقال والإذلال والتنكيل,ثم قررت أن الصمت أكثر أمانًا من الكرامة.
إن أوروبا اليوم لا تواجه أزمة سياسة خارجية، بل أزمة معنى لأن القارة التي تفقد قدرتها على الدفاع عن مواطنيها، وعن المبادئ التي تتغنى بها، تتحول تدريجيًا إلى كيان فارغ، غني اقتصاديًا وفقير أخلاقيًا.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يهز الشارع الأوروبي ليس ماذا فعلت إسرائيل؟ فحكومة الاحتلال لم تعد تخفي شيئًا أصلًا، بل تتباهى بكل شيء علنًا.
السؤال الحقيقي هو ماذا حدث لأوروبا؟
كيف وصلت قارة بأكملها إلى مرحلة يصبح فيها وزير متطرف قادرًا على إهانة مواطنيها علنًا دون خوف من رد فعل؟
كيف تحولت حكومات أوروبا إلى مؤسسات عاجزة عن قول كلمة حق إلا بعد حسابات المصالح والتحالفات والضغوط؟
كيف أصبح الدفاع عن الإنسانية يحتاج إلى شجاعة لاعب كرة قدم صغير، بينما السياسي الأوروبي يختبئ خلف لغة دبلوماسية باردة لا روح فيها؟
لقد سقط القناع.
لم تعد المشكلة في ازدواجية المعايير فقط، بل في انهيار المعايير نفسها.
فحين تُصبح كرامة الإنسان خاضعة للهوية السياسية، وحين يصبح التضامن مع الضحايا جريمة، وحين يُكافأ المتطرف بالحصانة السياسية بينما يُعاقب المتضامن بالإذلال والاعتقال، فاعلم أن العالم لا يعيش أزمة سياسة، بل أزمة ضمير.
وسيأتي اليوم الذي لن يغفر فيه الشارع الأوروبي هذا الصمت.
سيأتي اليوم الذي سيدرك فيه الأوروبي العادي أن حكوماته لم تفشل فقط في الدفاع عن الفلسطينيين، بل فشلت حتى في الدفاع عنه هو نفسه.
وسيكتشف أن الذين رفعوا أصواتهم دفاعًا عن العدالة كانوا قلة شجاعة، ربما بينهم فتى اسمه لامين يامال، بينما اختار أصحاب السلطة أن يقفوا في الجانب الخطأ من التاريخ.
وفي النهاية، لن يتذكر الناس بيانات الحكومات المرتبكة، ولا تبريرات السياسيين، ولا صمت البرلمانات,سيتذكرون فقط من امتلك الشجاعة ليرفع صوته، ومن امتلك الجبن ليخفض رأسه.
كرامة اوروبا في وحل بن غفير
91 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
كرامة اوروبا في وحل بن غفير