تُعدّ حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح من أبرز الحركات الوطنية الفلسطينية التي تشكّلت في سياق النضال التحرري الفلسطيني، إذ جاء تأسيسها نتيجة فعل وطني جمع نخبة من أبناء الشعب الفلسطيني المؤمنين بضرورة بناء إطار سياسي وتنظيمي يقود مشروع التحرر الوطني الفلسطيني. ويُجمع الباحثون في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية على أن البدايات الأولى للحركة ارتبطت بعدد من الشخصيات المؤسسة، وفي مقدمتهم خليل الوزير وصلاح خلف، قبل أن ينضم إليهم لاحقاً ياسر عرفات ومجموعة من الفلسطينيين المقيمين خارج الوطن، الذين ساهموا في تحويل الحركة إلى إطار وطني جامع يحمل مشروعاً سياسياً قائماً على تحرير فلسطين وبناء الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة.
ومن الناحية التنظيمية، فإن أي حركة سياسية ذات طابع وطني وديمقراطي يفترض أن تستند في بنيتها إلى مؤسسات منتخبة تعبّر عن القاعدة التنظيمية للحركة، بحيث يكون المؤتمر العام هو السلطة العليا التي تحدد آليات انتخاب الهيئات القيادية، سواء اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، على أن تُجرى هذه الانتخابات بصورة دورية تضمن تداول المسؤوليات وإتاحة الفرصة أمام جميع أبناء الحركة للمشاركة في رسم توجهاتها السياسية والتنظيمية. فالحركات الوطنية التي تنجح في الحفاظ على حيويتها هي تلك التي تقوم على التعددية الداخلية، وتمنح أعضاءها فرصاً متساوية للمشاركة والتأثير، بعيداً عن احتكار المواقع التنظيمية أو تكريس النفوذ لصالح أشخاص أو مناطق بعينها.
ومن خلال التجربة الشخصية داخل حركة الشبيبة الطلابية في حركة الشبيبة الطلابية داخل جامعة بيرزيت، يمكن ملاحظة نموذج مختلف نسبياً في آليات العمل التنظيمي، حيث كانت الانتخابات تُجرى بصورة دورية، وكان العمل الطلابي قائماً على التنافس الديمقراطي وإفراز قيادات شابة من خلال صناديق الاقتراع والعمل الميداني. وقد أسهمت هذه التجربة في ترسيخ مفاهيم العمل الوطني والمؤسساتي، من خلال انتخاب ممثلي الحركة في مجلس الطلبة، وإجراء انتخابات داخلية لاختيار منسقي الحركة ولجان العمل المختلفة، دون أن تكون المواقع التنظيمية حكراً على أسماء ثابتة أو مناطق محددة. كما اتسمت الشبيبة في بيرزيت بطابع وطني جامع، فلم تكن قائمة على الانتماء المناطقي أو الجغرافي، بل شكّلت نموذجاً لحركة وطنية تستوعب أبناء مختلف المحافظات الفلسطينية، الأمر الذي ساهم في تعزيز قوتها التنظيمية وحضورها الوطني داخل الجامعة وخارجها.
وانطلاقاً من هذا التصور، فإن مفهوم المؤتمر الحركي الشامل يجب أن يستند إلى تمثيل حقيقي لجميع الأقاليم والمحافظات الفلسطينية، بحيث يتم اختيار أمناء سر الأقاليم وممثلي المحافظات وفق قاعدة تنظيمية واضحة تستند إلى عدد المنتسبين الفعلي للحركة في كل محافظة. فالأصل في العمل التنظيمي الديمقراطي أن تكون عملية التمثيل مرتبطة بالثقل التنظيمي والجماهيري لكل منطقة، بما يضمن عدالة التمثيل داخل الأطر القيادية للحركة، ويحول دون احتكار القرار التنظيمي من قبل محافظات أو شخصيات بعينها. فمن غير المنطقي، وفق هذا التصور، أن تتساوى محافظة تضم عدداً محدوداً من المنتسبين مع محافظة تمتلك قاعدة تنظيمية واسعة من حيث حجم التمثيل داخل الأطر القيادية، لأن ذلك يتعارض مع مبادئ العدالة التنظيمية والتمثيل الديمقراطي.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري يتعلق بمدى إدراك الحركة لمسؤوليتها الوطنية والتنظيمية في المرحلة الراهنة، وما إذا كانت لا تزال تمثل إطاراً وطنياً جامعاً لكل أبناء الشعب الفلسطيني، أم أنها أصبحت أقرب إلى بنية تنظيمية تخضع لمعادلات القوة والنفوذ داخل مؤسسات السلطة، بما أدى إلى تراجع دور القاعدة التنظيمية في التأثير على القرار الحركي. كما يثير هذا الواقع نقاشاً أوسع حول طبيعة العلاقة بين الحركة ومؤسسات السلطة الفلسطينية، ومدى تأثير التحولات السياسية والإدارية على البنية التنظيمية للحركة، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات المتعلقة بضعف التمثيل الجغرافي لبعض المحافظات الفلسطينية داخل اللجنة المركزية والأطر القيادية، مثل طولكرم وطوباس وقلقيلية، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول مدى انعكاس البنية التنظيمية الحالية على مفهوم الشراكة الوطنية داخل الحركة.
كما أن العديد من الباحثين في الحركات السياسية يشيرون إلى أن غياب التمثيل المتوازن داخل البنى التنظيمية يؤدي غالباً إلى تراجع الثقة الداخلية، وإضعاف حالة الانتماء التنظيمي، خصوصاً لدى الأجيال الشابة التي تبحث عن فضاء سياسي قائم على الكفاءة والتداول الديمقراطي. ولذلك، فإن الحفاظ على الطابع الوطني الجامع للحركة يتطلب إعادة تفعيل الحياة التنظيمية الداخلية، وتوسيع المشاركة الديمقراطية، وتعزيز مبدأ التمثيل العادل، بما يضمن بقاء الحركة إطاراً وطنياً يعكس التنوع الجغرافي والاجتماعي والسياسي للشعب الفلسطيني، لا مجرد إطار مرتبط بمراكز النفوذ أو التوازنات السياسة الداخلية.





شارك برأيك
حركة فتح بين الوطنية الجامعة وإشكالية التمثيل التنظيمي