في الحركات الوطنية الكبرى تاريخيا , لا تكون الانتخابات عبارة عن إجراء تنظيمي عابر, بل هي لحظة مراجعة تاريخية, وامتحاناً أخلاقياً وسياسياً يعيد تعريف العلاقة بين القيادة والقضية, وبين التنظيم والشعب. أما حين تتحول الانتخابات إلى أبواب مشرعة لكل من هب ودب, بلا معايير نضالية, ولا رؤية وطنية, ولا مشروع تحرري واضح, فإنها لا تعود عملية بناء, بل تصبح عملية تدوير للأزمة, وإعادة إنتاج للفشل, وتوزيعاً جديداً للنفوذ والغنائم داخل البيت الواحد.
ما يجري اليوم داخل حركة فتح لا يشبه حراكاً تنظيمياً صحياً بقدر ما يشبه محاولة تجميل جدار متآكل فيما الأساسات نفسها تنهار بصمت. فالأزمة لم تعد أزمة أفراد أو أسماء أو أجيال, بل أزمة قيادة فقدت معناها السياسي, وأزمة حركة تحولت تدريجياً من مشروع تحرر وطني إلى شبكة مصالح متداخلة, تديرها مراكز قوى متصارعة, لكل منها حيتانها وخيوط لعبتها وأدواتها الصغيرة.
لقد أصبح المشهد مثيراً للشفقة والقلق معاً. قيادات تتحدث باسم الشعب فيما الشعب في وادٍ آخر تماماً. شعب يواجه احتلالاً يزداد تغولاً ووحشية كل يوم, فيما جزء واسع من الطبقة القيادية يعيش حالة انفصال سياسي وأخلاقي عن الواقع, منشغلاً بتوزيع الحصص, وترتيب المواقع, وإعادة تدوير الولاءات, وكأن القضية الوطنية مجرد شركة متعثرة تحتاج إلى إعادة هيكلة إدارية لا أكثر.
الأخطر من ذلك أن حالة المرض التنظيمي لم تعد تُعالج, بل يجري نقلها عمداً إلى وجوه جديدة. يتم استبدال أسماء بأسماء, وإدخال أعضاء جدد إلى البنية نفسها المريضة, ليصبحوا نسخاً مكررة من الأزمة لا أدوات للخلاص منها. بعض المال هنا, وبعض الوعود هناك, وبعض شبكات المصالح والعلاقات الأمنية والعائلية والجهوية, كفيلة بصناعة “كوادر” جديدة تحمل الجينات ذاتها للفشل والانتهازية والارتهان.
وهكذا تتحول الانتخابات إلى ماكينة لإعادة إنتاج الطبقة نفسها, وإن اختلفت الوجوه. ماكينة تفرز مزيداً من الموظفين السياسيين لا المناضلين, ومزيداً من السماسرة التنظيميين لا أصحاب الرؤية الوطنية. الجميع يتحدث عن “الشرعية التنظيمية”, لكن لا أحد يجرؤ على السؤال الأخطر, شرعية ماذا بالضبط؟ شرعية إدارة العجز؟ شرعية البقاء تحت سقف الاحتلال؟ شرعية سلطة بلا سيادة, وقرار بلا استقلال, ومؤسسات لا تستطيع حماية طفل من رصاصة جندي؟
إن أكثر ما يكشف عمق المأساة هو هذا التناقض الفادح بين شعب لا يزال يدفع أثمان القضية يومياً, وقيادة تبدو وكأنها فقدت علاقتها بالمعنى الحقيقي للنضال. الفلسطيني البسيط يعيش القهر والحصار والاستيطان والقتل والبطالة وانسداد الأفق, بينما كثير من مراكز القرار غارقة في حسابات النفوذ, والتوازنات الداخلية, وصراعات الورثة السياسيين على ما تبقى من جسد الحركة.
والأسوأ أن هذه الصراعات لا تُدار وفق خلافات فكرية أو برامج سياسية متباينة, بل وفق منطق العصبيات والمصالح الشخصية. لا أحد يناقش مشروعاً وطنياً للتحرر. لا أحد يطرح رؤية حقيقية لمواجهة الاحتلال أو إعادة بناء النظام السياسي أو استعادة الوحدة الوطنية. كل ما يجري يدور حول من يسيطر على اللجنة الفلانية, ومن يضمن الولاء في الإقليم الفلاني, ومن يملك المال الكافي لتحريك الأصوات والذمم.
إنها مأساة حركة كانت يوماً عنوان الكرامة الوطنية, فإذا بها اليوم تبدو أحياناً كجسد ضخم فقد روحه. حركة صنعت تاريخاً عظيماً بالتضحيات, لكنها تُدار اليوم بعقلية إدارة الأزمة لا عقلية التحرر. والأسوأ أن الاحتلال نفسه بات يدرك هذا الوهن العميق, ويعرف أن كثيراً من الحسابات الداخلية أصبحت محكومة بسقف “المسموح” أمنياً وسياسياً, لا بسقف ما يحتاجه المشروع الوطني.
كيف يمكن لحركة تحرر أن تتحدث عن انتخابات داخلية فيما القرار الوطني نفسه مقيد تحت رحمة الاحتلال؟ كيف يمكن الحديث عن تجديد شرعية تنظيمية بينما الشعب كله محروم من حقه الطبيعي في تقرير مصيره؟ أي معنى لقيادة لا تملك مشروع مواجهة واضحاً, ولا رؤية للخروج من المأزق التاريخي, ولا حتى الجرأة على مصارحة الناس بحجم الانهيار؟
لقد تحولت المحاسبة داخل البنية التنظيمية إلى أداة انتقائية بامتياز. الكبار دائماً ينجون, والحيتان تبقى فوق المساءلة, أما الحساب الحقيقي فيقع غالباً على من هم أدنى مرتبة. يتم التضحية بالصغار لحماية مراكز النفوذ الكبرى. تُفتح ملفات هنا وتُغلق هناك وفق ميزان الولاء لا ميزان العدالة. أما الفشل الاستراتيجي الكبير, فلا أحد يتحمل مسؤوليته. من أوصل المشروع الوطني إلى هذا التآكل؟ من فرّغ المؤسسات من مضمونها؟ من جعل الجماهير تفقد ثقتها بالتنظيمات والقيادات؟ أسئلة معلقة بلا إجابات لأن الجميع يخشى الاقتراب من أصل المرض.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة وطنية ليس الانقسام فقط, بل فقدان المعنى. وحين تصبح السلطة بديلاً عن التحرر, والإدارة بديلاً عن المقاومة السياسية, والبقاء في المواقع بديلاً عن المشروع الوطني, فإن التنظيم يبدأ تدريجياً بفقدان روحه التاريخية مهما حافظ على شكله الخارجي.
اليوم تبدو الساحة الفلسطينية وكأنها تسير في فراغ سياسي مخيف. لا استراتيجية واضحة, لا أفق جامع, لا قيادة تمتلك القدرة على توحيد الناس حول هدف وطني كبير. مجرد إدارة يومية للأزمات, وتسكين مؤقت للغضب الشعبي, وتدوير للنخب نفسها التي استهلكها الزمن وفقدت القدرة على الإقناع.
والشعب؟ الشعب يقف بعيداً يراقب هذا المشهد بكثير من المرارة. لأنه يعرف في أعماقه أن القضية أكبر من صراعات المواقع, وأكبر من انتخابات داخلية تُدار بالعلاقات والنفوذ والمال السياسي. يعرف أن التحرر لا يصنعه موظفو السلطة, ولا تجار التنظيم, ولا أمراء المصالح. التحرر يحتاج إلى قيادة تمتلك شجاعة الفكرة, ونظافة اليد, وصدق العلاقة مع الناس, وقدرة حقيقية على مواجهة الاحتلال لا التكيف معه.
لكن يبدو أن كثيرين داخل البنية الحالية لم يعودوا يفكرون بلغة التحرر أصلاً. لقد أصبح همّ البقاء داخل المنظومة أقوى من التفكير بكيفية إنقاذ المشروع الوطني. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية, لأن الحركات لا تموت فقط عندما تُهزم عسكرياً, بل تموت أيضاً عندما تفقد قدرتها على الحلم, وعلى النقد الذاتي, وعلى إنتاج قيادة تعرف لماذا وُجدت أساساً.
إن فتح ليست مجرد تنظيم عابر في التاريخ الفلسطيني. إنها ذاكرة شعب كاملة, وتاريخ من الدم والتضحيات والرمزية الوطنية. ولذلك فإن ما يجري داخلها اليوم ليس شأناً تنظيمياً داخلياً فقط, بل قضية وطنية عامة تمس مستقبل المشروع الفلسطيني كله. وكل محاولة لتغطية المرض بالتجميل الإعلامي أو بالانتخابات الشكلية لن تغيّر الحقيقة الأساسية, وهي أن الأزمة أعمق بكثير من تغيير بعض الأسماء أو ضخ بعض الوجوه الجديدة في جسد متعب.
فالقضية ليست أزمة جيل, بل أزمة نهج كامل. نهج فقد البوصلة الوطنية, واستبدل مشروع التحرر بمنطق الإدارة تحت الاحتلال, ومنطق التكيف مع الوقائع بدل تغييرها.
وفي النهاية, لا يمكن لأي شعب أن يستعيد ثقته بقيادة لا تشبه آلامه ولا تحمل مشروعاً واضحاً لمستقبله. ولا يمكن لأي انتخابات أن تمنح الشرعية لحالة سياسية فقدت اتصالها الحقيقي بالناس. الشرعية الحقيقية لا تأتي من صناديق داخلية فقط, بل من القدرة على حمل همّ الشعب, وصناعة أفق وطني, واستعادة الكرامة السياسية المهدورة.
أما إذا بقيت الأمور تُدار بالعقلية ذاتها, وبالحيتان ذاتها, وبالخيوط ذاتها, فإن النتيجة لن تكون سوى مزيد من التآكل, ومزيد من الغضب الشعبي الصامت, ومزيد من الانفصال بين شعب يبحث عن وطن, وقيادة تبحث عن توازنات البقاء.
الانتخابات كغطاء, وصراع الحيتان كحقيقة
155 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
الانتخابات كغطاء, وصراع الحيتان كحقيقة